"ليكن الله في عون الشَّرِكة"
كنّا جمعة من الناس، أفراداً و"كوبلات"، في سهرة لطيفة في بيت أحد الأصدقاء، وكانت الأحاديث تدور وتتوالد في مختلف الشؤون السياسية والحياتية والثقافية والاجتماعية. فجأةً، وفي لحظة من الأمسية، نظرتُ مِن حولي، فوجدت أن الساهرين انقسموا، على نحو يكاد يكون "غريزياً"، مجموعتين: الرجال من جهة، والنساء من ثانية، لا يكسر تجانس كل مجموعة منهما سوى وجودي أنا مع "عصابة" الذكور، ووجود شقيق إحدى الصديقات مع عصابة النساء. لم تكن تلك المرة الأولى أشهد فيها انقساماً مماثلاً في الجلسات اللبنانية، رغم غرابة هذا الفرز وعبثيته، أقله بالنسبة اليَّ. تذكرتُ لوهلة احتجاجي أيام الصغر، في كنيسة المدرسة، على تخصيص الجهة اليمنى للفتيان والجهة اليسرى للفتيات أثناء القداس، اذ كنتُ أصر على إلحاق "العار" بالراهبات لإصراري على الجلوس على أحد مقاعد اليمين، رغم أنف العادات والتقاليد والقوانين.
في السهرة المذكورة، بدا حضوري "شاذاً" إلى حد بعيد، في حلقة ذكورية بامتياز. بل كانت بعض نظرات الاستغراب والاستهجان، خصوصاً من النساء، تلاحقني، لإصراري على الجلوس ضمن مجموعة رجال يتجادلون بحماسة في الهموم السياسية، ويدخِّنون السيكار بشراهة، ويقهقهون بصوتٍ عال، ويلقون النكات "الجريئة" شمالاً ويميناً. بصراحة، كانت جلسة هؤلاء الرجال "أهون الشرَّين" لي، مقارنةً مع جلسة النساء التي كانت تطغى عليها كليشيهات ممضَّة، إما من الشعاراتية النسوية الخانقة، وإما من السطحيَّة المطلقة: محضُ كرٍّ وفرٍّ مملَّين بين الحديث عن آخر صرعات الموضة، وهجومات لاذعة وتعميمية على "جنس الرجال"، كانت تصلني "طراطيشُ" منها بين الفينة والفينة من المائدة المجاورة.
رحتُ أتساءل سرّاً كيف يعقل أن يظَلَّ انقسامٌ مشوِّه ومشوَّه كهذا، قائماً و"فطرياً" في مجتمعنا، وتحديدًا بين أشخاص من مستويات علمية متقدمة نسبياً؟ هل يعقل أن يكون ذلك حاصلاً في لبنان القرن الحادي والعشرين، فكَّرتُ؟ ثم قرَّرتُ، في السهرة نفسها، أن اقوم باختبار "كلينيكيٍّ" بسيط.
كنت قرأت يومذاك في إحدى الصحف أن شركة عالمية للمشروبات الغازية عيَّنتْ، للمرة الأولى في تاريخها، امرأة في منصب مديرها العام. لم تكن امرأة عادية، بل كانت أيضاً من أصول هندية: اي أن إندرا نويي، الإدارية البارعة التي لم يمر على انضمامها الى تلك الشركة أكثر من اثني عشر عاماً، ولم تتسلَّم مهامَّها على رأسها إلاّ منذ أيام، بل وتصرُّ على ارتداء السَّاري في الحفلات الرسمية، "مصابةً" بعائقين: أنها من أقلية عرقية أولاً، وامرأة ثانياً، علماً أن في الولايات المتحدة كلها، لا يوجد سوى عشر نساء فقط يتولين مناصب إدارية عالية مماثلة لمنصبها هذا.
