موسوعة أعلام الفكر العربي تنحاز لأصحاب المشاريع الفكرية الإشكالية

محمود منير قرأها 6
  

موسوعة أعلام الفكر العربي تنحاز لأصحاب المشاريع الفكرية الإشكالية

محمود منير *

رجوعاً إلى كلمة موسوعة باللغة الانجليزية "Encyclopedia" المشتقة من اليونانية وتعني التعليم العام، فإن أي عمل موسوعي يسعى إلى اضافة معرفية جديدة من خلال تأطير شامل لمعلومات او أفكار او آراء في جميع فروع المعرفة أو في حقل معرفي محدد. وكمدخل ترحيبي لموسوعة "أعلام الفكر العربي الحديث والمعاصر" للدكتور أيوب أبو دية والتي صدرت مؤخراً بدعم من وزارة الثقافة، يمكن القول إن المكتبة العربية تعدّ من أفقر المكتبات العالمية بالنسبة للموسوعات العلمية أو القواميس والمعاجم، فباب التأليف في هذا المجال يستلزم وقتاً طويلاً وتركيزاً وجهداً منقطعي النظير، وعليه فإن صدور هذه الموسوعة هو جهد مشكور سعياً لسد فجوة ثقافية هامة.


ولكنه في الوقت نفسه يدخلنا في دائرة من الجدل المعرفي حول الثغرات أو النواقص في الموسوعة، شأن سائر الموسوعات في جميع الثقافات العالمية التي تحتمل إضافة وحذفاً وتعديلاً وتغييراً وتحسيناً كلما أعيدت طباعتها، ما يعيدنا إلى خلل كبير في واقعنا العربي مردّه غياب الدعم والرعاية المؤسسسة لإصدار الموسوعات والقواميس: لذا تبنى هذه الأعمال بجهود فردية تعكس حتماً معاناة أصحابها، وتعمق المعيقات والصعوبات التي تعيق انتاجهم.


ولاقتراح منهجية للقراءة والنقد لعمل الدكتور ابو دية الموسوعي، ينبغي تثبيت مقولة حاسمة أستعيرها من مقدمة المؤلف: "أدعو الجميع، بدافع غيرتهم على هذا العمل القومي والعالمي، أن يضيفوا معلومات او ترجمات لأعلام يستحقون أن يكونوا في هذه الموسوعة، حيث سنخصهم بالشكر أو بإدراجهم ضمن هيئة التحرير، كذلك أدعوهم إلى أن يصحّحوا الخطأ مهما كان ضئيلاً، وأن يضيفوا إلى مواقع النقص، التي أتحمل مسؤوليتها وحدي، وذلك كي تكون الطبعة القادمة، أكثر دقة وأتم إتقاناً خدمة للباحث العربي وسنداً للنهضة العربية المرتقبة".


ولنضع الجدل جانباً، ينبغي توجيه استفسار وحيد يتعلق بحصر الخيارات لدى مؤلف الموسوعة وهيئة التحرير والمستشارين، فهل جاء اختيار 219 مفكراً ضمن رؤية متناغمة لدى فريق العمل، فآلية العمل التي أشار إليها المؤلف في مقدمته تبدو من حيث المبدأ متجاوزة كثيراً من الطروح التقليدية في هذا الصدد، عبر الاشتغال على أصحاب المشاريع الفكرية الإشكالية والواضحة المعالم في آن مبتعدين - حسب وصف المؤلف - عن نطاق العمل الأكاديمي الضيق، ليبقى السؤال حاضراً هل استوعبت الموسوعة جميع من تنطبق عليهم هذه الرؤية؟.


يحسب لموسوعة أعلام الفكر العربي بحثها عن المشاريع الفكرية التنويرية، فكان أن ضمّت الموسوعة عدداً من الأدباء الذي حملت بعض كتاباتهم مشروعاً ما، ومن هؤلاء: أدونيس، نجيب محفوظ، غالب هلسا، عباس محمود العقاد، طه حسين، جبران خليل جبران، جميل صدقي الزهاوي، جمال الغيطاني، حليم بركات، وفاطمة المرنيسي.

ورصدت الموسوعة عدداً من السياسيين ومؤسسي الأحزاب والحركات السياسية في العالم العربي الذين يملكون قراءة نقدية لمجتمعاتهم وإن انزاحت للتنظير السياسي بصورة أكبر مثل: كمال جنبلاط، شفيق ارشيدات، منيف الرزاز، فتحي يكن، غسان تويني، عبد الخالق محجوب.


ويسجل للموسوعة ايضاً اهتمامها بالمفكرين من جميع أقطار الوطن العربي، في سعي ملموس لكسر الحواجز الوهمية بين المشرق والمغرب العربيين، وهي مبادرة لافتة حيث يمكن تتبع مفكرين ينتمون للأطراف وليس للمراكز العربية كالقاهرة وبيروت ودمشق وبغداد، وهو ما يمكن الدارسين من الالتفات إلى الحراك الفكري والثقافي في جميع الأقطار في سياق معرفي واحد.


