جورج ابراهيم الخوري .. إنزع صدرك عن الأوسمة
... أعطني بيتاً سعيداً وخذ وطناً سعيداً ...
وعلى كل زوجين ان يسعيا لايجاد اجواء الانسجام والتفاهم، فلا شيء في الدنيا يساوي أسرة متكاتفة ... فالخلافات تفاهات تفضي بالعائلة الى التهلكة، ويصحّ عندها قول: الأباء يأكلون الحصرم والأبناء يضرسون... ولأن نسيان الأشياء الجميلة ذنب، لا أستطيع نسيان هذه الكلمات الأنموذج وغيرها، التي كان جورج إبراهيم الخوري يردّدها في معظم مجالسه، نسج حولها مئات الحوارات الإذاعية والتلفزيونية الهادفة السلسة، واعتادت المدينة والجوار وآذان جميع اللبنانيين ان تصحوَ على صوته وآرائه في برنامجه اليومي (بيفرجها الله) وذلك في زمن الإذاعة اللبنانية الذهبي. من ينسى خامة صوت (أبو بسام) ومُزُن كلماته مع رفيقته (أم بسام)، ناديا حمدي رحمها الله ورفاقهما ... لقد كان الرجل بيدراً خصباً ... وقامة من أصيل الأرز شمختها، حمل الحب شعاراً وعاش له واستمر به. من ينسى ذاك القلم الأنيق الصافي الجريء من دون نفاق ولا تجريح وبنات أفكاره الفاتنات، وذاك الصوت القيثار الواثق، المفعم بالحس الانساني، والفكرة المشتبكة بالشرايين والخاطرة الفاتنة، وهكذا بعدما عرفته محاوراً ومناوراً، وحاورته وكلما استعدت دردشاتنا ونصوصه، ازداد يقيني بما قاله أدونيس: (الذين يولدون ليضيئوا يموتون) صلاة ما تناديهم، هناك خلف السحاب، لان السماء لمجد الأرض تختزن. أسرج جورج ابراهيم الخوري حصانه ومضى مع حلمه خارج المدينة.
مات الرجل تحت وطأة أحلامه ونجاحاته وصلابته وإرادته، أكاد أسمع صرخاته المكتومة، يومئ للزمن، فبات لثغر كلماته الندية ورودٌ وإشعاع، وارتمت أشواكها على قارعة الطريق وكأني أرى وروده التي كتب عنها بأعلى شرايين معلّقات، ريحانة قلبه وحيدته (غرازييللا) أميرته المدلّلة التي أغمض جفنيه على حزنها وفجيعتها ووجهها المرتمي على قلبه ضعفها الألم وباغتها في الزحمة، وقد منحها الرجل عمراً من دلال وفرح وروح، وخاصرها بتميمتهِ السمحاء - المأثرة - (رسالة الى ابنتي)، أراهم يحيطون به وهو يراقب الموت بشفافية الغافي المعانق شذاها، يلامس بتلاتها الرقيقة، إنها وروده المصطبغة بلون الحروف ترتل عند الغروب قصيدة الغياب.
آه غرازييللا...
ما أبخس العمر عند ارتشاف الغياب بمرارته وغموضه.
يسمونه رحيلاً ... او شيئاً من قبيل الوداع، وتبدأ حكايات تستحضر تواصلاً وتوسلاً بلغة نابضة على أطلال أمنيات لها معانٍ بلون الشروق خلف ستائر الفجر والحنين...
انها مخاضات الشوق ... ترسم رياح الحلم المرتطم بالخريف وينسلخ الحلم من مدار الزمن ..
ويفترش ارائكَ الحزن والمجهول ويقلّب أطياف صور وذكريات ... ويستنبت من أهداب السراب وهجاً يعيد الأحبة الى قلب المشهد، فنستعيدهم عند أول منعطف ... نرتكب البوح والثرثرة ويشتدّ العناق ونمسك بهم، ونتمسّك ببصماتهم وحقائبهم...
آه غرازييلا... أرى أسوار مدن الغربة...
وللغربة مدٌ، وأنياب وحضارات ومدارات وأبجديات وعند أعتابها تقع الإنكسارات ... فصولها مضرجة بالثورة والتمرّد لكن أغصان الذاكرة وارفة لا تنقصها تأشيرات الحب والعبور والإقامة...
لماذا أكتب اليوم عن جورج إبراهيم الخوري بعد عام على رحيله?
ما الذي أبحث عنه في كتاباته ووفائه لوطنه وناسه، وحياته التي عاشها بورودها وأشواكها?
وهل أراه مستغيثاً بالشرفاء الأكارم من أبناء هذا الوطن، وهو مثقل بالتراب?
جورج إبراهيم الخوري ... أنتَ اليوم موجود أكثر رغم فجور النكران والعقوق، ونفور المهازل، وتكاثر الخيبات وتوالد الموبئات التي تنتشر كالجراد... ولستَ بحاجة الى جهدٍ ولا مناسبة للتذكر والتكريمات، إنهض الآن من غفوتك وانْزع صدرك عن الأوسمة، لأنه لا بد من بقائك حياً، فأنت باقٍ لأنك مقيم في وجدان الصحافة والكلمة.