أجراس بيضاء
أجراس بيضاء
سامي أبوعاصي
يقول المترجم المعروف صالح علماني في حواره مع (تشرين) الثقافي: (أقرأ النص خمس مرات، ثم أترجمه مباشرة على شاشة الكمبيوتر. وعندما أنجز بضع صفحات، أقرأ النص الذي ترجمته بصوت عال لمعرفة الإيقاع السمعي للجملة، كما كان يفعل فلوبير). هذا الاعتراف من علماني يضعنا دائماً في خانة الترقب لترجماته والبحث عنها لأنها ستكون مغايرة لترجمة الآخرين للنص ذاته.
وبتصوري إن د. ثائر زين الدين بصفته مترجماً ـ إضافة إلى أنه كاتب وشاعر ـ ينحو على خط مساير لعلماني.. وفي عمله الأخير (أجراس بيضاء) يسلط الضوء على الشاعرة الروسية آنا أخماتوفا (1889-1966) مختاراً لها مجموعة من القصائد محاولاً تقديم (صورة واضحة عن شاعريتها) ص8. مُستوحياً اسم المجموعة من قصيدة قصيرة تحمل عنوان (عن الشعر) كانت الشاعرة قد أهدتها للشاعر الروسي فلاديمير ناربوت.
إن التجول في فضاء المجموعة يترك لدى القارئ انطباعات توحي بمقدار أهمية ذلك الإرث الذي تركته لنا الشاعرة، ويشير إلى المضامين الإنسانية السامية التي حملتها في متن قصائدها، إضافة إلى الذهاب لتصوير معاناتها الناتجة إلى حد بعيد عن مغادرة زوجها لإفريقيا للالتحاق بالجيش للمشاركة في الحرب.
ومن الجميل الذي نعثر عليه تلك المحاورة التي تنشدها الشاعرة مع شعراء آخرين أو مع شخصيات كان لهم إيقاعهم الخاص ضمن الحياة الأدبية في روسيا آنذاك:
" عيناهُ من النوعالذي
لا يمكن لأحد أن ينساه.
ولهذا فالأفضل لي أنا الحذرة!
ألا أنظرَإليهما أبداً.
لكنني سأذكرُ حوارنا،
سأذكرُ تلك الظهيرة المشبعة بالدُخان
يومَ الأحد في البيت الرمادي العالي،
على رصيف نهر النيفا "
ص76
وكما يشير المترجم فإن هذه الأبيات موجهة إلى الشاعر الروسي ألكسندر بلوك وقد جاءت رداً على قصيدة كان كتبها بلوك عنوانها آنا أخماتوفا.
وتقف الشاعرة ضمن مدرسة (الأكمييزم)، وهي مدرسة ظهرت للرد على الشعراء الرمزيين الروس. إذ إن اسم مدرستهم (مأخوذ من الكلمة اليونانية (أكمي) أي الذروة، وقد ادّعى هؤلاء الشعراء بالفعل السعي إلى الكمال الفني (ص 7).
وإذا كان نيكولاي غوميليوف زوجها، هو الشاعر أولاً الذي تقلد وسامين قيصريين لشجاعته وبسالته في المعارك التي خاضها عامي (1915-1916)، فإن الشاعرة زوجته أيضاً لا تقل أهمية في مخاصمة أعدائها، ومدافعتها عن وطنها. فهي قد عاشت حصار لينينغراد ودافعت إلى جانب أبناء وطنها عن المواقع الروسية في مواجهة المدّ الألماني، وتكتب من لينينغراد في تموز1941:
" يا أنت،
يا من تودّعُ اليومَحبيباً
فليذب حُزنك في قوّتك،
ونحن نقسمُ بأولادنا ، نقسمُ بقبورنا
أننالن نسمح لأحد أن ينتصر علينا "
ص 82
(أجراس بيضاء) صدرت عن دار سمرقند للطباعة والنشر، وزُينت غلافها الخارجي والداخلي رسوم بريشة الفنان الروسي ف. تامبوفيتسيف، وحمل الغلاف الخارجي من الخلف كلمات تعبر بعمق عن تجربة الشاعرة وبساطة حياتها:
" تعلمت أن أعيش ببساطة وحكمة
أنظر إلى السماء وأصلي
وأتسكعطويلاً قبل المساء
لكي أرهق القلق الفائض
وعندما تحفحف أوراق الحرشف في طريقي
وينحني عنقود برتقالي من شجرة الغبيراء
أكتب شعراً فرحاً
عن هذه الحياةالزائلة
الزائلة والرائعة
