إيضاحات لا بد منها

عطية مسوح قرأها 6
 

إيضاحات لا بد منها

عطية مسُّوح

اهتم الكاتب الأستاذ باسم عبدو مشكوراً بكتاب (العلمانية ـ وجهات نظر) الذي اشتركتُ في تأليفه مع المفكريَنْ الباحثَيْن ماهر الشريف ويوسف سلامة وصدر حديثاً عن دار نون4 للنشر والتوزيع. وقد نُشرت مقالته التي تحمل عنوان: (وجهات نظر في العلمانية) في العدد الماضي من صحيفة النور.

والأستاذ باسم عبدو أديب وقارئ متابع، يعتني بالكتب الجديدة، فيدرسها ويعرضها عرضاً نقدياً، ويحاور مؤلفيها، واسمه من الأسماء المعروفة في عالم القصة والرواية والقراءة النقدية.

لذا كنت سعيداً، حين لمست اهتمامه بكتابنا المذكور وحين قرأت مقالته (وجهات نظر في العلمانية) بكل ما فيها من أفكار وملاحظات وضعها على الكتاب. وإذا كنت أناقش في مقالتي هذه بعض عباراته واستنتاجاته فما هذا إلا تعبير عن رغبة في إيضاح عدد من النقاط التي رأيتُ أن الأستاذ الصديق لم يلتقطها كما أردتُ لها أن تُلتقط، ولم تصل إليه كما رغبت لها في أن تصل إلى القارئ.

ولعلّ مثل هذه الحال تدل على أحد أمرين، فإما أن تكون عبارة الكاتب ملتبسة، غير واضحة، فلا تصل إلى القارئ، أو أن تكون قراءة القارئ متسرّعة، فلا يغوص إلى جوهر الفكرة أو العبارة. فإذا كان الأمر الأول، فلا ألوم إلا نفسي وقلمي الذي لم يسعفني في توضيح ما أريد، وإذا كان الأمر الثاني، فإنني أجد العذر لصديقي، الذي قد يكون مروره السريع على ما قرأ نتيجة لكثرة ما يشغله هذه الأيام من هموم أدبية وسياسية ـ أدى إلى وقوع شيء من اللبس في قراءته ومناقشته.

أقول: وقوع شيء من اللبس في قراءته ومناقشته، لأنني وجدت أنه يرد على أفكار وآراء، ينسبها إلي، لم ترد في كتاب (العلمانية) الذي يناقشه. فمن أين جاء بها؟ وهل يناقش كتاباً بذاته كما جاء في عنوان مقالته، أو مسائل أخرى لا علاقة لها به؟ أو عبارات يأخذها من مقالات أخرى ويفصلها عن سياقها ويرد عليها لإظهار موقفه منها في مكان وزمان لا يحتملان ذلك؟

يقول الأستاذ باسم: (ويشطح عطية مسوح في آرائه الليبرالية، بمعنى آخر يريد إحداث قفزات لتجاوز العقلية الحزبية الاستبدادية التي انتهت وتلاشت منذ زمن).

وما أراه غريباً هو أن كلمة (الليبرالية) لم ترد إطلاقاً في بحثي الذي يناقشه، وسأذكر الفقرة التي أتحدث فيها عن دور الأحزاب التي تتبنى العلمانية في نشر النزوع العلماني، كما وردت في بحثي، كي يقارن القارئ بين ما قلته، وما يفترض الأستاذ باسم أنني قلته: جاء في بحثي:

(أما على صعيد الأحزاب، ولا سيما الأحزاب التي تتبنى العلمانية، فإن أول ما يمكن أن تقوم به هو أن تمارس العلمانية في صفوفها، فتنطلق من رعاية حقوق أعضائها في أن يفكروا بحرية ويعبروا عن آرائهم المختلفة وإن جاءت مغايرة لآراء القادة أو المواقف الرسمية للحزب، وأن تتيح لمختلف الآراء والمواقف أن تعبر عن ذاتها في منابر الحزب الإعلامية، وأن تسمح بالتنوع داخلها وترعاه وتحميه من تطاولات هذا المسؤول أو ذاك. إن قيام أي حزب علماني بالمساهمة في نشر النزوع العلماني في المجتمع يقتضي تربية أعضائه تربية علمانية تقوم على الشك والتفكير وترسيخ قيم المواطنة في عقولهم وتدريبهم على احترام الآخر والدفاع عن حقه في أن يكون مختلفاً، وأن يحمل آراءه ويعبر عنها ويروّجها بالأساليب السليمة، أي بالردّ على الفكرة بالفكرة لا بالزجر والمنع. وحين يتحقق ذلك داخل الأحزاب العلمانية تصبح أقدر على نشر النزوع العلماني في المجتمع).

