شارع 9 بالمعادي
شارع 9 بالمعادي[1]
فاطمة ناعوت

تختخ، لوزة، نوسة، محب، عاطف؛ وكلبُهم "زنجر". خمسةُ أطفالٍ يعرفهم كلُّ أبناء جيلي. لو أنهم، مثلنا، يستسلمون للزمن البيولوجي، لكبروني الآن بعشر سنين. لكنهم، شأن الأيقونات، عابرون للزمن، لا يشيخون. هم أبطالُ سلسلة: "المغامرون الخمسة"، التي كتبها محمود سالم, وصدرت عن "دار المعارف" في السبعينيات الماضية. نتعجّلُ مطلعَ الشهر كي نركضَ إلى مكتبة الحي "لنقتنصَ" نسخةً من العدد الجديد قبل نفاده فور صدوره. طفلةً في الخامسة، أرمقُ "بحسد" أخي الذي يكبرني بسنوات ثلاث لأنه يقرأ "اللغز". فيما أنا لا أفعلُ إلا التحديقَ في الصور لأنسجَ، من خيالي، خيوطَ المغامرة التي نجح "تختخ" في فضِّ سرّها قبل الشرطة. سأتقنُ القراءة بعد برهة وألتهمُ ما فاتني من ألغاز. لكنني سأصدق جداً أن هؤلاء الأولادَ موجودون في شارع 9 بالمعادي.
18 ش 9، الدور الرابع. بيت الخالة. زيارتي هذا المكان كانتِ "المكافأةَ الكبرى". أطيعُ أوامرَ أمي الصعبةَ، من مذاكرة في العطلة وتناول ما أكره من طعام، حتى تجعلني أنعمُ بيوم أو بعض يوم هناك. ليس وحسب لكي أفرَّ من بطريركية أمي الصارمة، إلى حيث ليبرالية خالتي الحنون، بل أيضا لكي أجولَ في شارع 9. وليد وطارق وصافيناز، أبناء خالتي، أقنعوني بوجودهم. كوني الصغرى المزعجة، كانوا يرسلونني في رحلة بحث عن المغامرين لأشاركهم مغامرةً ما. أجوب الشارع بحثاً عن لوزة التي حتما ستظهر لي بضفيرتيها الطائرتين من مكمن ما، بينما أبناء الخالة يجوبون الحدائقَ بحثاً عن الضفادع والفراشات الملونة والزهور. أعود بيت الخالة كاسفةً بعد رحلة بحث خائبة. أتأمل الشجرةَ العملاقةَ التي تصلُ الدورَ الرابع، وتمدُّ أغصانَها داخل البلكون وأفكر. "سأخبِّئُ الكنزَ داخل أوراقها بعدما أسترُّده من عصابة اللصوص، ثم أسلمه للمفتش سامي". أقولُ لنفسي.
وبقدر ما آمنتُ بوجود المغامرين، بقدر ما لم أصدق وجودَ محمود سالم، المؤلف، في دنيا الواقع. هؤلاء الذين قرأنا لهم في طفولتنا يصعبُ علينا تصورهم بشراً مثلنا. يتنفسون هواءنا ويأكلون طعامنا. هم أقانيمُ وطواطمُ. خياليون افتراضيون. لكن لقاءً أدبياً على شرف الروائي السوداني "الطيب صالح" سوف يضعني رأساً في مواجهة طفولتي!
الكاتب الكبير "رجاء النقّاش" يقدم ضيوفَه فتمر الأسماءُ بسلام. حتى يصكُّ مسمعي اسم "محمود سالم"! "معقول؟ مؤلف الألغاز؟ مستحيل!" يرنُّ السؤالُ في قاعي. أظلُّ أتأمله صامتةً وعيناي تخترقان رأسه بحثاً عن المغامرين. أين يختبئون يا تُرى؟
نعم هو. بكل بهائه وجماله وعلوِّ قامته. وأراه في التليفزيون بعد أسبوع. وأجري معه مداخلةً على الهواء. أقولُ له: أنا مدينةٌ لك بالكثير. علمتنا كيف ننظّمُ عقولَنا. نفكرُ ونحلّلُ ونربط المقدماتِ بالتوالي، فتنكشفُ النتائج. بتواضع الكِبار، يفرحُ الأستاذ أن بين قراءه "الأطفال" من غدت مهندسةً وشاعرة. وبكرم الكِبار يفاجئني بحضور ندوة عقدها اتحاد كتّاب مصر احتفاءً بفوز ديواني الأخير بالجائزة الأولى في مسابقة الشعر بهونج كونج عام 2006. وتطالبه المنصّةُ والجمهور بإلقاء كلمة، فيلبي. وأنا بين التصديق والتكذيب أن أحد كتبي بين يدي من ظللتُ سنواتٍ أنهلُ من كتبه!
لقرّاء محمود سالم، الذين غدوا الآن أطباء وعلماء ورؤساء تحرير، أقول: زوروا هذا الموقع www.allegypt.info واحضروا تكريمَه في سبتمبر القادم. ولمحمود سالم أقول: عمتَ صباحاً يا أستاذي الجميل!
دعوة إلى السادة كتاب وقرّاء موقع جماليا من أسرة تحريره لزيارة موقع