فلنعد الى تلك السهرة: عندما تطرَّق الحديث في جلسة الرجال الى عالم الاقتصاد والأعمال، أطلعتهم على هذا الخبر، وكان رد فعل الغالبية إيجابياً: "قد تكون هذه استراتيجيا ترويجية سياسية من الشركة لاستمالة الأقليات ومنافسة شركة المشروبات الغازية الثانية، حلَّل أحدهم، "لكنها خطوة ممتازة". "عرفتُ نساءً كثيراتٍ أثبتْن قدراتٍ إدارية وحنكة براغماتية أعظم من الرجال"، أردفَ الثاني، "ولا بد أن تعيين نويي سيفتح أمام الشركة آفاقاً وأسواقاً جديدة". "ليت كل الحكام والمديرين نساء!"، تنهَّد الثالث، وهو رومنطيقي نبيلٌ من جنس شبه منقرض، للأسف، في زمننا...
حملتُ بهجتي وذهبتُ بالخبر نفسه الى مجلس النساء. استغللتُ فرصة حديث إحدى الساهرات عن صعوبة توفيقها بين مهام المنزل ووظيفتها في إحدى الدوائر الحكومية، لكي أنقل اليهنَّ النَّبأ. كان رد فعل الغالبية، يا للعجب، تشكيكياً! وتوالت التعليقات اللاذعة: "امرأة على رأس شركة بهذه الضخامة؟ لا بد أنَّ حياتها الخاصة عدم في عدم"، قالت واحدة بازدراء. "منصب بهذه الأهمية في سنٍّ مبكرة نسبياً (49 عاما)؟ لا بد أنها "مدعومة" من أحد كبار المساهمين في المؤسسة"، "بخْت" ثانية. ثم أضافت ثالثة بسخرية، وهي مثقَّفة "مودرن": "عندما توضع السلطة في يد امرأة لا بد أن تنجم كارثة عن ذلك: فليكن الله في عون الشركة"! وافقتْها معظمُ الجالسات الرأي، وضحكْن بـ"حبور" وتهكُّم، ثم انتقلْن الى موضوع آخر ..
كدتُ لا أصدّق ما سمعتْه أذناي. لم يخطر على بال أحد تقريباً من معشر هؤلاء النساء أن هذه المرأة القديرة، التي انتخبتها مجلة "فوربس" أخيراً من بين النساء الخمسين الأكثر نفوذاً في العالم أجمع، موهوبة ولامعة وتستحق الترقية. لا بل أبدتْ معظم الحاضرات تعلُّقاً بالنظرة النمطية الذكورية المشكِّكة في قدرات المرأة المهنية، أكثر من الرجال الحاضرين أنفسهم، الذين أظهروا من جهتهم، ربما، دعماً واستحساناً صادقَين. هؤلاء النساء أنفسهن، اللواتي كنَّ منذ لحظات يتَّهمْن الرجل باستبعادهن واضطهادهن، استبسلن، ضربةً وراء ضربة، ومخلباً وراء مخلب، في تقويض انجازات إندرا نويي، بتناقض مرعب و"عفوي" مع خطابهنّ السابق، وحتى مع المنطق الموضوعي البحت.
لستُ أروي ما أرويه من منطلق نسويٍّ على الإطلاق، فأنا أبعد ما أكون عن العصبية النسوية، ولا أؤمن بـ"تضامن" المرأة الأخرق مع المرأة، لا لسبب سوى لأنها امرأة. ولست خصوصاً في صدد إصدار تعميمات ديماغوجية حول مواقف الرجال والنساء، وهو تعميمٌ أرفضه، وفرزٌ "طوباوي" ساذج لست مقتنعة به أصلاً. لكني أصف ببساطة ما حدث في سهرة سهرناها منذ أيام، لا بد أنَّ أحداثها وأحاديثها تتكرَّر في مجتمعنا باستمرار.
بين النقد الذاتي الضروري وكره الذات المَرَضي فرقٌ تعيه قلَّة. فحتَّامَ تظل المرأة، إما عدوة مسبقة للمرأة للأسباب الخاطئة، وإما حليفة عمياء لها للأسباب الخاطئة؟
سؤال آخر: ترى، هل يكون الرجال "نسويِّي" العصر الجديد؟
joumana.haddad@annahar.com.lb