أمين زيدان... قلب متّشح بالعطاء والدموع والسخاء
أمين زيدان... قلب متّشح بالعطاء والدموع والسخاء
ريما نجم

رهافة الحس لغة بحدّ ذاتها... أبجديتها بمتناول الروح قبل اليد والأذن والعين!! تصل الى حيث ينبغي أن تصل، بلا مترجمين ولا وسطاء ولا مزايدين... فكيف إذا دخلت لغةٌ من اللغات فاتحة ومنتصرة بقطاف إبداعي، وراحت تهلل لها الحروف والعبارات بارتعاشة، تهتف بحناجر وبرفيف مشاعر?
إنها باختصار لغة منسكبة من رأس النبع الذي غَرفَ منه الأديب (أمين زيدان) تحديداً وليس أحداً سواه، إذ لم يكتف بما أغدقته عليه الطفولة الممسكة بخلجاته من انعتاقات، وقَدْح زِناد مخيّلة، وتشظيّات مدهشة، فاذا بِكَ في مواجهة لغة عصيّة على الوصف. فهي ليست بنت شفة ولا بنت لسان! فحسب، ويُدرَك بالصمت والمهابة والجلال المُراد... لكن، على الرغم من تلك الطقوس، شاء الاديب زيدان أن يُجَسِّدَ، دون ان يُفقِد المُجَسَّدَ وقاره، ولا الجسَدَ عفويته وانطلاقته وتوثّبه وخفّة ظلّه!
من أين أبدأ معه، والحديث يطول، والموضوعات تتشعب، والحزن يتسلل ويخيّم، ويلقي بظلال كثيفة قد تكون قاتمة?? فأمين زيدان مع كلّ إشراقة شمس ومع كل غروب، يَسْتدّل الى استراحة في هذا الكون السابح بميزان!! فهو منذ دهور باتَ عرّاب الحزن، يوم لعب القدر معه لُعبة قاتلة، خسِرَ على إثرها كل شيء... اللعبة لم تكن متكافئة ولم تكن عادلة... بل ظلّت أيامه بأثير ملاكه، وعرّشت براثن الظلم على مسافة قد لا تُذكر أبعادها.. واللقاء يتعذّر... والروح التي تُبصر وتعانق وتضمّ وتلامس، تستحضر.. أثقلتها العذابات والتساؤلات.. ولم تستكن إلا في رحاب التضرّعات والصلوات... وما أسكبه اليوم من حبر قلب وواقع، لم يكن بتلك البساطة والآنية أبداً، بل ما أتى على الورق وما سيأتي، إنما هو محاولة امرأة استعذبت مَذاق الأمومة، فاستعمرتها الأمومة وغلبتها، ووضعت الأغلال في معصميها... فأحالت صمودها هشاشة! وسلسلة محاولات لا تهدأ من التكيّف مع عناصر الحياة والمفاجاءات وكل مطاردات الواقع...
* * *
كلّ ما أقوله وقلته من حقائق إنما هو محاولة مني للتخفيف من الوَقْعِ والوطأة... (أمين زيدان) أعلن بصريح الإقرار والاعتراف والعبارة انه انتهى بعد ان حاصره الرحيل بترصّد وإصرار، ولم تبق سوى إجراءات شكلّية! لتندمج الذات بالذات في تناسق قرير، وذلك منذ أن اختطفت مَخالِب الموت نجله الشاب - عديلَ روحه - فَتركته جسداً منهكاً ملغماً بحزن يُغالبه.. وشوق يُحرّقه... والاتحاد آتٍ وقائم مع الذات الأخرى... فأهل الخير وأبناء النور هم جزء من الذات الإلهية، لذلك هم الى جوار الله في جناته أحياء فيها يُرزقون... (وهو المؤمن بإله واحد ضابط الكون، خالق الكُلّ، المطلق، وله المشيئة كما في السماء كذلك على الأرض)...
* * *
سنوات تمر، وما وقع كأنه اللحظة، والمؤمن المرهف لم تَعد الحياة تعني له شيئاً، هذا إذا كانت تعني له أساساً، وهو المفكّر العميق، والمُنقّب القديم في القضايا المصيرية حتى أقصى أبعادها، الرجل المرهق انكسر حلمه الأبهى، بل اشتعل حلمه الأخير.. والرحيل كما يعرفه بفكره هو العنصر الحيوي للبقاء..
لقد حاول الأب الشاعر استعادة نجله بعشرات القصائد، لكنّ حصاد الشعر ذكرياتٌ ترفع من وتيرة أجراس المرارة والحزن، هذا ما كنت أتلمسه في لقاءاتي الخاطفة معه، حتى كلّما رحتُ ألاحق نظراته الى البعيد كان اشتعال الوجدان والرؤيا يُرجّحانه بين الحضور والغياب.. وأمضي متسلّلة على وقع كلماته الى أصقاع وأصقاع، وقد اخترقتُ أزمنة وأمكنة، في آن...
تذكرت حينها (نزار قباني) الذي انكسر هو أيضاً برحيل ابنه توفيق، وحاول استعادته شِعراً وصنوف بلاغة.. أوليست لعبة القدر الغامضة والمفاجئة في كلّ لحظة?
