أعلى ومنتصف القلب - قصة قصيرة

بسّام الطعّان قرأها 5
 

أعلى ومنتصف القلب

قصة قصيرة

بسّام الطعّان

العصافير وحدها اقتحمت خلوتي، رفرفت من حولي، وظلت الشاهدة على انكساراتي، زقزقاتها منحتني شيئاً من الراحة المفقودة وأنا جالس عند الأصيل الربيعي فوق ضفاف الأماني، أتأمل المرئيات من حولي، وأنتظر الفرج بحنين.

"ألله الله يا دنيا, بل ألله الله يا قامة!"

صحت باندهاش، وتحولت من السالب إلى الموجب عندما رأيتها تقتحم وحدتي، وتجلس فوق الكرسي الخشبي المقابل لي.

تغيّر سلوك الدم فيَّ، تملكني شعور لمعانقة صفاء وجهها، ولم أكن في حاجة إلى بروتوكول لأصف فرحي، بقيت أنظر إليها، فدغدغني قلبي، وطلب مني الذهاب إليها، فعدّلت هندامي، مسحتُ شعري براحة كفي، واقتربت منها بخطوات لا تعرف الخجل أو الخوف، وقفت أمامها فرأيت الأبّهة، ورأيت في مرافئ عينيها أشرعة لسفن سعيدة تتمايل في بحر هادئ، حييتها بصوت واثق جريء وكأنني أعرف تاريخها وجغرافيتها، فامتلأت خلاياي بالبهجة حينما أسقطت عليَّ نوراً مصفَّى، ودعتني للدخول في ظلالها الدافئة.

ولكن أي منطق بربري هذا؟ فأنا لم أكن أعلم أنها تتقن فنون التعذيب أكثر من أعتى الجلادين، ولم يخطر ببالي بتاتاً أن أكون محطة للامبالاتها.

وعدتني بلقاء جميل في كل أصيل، لكنها غابت مثلما تغيب الشمس خلف الغيوم الداكنة وتركتني أحتسي قلقي وانتظرها كل يوم حتى أواخر المساء، وبعد تسعة أيام بلياليها جاءت كقوس قزح، جلست إلى جانبي، زنّرتني بهسيس الكلام, ثم سكبت عليَّ ماء البعاد من جديد، فتلطخت روحي بالتجاعيد وأنا أرسمها على مدّ النظر إلى أن غابت، وغابت من واحة العمر صفصافة.

صورَتها لم تغادر شرفات عينيَّ، وكلما تأخر اللقاء، يراودني البكاء، يغمرني الحزن، ويصادقني السأم، وقبل أن ينهار صبري، أهرب من فراغ إلى فراغ، انزوي تحت جدران أو أشجار، أتسلّى بمناظر رسمها خيالي، مناظر مزينة بشهوة غير مكتملة، ثم أتابع سيري في طريق لا أراها إلا سوداء، لعلّني أرى القامة التي تعرش فيها الطفولة صدفة، فلا أجد غير وشوشات الحزن عند أفق الغياب، وحين يتمكن مني التعب، أذهب إلى الحديقة، أجلس على الكرسي الذي جلست عليه أول مرة، أساله عنها, فيئن تحت ثقل جسدي ولا يجيب, عندئذ ألتفتُ إلى العصافير، أسالها بلهفة عنها، فتزقزق وترفرف من حولي، أفهم من زقزقاتها أنها تقول: عروس عمرك هاربة منك، ولكن لا تخف أيها العاشق, ستأتي إليك راكضة وحافية القدمين حين يأمرها القلب.

طال الغياب شهراً كاملاً، فعرّشت الحسرة في حناياي، لأنني فقدت الوصل والوصال، لكنني بقيت أحلم بها وأحلم، وأتمنّى أن تقاسمني رغيفاً شهياً ووروداً ليلية.

أينع الانتظار على نوافذي وأبوابي كدالية، فصمّمت على الذهاب إلى بيتها، وهناك، تجمّد قلبي وهزّه هواء البكاء، وحين عدت إلى البيت بقيتُ في الأسر أسبوعاً كاملاً, ثم وضعتُ الملح على الجرح وسكتّ, فما حصل قد حصل وليس بمقدوري تغييره.

رحلت إلى عالم  يبدو أنه لذيذ بالنسبة لها، لكنها لم تبتعد عني، ويبدو أنها اعتبرتني لعبة مسلية بالنسبة لها، فكلما سنحت لها الفرصة، وبعيداً عن عين الرقيب الجديد، كانت تزرع قامتها أمامي فسيلَ فلٍّ، تفرش لي بساطاً من ودّ بين العينين والشفتين حتى استطاعت إقناعي بأن ما حصل كان رغما عنها، أما أنا فبقيت مثل عصفور سيّجه الظلام وأنهكه العذاب.

اختفت من عالمي مرة أخرى ولأشهر عدة، فصار الحزن مهنتي الوحيدة، وفي صباحٍ شبه بائس، كنت ممدداً في فراشي، أعاني من أرق وفوضى عارمة في الشعور، وحين رنّ جرس الباب، نهضت بتكاسل ووجهي ثابت القسمات، فتحت الباب بيد كسولة، فالتمعت عيناي في ذهول وأنا أراها واقفة أمامي بوجه يشبه القمر المكسور، بينما الندم يتعلق به كاللبلاب، بقيتُ ساكناً كعمود للحظات وأنا أغرز نظراتي في رموش عينيها، أما هي فلم تنتظر، ألقت بجسدها في حضني واغرورقت عيناها بالدموع.

انتشلتُ نفسي من وسط كومة الذهول، ربّتُّ على كتفيها، مسحتُ دموعها، تحسّست خدّيها ودعوتُها للدخول.

قالت وهي تمسح دموعها بمنديل ورقي:

  ـ ظلك لم يفارق ظلّي لحظة واحدة، وحين أمرني قلبي بالمجيء إليك، أنهيت كل شيء وجئت لأكون لك وحدك فهل تسمح؟

  ـ سمعت أنك لم تتزوج بعد.

أضافت حين لم تسمع ردي.

رفعتُ رأسي، عانقتُ عينيها، فارتوتْ عيناي من صدق لا ينضب، ومن شوق لا نهاية له:

  ـ نعم, وبقيت انتظركِ.

نهضتْ فجأة، عانقتني كموجة دافئة، غسلتْ خدي بدموع تتلوّى على خديها القطنيين، ثم جلست إلى جانبي، وأرسـلت ببطء إلى يديّ عشرة أصابع من حنان وحنين، وآن تذوّقتْ يدي حرارة عجيبة، وشعرتُ بخدرٍ لذيذ، مددتها فوق أعلى ومنتصف القلب، لكنها نهضت وهي تبتسم، وأخذتني إلى نهر يتلألأ ماؤه ويسير نحو وديانٍ مليئة بالظلال.

bassamtaan@yahoo.com