قبل ذلك وبعده لا يتطرق البحث إلى الأحزاب إطلاقاً، فأين وجد الأستاذ باسم (الشطح) في آرائي الليبرالية؟

ثم إنني لم أتحدث عن حزب معين، فواضح أن كلامي هو عن أحزاب الوطن كلها، ولا سيما العلمانية منها، وإذا كان الأستاذ باسم يرى أن الحزب الشيوعي الذي هو عضو في قيادته العليا قد عالج هذه المسائل وتجاوز كل السلبيات المتعلقة بحرية الرأي والتعبير في صفوفه ـ وهذا موضع خلاف بالطبع ـ فإن ثمة أحزاباً أخرى قد لا تكون الأحوال فيها على هذا النحو، وهذا يعني ضرورة طرح ما طرحته في بحثي، وفائدة التركيز عليه.

لكن الالتباس الكبير في قراءة الأستاذ باسم لبحثي عبّرتْ عنه عبارته التالية: (ولا يحق لأحد أن يصادر رأي الرفيق عطية، ولكن يحق لأي كان أن يناقش معه مسألة المنابر في الحزب الشيوعي، وهذه ظاهرة مدّت رأسها في تسعينيات القرن الماضي ولم تلاقِ القبول والترحيب، وكثيرون دَعوْا إليها وأصبحوا الآن خارج الحزب).

الالتباس ظاهر. فقد جاء في بحثي (وأن تتيح لمختلف الآراء والمواقف أن تعبر عن ذاتها في منابر الحزب الإعلامية). وواضح لكل من يقرأ ويعمل في مجالات الصحافة والثقافة والسياسة أن (منابر الحزب الإعلامية) تعني صحفه ومجلاته ومحطات بثه إن وجدت. ولم ترد كلمة (منابر) في غير هذا الموضع في البحث كله.

ويبدو أن الأمر اختلط على الرفيق باسم بين (منابر الحزب الإعلامية) وفكرة (المنابر) التي ناقشها ورد عليها.

ومثل هذا الالتباس قد يحدث في القراءات السريعة.

وسأتوقف عند نقطة أخرى جاءت في رد الأستاذ باسم وهي قوله: (وكثيرون دعوا إليها وأصبحوا الآن خارج الحزب).

لو جاءت هذه العبارة على لسان غير لسان باسم عبدو، أو في ظرف غير هذا الظرف، لقلت إن قائلها يعبر عن رغبته في أن يصفّي كل صاحب رأي مخالف للرأي الحزبي الرسمي، إذا تجرأ وعبّر عن رأيه خارج منظمته. لكن حسن النية يدفعنا إلى الاستنتاج أن الذين (أصبحوا الآن خارج الحزب) خرجوا بإرادتهم ورغبتهم. وكان من المفيد أن يفكر الرفيق باسم وأن نفكّر جميعاً بالأسباب العميقة التي دفعت الكثيرين إلى الخروج من الحزب، أو الأحزاب، فقد نجد بين الأسباب ما يتعلق بالأحزاب ذاتها، وما يجري داخلها من تضييق على حرية التفكير والتعبير.

إن العلمانية التي أراد الأستاذ باسم عبدو أن يناقشها من خلال عرض كتابنا المذكور، والتي خرج عن مناقشتها في مقالته إلى موضوعات أخرى، هي غرض نبيل وعظيم، ومن أجل الوصول إليه ينبغي أن تكرس الجهود الفكرية والثقافية والسياسية. ونحن لا نعمل في فراغ، ولا نبدأ من نقطة الصفر، فلدى شعبنا تجارب ومبادئ كرّستها الحركة السياسية، ومنها التجربة التي عبر عنها شعار (الدين لله والوطن للجميع)، الذي لا يخرج عن مبدأ فصل الدين عن الدولة والسياسة، وهو أحد أسس العلمانية.

وجهات نظر في العلمانية

باسم عبدو