السرو والصخور

شكيب خوري قرأها 5
 

السرو والصخور

شكيب خوري

تخلع ذاتي الثانية قناعها.

يُحدث حضورها الانبهار.

تنبعث الموسيقى. تناغش أنغامُها السروَ والصخورَ والنعشَ الى مقامه الصامت.

دوماً تولد الموسيقى من خلايا الصمت.

كان صمتي وأنا أنظر الى الاوراق الصفراء يحجز مكاناً له بين هاتين الطبيعتين: سروة وصخرة. وينصت الى همهمات الاغصان العطشى الى الحنان والورود التي استراحت في نتوءات الصخور وعلى لوحاتها الرمادية.

في ذروة سمفونية التصالح مع ذاتي، سمعت صراخ صخرة تتعرّض لشاقوف مِقْلَعْجي، يقطّعها حجاراً متناسقة الاحجام لتصبح بين يدي المعمَرجي مسكناً ثم أثراً مهجوراً أو مخزناً للاشياء المنسيّة.
أجفل الشاقوف بلبلاً طار مستتراً بالاغصان العارية الى كوّة في حماها ظلّ يرتجف، وكانت الشمس بكامل سطوعها، والسماء بهية تُفشي نشوةً كان القدير يجدّدها. من مخبئه همس البلبل: "السرو والصخور عائلتك. غداً تمّحي في ظلها ثم تعود. وربما عندذاك يتعايش الشاقوف مع العصافير ويشبع الصقر بالقليل ولا يغدر بكنار، بضفدع أو بزيز صنوبر".

همسُ المرتجف أضاء مشاهد الحرب والصراعات الفئوية. وثّق أفعال البشر. في هذه اللحظة خاطبتني ذاتي الثانية: "كن فاعلاً. لا تخن أصالتك. لا تتلوّن بأشكال غريبة. لا تسنّ قوانين تمسك بها عناق رعاياك كالأصوليين. إبحث عن أخيك وحدّثه كما أفعل أنا الآن. الصمت المطهّر صديقي، لكن سكوت المتردّد والجبان خصمي. اصغِ الى رسالة الوَرْوَر المهاجر تختر أيّ صمت تريد".

رفعت رأسي الى السماء ورأيت هجرة الوَرْوَر الموسمية. كل سنة تحمل من الأوطان واليها تجربة تعايش جديد مع الغريب والبديع. انكمش وجودي عندما أدركت فلسفة مغامرة الوَرْوَر: الكمان وطن للأوتار المختلفة الأنغام، تتوحّد عندما يكون الأداء منسجماً وسامياً. عندذاك فقط نقرّ بأن الكمان عظيم وأوتاره أصيلة. أيقنت أيضاً أن أيدي المقلعجي والمعمَرجي وأنا، ذاهبةٌ على رغم سلاحَي المعرفة والحرفية بصحبة أوراق الخريف لنغذّي جذور السرو والسنديان والكرمة، وأن التآخي فن الحياة والموت. غناء الورور يقرع باب عقلي. إرث الفئوي يقفل أبواب السعادة.
وتعود ذاتي الثانية بصوتها المحفّز: "اأدركت فاتّعظ. لا تخذلني. ها حكاية قايين وهابيل تسكن ذهنك. الأول مستعد بطمعه للسيطرة. والثاني، الضحية، مستعد ببسمة للعناق. فتح ذراعيه لأخيه. وفي لحظة الغمرة، غدر به قايين بطعنة في ظهره. وها أنت جالس في رحاب الطبيعة لا تستوعب حضارةَ عدالةِ عطائها. اعتمد وأخاك الجدل لتبتدعا معاً فن الحياة لا الموت. هذي هديتي: السعادة. هيا انهض".

دنوت من السرو والصخور حاملاً شمعة الغفران. وكان زيز الصنوبر يرتّل لهما قداسه بطقوسية رتيبة. سهوتُ مع رتابة اللحن عن التّحدي "كن فاعلا". انشغلت بمقارنة بديهية بين وضوح أشعار البلبل وغموض عظات الزيز. رفض الزيز اهتمامي بالتنظير. أنّبني وكان واضحاً وبليغاً: "في البدايات، يا ساهياً، ناشد الإنسانُ الطبيعة لتصنع الصخور غطاء للقبور. حنّت الطبيعة على مخاوفه فامتلأت الأرض بها. أسكنته رحمها. منذ ذاك العطف والخرائط الصخرية تنتشر، وبلغات العصور ترشد الزوار الى الراقدين. نشيدي يعشق هذه التوأمة:

صديقة القبور شجرة السرو

تمتص جذورها الخطايا

على أغصانها تحمل الروح الى العلا

عصافيرها كورس الرحمة

الصخور حصن الأحفاد الذين يفعلون الحق.

طبيعتان لم تتشاورا بصوت الحروف. كانت تصغي الى النيازك.

في عتمة كهفي هان الاعتراف: "انت، يا سروتي، يا جائزة الهزيمة، عندما أدركتُ مغزى وجودك النبيل صرت عاقلاً، مسالماً مثلك، وبدأ صراعي مع قايين. عندما كنا نلتقي كان لا بد أن يكون الأقوى ويبرهن انتصاره بشراسة. ذهبت اليه مزوّداً جميع كتب المعرفة ولم أفلح في تلطيف غريزته أو أن أجعله يرضى بمنافع أن أكون. لم تسكّن وحدانيته ذراعَيَّ المفتوحتين. استنزف جميع طاقاتي الفكرية والمادية والروحية. مثلك أنا لن أنتصر عليه. يخاف الجدل ولا يرمي السلاح. سأخطف روحي الى ظلالك طوعاً لحظة تنبّهينني بأنه سيغدر بي".

مرّ الوَرْوَر، لملم دموعي. حملها رسالة الى وطن يبحث مثلي عن قايين يعقلنه.

بيت بمنازل كثيرة - النهار