لسه الأغاني ممكنة؟

فاطمة ناعوت قرأها 6
  

لسه الأغاني ممكنة؟

فاطمة ناعوت

غضبتُ. ثم اندهشتُ. ثم تأملتُ. ثم فهمتُ. ثم أقبلتُ. ثم فُتِنتْ. هي سلسلة المشاعر التي تناوبتني حين شاهدتُ، للمرة الأولى، فيلم "المصير" لمخرجه الجميل يوسف شاهين. ذلك الذي تناول حياةَ ابن رشد، المعتزل الإسلاميّ الأكبر. غضبي الأول كان مردُّه أن الفيلمَ جاء باللهجة العامية. أنا المفتونة بالفصحى، المرتعبة من اندحارها وانحدارها وانحسارها ومواتها البطيء، الوشيك، على مرأى من الناطقين بها ومسمع! واندهشتُ إذْ رأيتُ تناقضاً سافراً، فيما يشبه الإهانةَ، بين ابن رشد النخبويّ، وبين تناول مسيرته بالدارجة.

قدّم ابن رشد شروحاً لمنهج أرسطو المعقّد جعلتِ الغربَ يستعيدُ الأرسطيةَ بعدما طمرها النسيانُ. ليس هذا سبب نخبوية ابن رشد، بل أيضاً لأنه هو ذاته مَن نادى بأن تكون الفلسفةُ ودراستُها حكراً على الصفوة وحدها. هو يرى أن الفلسفة، مثل الرياضيات، تتطلّبُ تركيبةً عقليةً خاصة، هادمةً السائد، متمردةً على المستقر، شاطحةً نحو آفاق التبصّر والاستشراف العابر للمعلوم بين الناس. ذهنيةٌ عاقلةٌ غير ناقلة. ذهنيةٌ لا تقبل مسلّمات على عِلاّتها دون تفكّر. هذه التركيبة العقلية غير متاحة للعوام من البشر. وبالتالي، وفق ابن رشد، لا يجوز أن يتعاطى الفلسفةَ إلا الصفوة. فكيف والحال هكذا، أن يُكتب ابنُ رشد النخبويّ بلغة العامة؟! أليس هذا تناقضا ومفارقةً ومغامرةً غير محسوبة؟

نعم. هي كذلك. لكنْ بعد بعض تأمل فهمتُ أن هذا التناقضَ هو تحديدا مقصدُ الفيلم. فأحد شروط نجاح أي مشروع، فنيًّا كان أو غير فنيّ، هو أن نسألُ: لمن يتوجه هذا المشروع؟ وبالتالي: فيلمٌ يحكي عن ابن رشد، لمن يتوجّه يا تُرى؟ للنخبة؟ للمثقفين؟ للمشتغلين بالفلسفة؟ للشعراء؟ للمستنيرين؟ لحاملي شعلة بروميثيوس؟ مَن الذين يجب أن نخبرهم عن هذا العظيم القائل بوجوب تأويل النصّ السماوي، ثم إعادة تأويله مرّةً إثر مرّة، حتى يتفق مع مجريات الحياة؟ ذاك أن النصَّ وظيفتُه خدمةُ الحياة، لا مصادرتها وخنقها. لمن نحكي قصةَ حياة هذا القائل: الحقُّ لا يضادُّ الحقَّ. والدينُ حقٌّ، والحياةُ والعلمُ والفلسفةُ حقٌّ، فكيف يتضاد الحقّان؟ لمن نقدّم فكر رجل يقول إن المرأةَ مثل النبات، الكلُّ يستفيد منه إلا هو! يأكل منه الطيرُ والحيوانُ والإنسانُ، ولا أحدَ يفكر كيف يشعرُ النباتُ أو بمَ يحلمُ وما هي حقوقه!

لمن؟ للنخبة؟ النخبةُ والمثقفون والمستنيرون ليسوا بحاجة إلى فكر ابن رشد. فهم في ركبه بالأساس. فيلمٌ كهذا وقصةٌ كهذه وفكر كهذا لابد أن يُحكى للناس في إطلاقهم. في المصنع والسوق والحقل والبيت والشارع. ومن ثم يجب أن يكون بلهجة الناس، بمحكيتهم. بحوراهم اليوميّ.

هذا مضمونيّا. أما جماليًّاً وفنيًّاً، فيتفق هذا التناقض الطريف كذلك مع مدرسة شاهين الذاهبة نحو كسر المتوقّع وهدم المعتاد. الفيلمُ التاريخيّ تعودناه بالفصحى، لكن مع مخرج مثل يوسف شاهين، تتحطم تلك القاعدة عند قدميه ويخرج الفيلم بالعامية. ولماذا العامية المصرية وليس المغاربية مثلا كون ابن رشد أندلسيًّا؟ لأنها الأكثر شهرةً ومعلومية عربياً، ولأن الفيلم موجّه بالأساس للقاعدة المصرية الراهنة التي تهبط من حال رقيّ شهدته مصر قبل قرن إلى حال تردٍّ ثقافي وفكري مُزرٍ. أما عنوان المقال فأجمل ما في الفيلم. فهل يا ترى: لسه الأغاني ممكنة؟ سلامتك يا جو!

fatma_naoot@hotmail.com

سبق أن تم نشر هذا المقال في "المصري اليوم" عند دخول يوسف شاهين المشتشفى