كلمة المناسبة
|
الدَّمعات التي كادت تحفر بسخونتها خدَّيَّ الباردين عندما وصلني الخبر الصَّاعق في الحادي والعشرين من حزيران 1986، وأنا على خطوات من موعد الدِّفاع عن أطروحة الدكتوراه في موسكو، لم تكن أولى دمعاتي على عاصي. فقد سبقتها أخرى كثيرة في خريف 1972 عندما سافرت قلوبنا إلى ردهات مستشفى رزق في بيروت تتلهَّف لالتقاط أخبار كنا نأمل منها الاطمئنان. وما خفَّ قلقنا على عاصي ولكن أملَنا لم يزُل، لأن الساحة كانت مليئة بإبداع الأخوين رحباني رغم المرض. وفي مثل هذا اليوم منذ عشرين عاماً اعتصر الألم قلبي كما كان الأمر مع جميع محبي عاصي.. في داخلي تذكرت سيرة عاصي فحضرت صور شهداء لبنان وتساءلت: أليس شهيد الوطن من أفنى نفسه إخلاصاً لرسالته الوطنية الإنسانية؟ وبإغماضة الحزين رأيت صورة عاصي إلى جانب صور أنطوان سعادة وفرج الله الحلو وكمال جنبلاط وكثيرين كثيرين غيرهم .. لم أكن أعرف عندها أنني سأتذكر دمعتي على عاصي بعد عشرين سنة ولم أكن أقدِّر أنني إذ أجدِّد التعبير عن حزني عليه تحضر مع صورته أسماءٌ كبيرة لشهداء رحلوا تاركين غصَّة في لبنان وغيره وحرقةَ قلبٍ لدى كلِّ ذي وجدان وكلِّ من تعز عليه الحرية والعدالة وسعادة الجميع وكرامة الوطن ورخاؤه، أذكر منهم تخليداً في هذه المناسبة رفيق وجورج وسمير وجبران وجميع من روت دماؤهم الذكية تراب لبنان وكانوا شموع نوره. كما تتحد في قلوب الأبناء صورة الأبوين اتَّحد اسم عاصي ومنصور في قلوبنا مذ كنا صغاراً. وأجمل ما كانت تنتظره دمشق والناس القادمون إليها من جميع أطراف سوريا والأردن والخليج وجميع المصطافين من المغتربين السوريين وغيرهم العرض المسرحي أو الفني الذي يقدمه الأخوان رحباني وفيروز ضمن مهرجان معرض دمشق الدولي مع إطلالة كل خريف. كانت الإطلالة الرحبانية موسم فرح لقلوب الناس المتلهفين لحضور أو سماع الإبداع الرحباني الجديد الذي تكرر كل عام ليصبح عيداً غالياً. مع هذه المواسم نبت في رأسي حلمٌ غير محَدَّد الموعد. كانت قناعتي منذ تلك الأيام أن عبقرية الأخوين رحباني هي عمودُ مسرحهما الغنائي وأن تاجَ هذا العمود لبنانيتُهما وأن إنسانية هذين العلمين، التي وصلت إلى مرتبة القداسة في تبني هموم الوطن وهموم الناس وتكريس الذات بقيمتيها الروحية والجسدية من أجلهم، هي جوهر حجارته. أما فيروز فهي زُخرُفُ العمود البعلبكي وجماله وعنوان مرونة مكوناته الصلبة وتماسكها وتعانقها مع الأيادي الماهرة والعقول المبدعة لتتحف أيامنا بمنحوتات خالدة تصدرت واعتلت صروح التراث الفكري والأدبي والفني في ساحة ممتدة زماناً ومكاناً وعمقَ تأثير. كنت أشعر بأنني أريد أن أقول شيئاً في تراث الأخوين عاصي ومنصور قبل أن يرحل عاصي. وإذا كان رحيله قد أرجأ تحقيق رغبتي فإن الحضور المستمر لمنصور في الساحة الفنية والأدبية أحيا هذه الرغبة. وأصدقكم القول أنني كنت كلما هاتفت منصور، الذي نتمنى له العمر المديد، أشعر بأنني أتحدث إلى الأخوين رحباني اللذين امتدَّا بنبلهما وكرمهما عبر الأزمنة والأمكنة وبقي لهما عندي ذات التأثير الذي جعلني أحلم بالكتابة عنهما وأنا شابٌ. هاهو حلمي القديم يتحقق بأجمل وأنجح صورة .. هاهو كتاب "جماليات الإبداع الرحباني" يظهر إلى النور معبِّراً بصدق ونزاهة عن مكانة أدب وإبداعات الأخوين عاصي ومنصور في قلوب وعقول ملايين السوريين والعرب في الأوطان والمَهاجر. وهاهو موقع (جماليا) ينطلق بمجلته مع الكتاب في يوم واحد يوافق يوم رحيل عاصي كي يشعر محبوه وعشاق الإبداعات الرحبانية أنهم قادرون على الوفاء لمن كان رمزاً في الصدق والتفاني من أجل الناس ولأجلهم. إن كان الاحتفال بعشرينية رحيل عاصي الرحباني قد خلق موقع (جماليا) ومجلَّته فإن محبة القراء الأعزاء للفن الرحباني سيعبِّر عنها حبُّهم لهذا الموقع وتجاوبهم مع دعواته للاستمرار في زيارته والتكرم بتقديم المساهمات وإحياء روح العمل الجَمعي وتبادل الآراء والمعارف والمقترحات. خلُدْتَ ياعاصي .. فقد كنت الإنسان الكبير الذي جمع الناس على الفرح وهاهم يجتمعون على الحزن الذي لم يلغه الزمن القاسي. خالدة أعمالكما أيها الأخَوان العبقريان لأنها دخلت قلوب وعقول الملايين وانتقلت إلى أبنائهم وأحفادهم يفخرون بها أسفاراً للفرح والحب والعمل وبناء المجد . مديد العمر للسيدة فيروز مالكة قلوبنا وأصدق وأنقى مشاعرنا ورفيقة دروبنا بأجمل وألذِّ لحظاتها من مطلع الضَّوء إلى مطلعه ثانية. مديد العمر لمنصور الذي أبى ألاَّ تستمر الرسالة الرحبانية التي بنى صروحها مع عاصي مؤمنَين بحتمية التطور فجاء التفاعل مع مقتضياته وسيلة ضامنة للاستمرار مع الأجيال الرحبانية المتعاقبة. والحب كاملاً لجميع من عمل في المسرح الغنائي الرحباني فكان دوره لبنة في هذه الصروح القوية المتماسكة جعلتنا سعداء راضين متذكِّرين. وإذ يصدر العدد الأول من مجلة الموقع مكرَّساً لإحياء ذكرى عاصي الرحباني في عشرينية رحيله وموقَّعاً بأقلامٍ رفيعة الحضور في ساحاتنا عالية القيمة في سجلاتها نشعر براحة الضمير ونحن نوفي عاصي جزءاً يسيراً من حقه علينا وعلى تراثنا الوطني الإنساني الخالد بصانعيه. أتقدم بالشكر الجزيل لجميع من ساهم في هذا الإصدار كتابة أو إخراجاً أو إرشاداً وأتمنَّى أن تنمو لديهم الثقة بالموقع والقناعة بأنهم أصحابه الحريصون على استمراريته وتطوره واتساع شعبيته منبراً حرَّاً للثقافة الجدية الإنسانية وفنونها وإبداعاتها وللتراث القيِّم وصانعيه. |