* * *
ما ذكرته عن (أمين زيدان)، لا يدخل في مضمار الشخصي الخاص، لأن ذلك الحدث الذي أسَر الشاعر، طبع لغته، بالمقابل، بحساسية مفرطة، فللرجل مواصفات من الهواء.. فهو كفاعل خير يقود الموجة ويدفعها الى الشاطئ برفق حيناً وبعزم أحياناً، وهكذا دواليك، فجعل زيدان من كلمته إزميلاً ينحت في الحنايا، ورغم ادعائه بأنه لم يَعد حاضراً إلا صورياً، فان عطاءاته الأدبية والفكرية على غير صعيد، تدحض مثل ذلك الادعاء، بل تُثْبتُ العكس تماماً، إذا سلّمنا جدلاً بأن الكلمة هي البداية وهي النهاية، وهي (أي الكلمة) وما بينهما جسر الزنابق أو الجلجلة!! هكذا ينبغي ان ننظر الى الترجمات النابضة التي أنجزها متناولاً فيها أعمالاً ذات مدلولات، وهي في الأصل بصماتٌ من بلاغة سُطّرت باللغة العربية، لأعلام من لبنان نذكر منهم المفكّر والشاعر الدكتور منيف موسى، وغيره كُثُر، وآخرهم كتاب شعري (كرمنا في علين) للكاتب الصديق الوزير (جورج سكاف)، الذي أبدع هو الآخر في كتابات عانقت الشعر كله، رغم تسميتها بالأقاصيص، وقد أكون رغم الحماسة والإعجاب بما أُنجِز، قد تأخرت لبعض الوقت في الكتابة عن مؤلف عايش الطبيعة وظلالها، في لغة بكرٍ، هي لغة الحياة، والحياة هي حركة الجمال المقيم والآتي، بأحداث هكذا ينبغي أن تعاش أساساً، وإلا لما نُثِرَ كل ذلك السحر والجمال اللذان خُصَّ بهما لبنان... كتابات غَنّى بها جورج سكاف للحب، ليس حباً كسواه، بل إنه الحبّ كما نحلم به أن يكون، عندما تمضي مشاعرنا الى أقصى أبعادها وتوهّجها، نحلمه عندما تُسدُّ المنافذ كلها وينطفئ كل ما حولنا. غنّى سكاف الحب في الطبيعة، بحيث جعله بمقام الحياة... هكذا أراه أنا، وهكذا أعرفه ككاتبة عاشقة لمفردات الحب ولعناصر الطبيعة، كل ذلك بمقام الحياة، بل شعرت انه، أي الحب، قابل لأن يكون بديلاً للحياة بكل تطورها وتناسقها وحضاراتها وتناقضها وحتى انفلاتها من كل القيود والروابط.
* * *
كيف تَعَامل الأديب أمين زيدان مع كل ذلك، حين حاول نقله الى اللغة الفرنسية?
تبدو المهمة صعبة للوهلة الأولى، بل أشبه بالمستحيلة، بالنظر الى خصوصية التصوير والجمالية والأحاسيس المخبوءة في لغة الشعراء وخصوصاً لغة سكاف العربية المثقلة بالتمايز وبضوع الروح... إلا أنّ من يقرأ الترجمة الفرنسية لذلك الجمال البلاغي، ولذلك الفرح الداخلي المنحدِرِ من أعالي الشعر، يُدرك، بما لا يقبل الشك والجدل والحيرة والتوقف، مدى نجاح الأديب زيدان في نقل ما يصعب نقله، ناهيك بإضفاء روحية جديدة ولمسات بِكر على العمل، لينضحَ بأبهى حلّة، سارقاً القارئ من دفء موقعه وسكينته الى ملعب الانفعالات الذي يعطي للحياة مساحات ومضامير لم تكن في حسبان المخيّلات المتأهبة للانطلاق. مع تلك القراءة الفرنسية يحلو الحب من جديد، يحلو النظر بمنظار جديد الى الحب، لمن هم جديرون ان يضيفوا الى تاريخ الحب صفحات وصفحات.
* * *
أشهدُ للأديب زيدان بقدرتين: قدرته على جمع كل ذلك الجمال وتحسّسه في مكامنه القصيّة، رغم جرحه النازف، وقدرته على إعادة تشكيله حتى كأنه هو وسواه بآن! ولن يصل الى هذا الحكم إلا من يقرأ العمل باللغتين قراءة معمّقة ومتأنية. وطبيعي أن يحدث ذلك، لأن الانشداد والدعوة الملحّة يحدثان منذ اللحظة والكلمة الأولى، فأيّ نهاية يتحدّث عنها أديبنا وفي حبر قلمه البداية والنهاية، وعلى أوراقه نبض الحياة واشتعال المشاعر?
ولا أستطيع أن أرى في احتراقه الداخلي إلا نوراً يُشرق ليضيء ويُدفئ...
هنيئاً للكاتبين، وهنيئاً لمن قُدِّر له أن يقرأ العمل باللغتين أو بأحداهما على الأقل، وينعم بفرصة جديدة للحب والحياة.
أمين زيدان كلّما قرأته أخذني الى بحر من دموع وعطاء وموعد لقاء، وفكر وعمق وصلاة... إنه موجة فريدة تلثم الشاطئ وتحفر آثارها، لكنها لا تزور الشاطئ مرتين!!
أيها الشاعر...
مـَن قــال إنك بــالآلام متّـشِـحٌ وأنت حاضنُ مَن عـانوا ومَنْ جُرحوا
مِن حزن عَينيـكَ هَـلَّ الفجر مُبتسمـاً وأشـرقَ الحبّ والأحـلام والفــرحُ