وأفردت الموسوعة لكل مفكر عربي صفحة أو صفحات قليلة لا تزيد كلماتها بكل الأحوال على ما لا يزيد عن 500 كلمة ولا يقل عن 2500 كلمة، على شكل مقال وزِّع على نحو واحد، افتتحت بنبذة تاريخية عن ولادة ونشأة ودراسة كل مفكر، ومن ثم إطلالة مكثفة على مشروعه الفكري حيث أبرز رؤاه والمحاور الفكرية التي عالجها، إضافة لإقتراحه المعرفي سواء في الفسلفة أو التاريخ أو علم الاجتماع او السياسة او الفكر الديني وغيرها، تليها قائمة بأهم مؤلفاته العلمية لتختم بالمراجع وتذييلٍ باسم المحرر الذي كتب المقال.


وانسجاماً مع هذه المنهجية العلمية، انحاز محرّرو الموسوعة جميعاً وفي مقدمتهم مؤلفها لخيار الموضوعية والنزاهة في تناول الأعلام الذين تختلف مرجعياتهم الفكرية وحتى تحولاتها، فجمعت اليساريين والقوميين والإسلاميين والليبراليين في مقاربة واحدة، من دون ان تتناسى أولئك المفكرين الذي قضوا بسبب مواقفهم الفكرية ومنهم: أنطون سعادة، مهدي عامل، حسين مروة، عبد الخالق محجوب، سيد قطب، فرج فودة وغيرهم شأنهم شأن شهداء الرأي على طول التاريخ الإسلامي.

عودة إلى فاتحة المقال، فإن البعد التعليمي لأي موسوعة يتصدر أية أبعاد أخرى يمكن أن يرمي إليها هكذا عمل، ولذلك فإن توجيه الطلبة في أقسام العلوم الإنسانية والتربوية والشريعة والحقوق والاقتصاد في الجامعات الأردنية والعربية على وجه التحديد هو غاية قصوى يجب أن يضعها نصب أعينهم القائمون على هذا العمل وداعموه والمهتمين. فوجود الموسوعات التي تضم أعلام الفكر أو الأدب أو العلم أو القانون او السياسة تشكل منفعة متجددة للباحثين في قيامهم بأبحاثهم ودراساتهم الأكاديمية واللامنهجية كذلك، ولكنه يشير في الوقت نفسه إلى تقليدية المناهج الدراسية في الجامعات الأردنية وعدم احتواء أغلبها على مفكرين أو أدباء أو كتاب معاصرين وخاصة من اشتهروا في النصف الثاني للقرن الفائت، لعل هذه الموسوعة تضيف شيئاً لجهود ثلة قليلة من الأكاديميين الأردنيين يتابعون جيداً أحدث ما ينتج معرفياً وإثارة الجدل المفيد حوله.


واحتوت موسوعة أعلام الفكر العربي المعاصر والحديث على 766 صفحة، أشرف على إصدارها لجنة استشارية مكونة من مجموعة متخصصة من الأساتذة الكبار هم: أدونيس العكرة ومحمد شيا من لبنان، محمد المسفر من قطر، أحمد ماضي وراضي صدوق من الأردن، حازم طالب مشتاق وعبد الأمير الأعسم وعبد العزيز الدوري من العراق، صادق جلال العظم من سوريا، عبد الوهاب بو حديبة وفتحي التريكي من تونس، فيصل دراج من فلسطين، كما رأس تحريرها الأستاذ جاد الكريم الجباعي، الذي اكتسب خبرة واسعةً في تحرير ومراجعة أكثر من عمل موسوعي.


يذكر أن المؤلف، الدكتور أيوب عيسى أبو دية من مواليد قرية الفحيص الأردنية عام 1955، وحاصل على درجة الدكتوراه في الفلسفة من جامعة القديس يوسف في لبنان، وقد منح جائزة الدولة الأردنية التشجيعية في العلوم الهندسية لعام 1992، وله عدة مؤلفات فكرية وعلمية من بينها: أمثال شعبية مختارة (جمع وتحقيق)، فلسفة التحرر القومي العربي (مؤلف مشارك)، عباس محمود العقاد من العلم إلى الدين، حروب الفرنج حروب لا صليبية، إسماعيل مظهر: من الاشتراكية إلى الإسلام، تنمية التخلف العربي: في ظلال سمير أمين، سلامة موسى من رواد الفكر العلمي العربي المعاصر، محمد أركون مفكراً (مؤلف مشارك)، علم البيئة وفلسفتها.

* صحافي أردني

Al%20Dustoor.jpg