عزمي بشارة يقرأ العلاقة بين المثقف والسلطة عربياً

محمود منير قرأها 5
 

في محاضرته التي نظمتها رابطة الكتاب الأردنيين:ssssssssssssssssssdfghhhhhhhhhdfgrt54t4.JPG

في محاضرته "الثقافة والسياسة" التي ألقاها مساء أول أمس في قاعة المدينة بتنظيم من رابطة الكتاب الأردنيين وأمانة عمان الكبرى، قرأ المفكر الفلسطيني عزمي بشارة التوتر القائم بين الثقافة والسياسة المتمثل في العلاقة بين الثقافة والعلم، وعلاقة الثقافة مع السلطة في التاريخ العربي حتى اللحظة الراهنة، والمثقف والمواطنة.

أشار عزمي بشارة في مطلع حديثه ان موضوع المحاضرة الذي اختارته الرابطة تحت عنوان "الثقافة والسياسة" وضعه بين خيارين فإما التحدث بشكل عام في موضوع فلسفي أو أن يختار بنفسه موضوعاً ما ليتكلم عنه وهو ما سيفعله، موضحاً أن مفهوم الثقافة كما يراه الأنثروبولوجيون بوصفه أحد مميزات التجربة الإنسانية لشعب عن غيره بما تحتويها من عادات وسلوك بشر هو أمر مرفوض بالنسبة له.

ورأى بشارة أن هذا التعريف للثقافة جاء ليحتل مكان الأعراق لتبدو مقبولة أكثر، كأن يقال - على سبيل المثال- ثقافة غربية جذرها مسيحي يهودي قابلة للتعقلن وثقافة اسلامية مغلقة، موضحاً أنه يفضل مفهوم الثقافة بوصفها مرتبطة بالتنوير، بالإفتراض أن المثقف يجب أن يحمل موقفاً نقدياً في نظرته لحياته وما يمر من أزمات ..إلخ.

وأوضح بشارة أن جوهر حديثه هو عن التوتر القائم بين الثقافة والسياسة لا باعتبار السياسة جزءاً من الثقافة أو العكس، وأحد أسباب اختياره هذه الزاوية لأنه يعاني شخصياً من هذا التوتر في حياته وعمله اليومي، وللإضافة حول دور المثقف في السياسة.

وفي هذا السياق نوّه بشارة أن هناك مغالطة منتشرة في بلادنا العربية ناجمة باعتقاده عن القفزات السريعة في التطور وعدم دخول مجتمعاتنا التطورة بصورة تدريجية، وهذه المغالطة تكمن في التمييز بين العلم والثقافة باعتبار أن المثقف ليس مضطراً أن يكون متعلماً ويمتلك معرفة متخصصة ما، وهذا الإنزلاق مردّه عن رغبة أو نية حسنة للتدليل أن ليس كل متعلم مثقفاً، ولديه الثقافة العامة تمكنه من رؤية أشمل من رؤية المعرفة المتخصصة، وان المثقف ليس ملتزماً بوجهة نظر محددة، وهو ما انتشر بين طلبة الجامعات العربية - لمسها وقت كان محاضراً.

وأضاف بشارة ان "تلك النزعة وجدت في خمسينيات وستينيات القرن الفائت حيث اعترضتُ على وجود المتعلم - بالمعنى المهني للكلمة- الذي لا يستطيع أن يأخذ دوراً خارج الموضوع الذي تعلمه، وانتشر هذا الاعتراض بالتشديد على وجوب أن يحمل المثقف ايديولوجيا ما وانه ليس مجرد مجموعة معلومات وحقائق بل يجب أن يتخذ موقفاً أيضاً".

وأكد بشارة على ضرورة وضع وزن نوعي مضاد وأن تلك النزعة تحتاج الآن إلى موازنة لمعالجة الإندفاع الذي دفع رموز بعض الحركات العربية للاعتقاد أن الموقف (الثرثرة) دون علمٍ هو كاف، لذا يجب اعادة الاعتبار ليأخذ المثقف دوره الحقيقي بأن لا يقطع الصلة مع العلميين ذوي الاختصاص، ويكون لديه منظومة معرفية واحدة على الأقل.

من جهة أخرى قرأ بشارة اشكالية مهمة في الواقع العربي والمتعلقة بالتوتر بين كاتب السلطان في العصور العباسية المتأخرة (الذي يحمل معرفة فارسية ويونانية) وبين الفقيه، حيث يعتقد أن هذا التوتر أنجب مفهوم الثقافة، مشدداً على عدم موافقته عليها فالفقه أنجب في فترات كثيرة مثقفاً عضوياً وضع مواقف نقدية ضد السلطان وحاولوا أن يوقفوا الاستبداد.

واعتبر بشارة أن ذلك الجانب الفقهي الإسلامي له بعد ثقافي نقدي، وإن بدا التزامهم بحرفية النص، فقد كانت الوسيلة المتاحة لوضع قانون ما فوق قانون السلطان، وارادة أكبر من إرادته.

ونبّه بشارة إلى أن التوتر الأساسي الذي أراد التحدث عنه هو التوتر بين حسابات موازين القوى وحسابات منظمة القيم، لذا فالتحدي الكبير في بلادنا العربية هو في علاقة المثقف (بتعريفه التنويري حيث يستخدم الأدوات العقلانية أمام الجهل والتخويف والإرهاب الفكري) بالروابط الوشائجية والانتماءات غير العقلانية وغير الطوعانية، أمام العشيرة والانتماءات التي ولد معها ولم يخترها، فلا دور للمثقف إذا كان ممثلاً لروابط عشائرية أو طائفية.

وشدد بشارة إلى أن المثقف هو من يؤسس فكرة المواطنة، حيث المواطن هو فرد حر يقيم علاقات مجتمعية في عقد اجتماعي، وأن الناس لم تجتمع يوماً في أي لحظة من لحظات التاريخ الإنساني ليتحرروا من البنى الاجتماعية التي لم يختاروها، ولولا المثقفين، ومن أمثالهم لوك، لم يتعرف الناس على هذا الأساس، فالوشائج ليست علاقات وإنما هي انتماءات طبيعية لم تدخل في علاقات، والسياسة تقام في المجتمعات لا الجماعات.

واعتقد بشارة أن السياسة لا تبنى في العشيرة أو العائلة حيث هي نظام هرمي تراتبي، مشيراً أن القومية لا تنبطق عليها ما ينطبق على العشيرة كما يعتقد البعض، فالقومية علاقة عقد اجتماعي بين أناس لا يعرفون بعضهم بعضاً على أساس الثقافة واللغة، لذا فالمثقف القومي يؤمن بالضرورة في المواطنة على أساس العقد الاجتماعي.

وكان رئيس رابطة الكتاب د. أحمد ماضي قد أدار الندوة معرفاً بعزمي بشارة الفلسطيني الحر والقومي العربي والمفكر المستنير، مشيراُ إلى انخراطه الباكر في النضال الوطني، إضافة غلى منجزاته البحثية والفكرية ومنها: "المجتمع المدني: دراسة نقدية" و"الأقلية العربية في إسرائيل"، "الانتفاضة والمجتمع الإسرائيلي"، وكتاب أخير يشتغل عليه حالياً بعنوان "تعثر التحول الديمقراطية في الوطن العربي: الإسلام وأنماط التدين".