قناطر
تنحني أغصان الشجرة المسنّة لتسمح للشمس بالعبور وللنسيم بمداعبتها والدخول الى فسحة ظلالها كي يستريح. من تلك الاقواس التي تنتظم في اتجاهات عديدة وخطوط ومستويات والى نهاية الاحرج، استوحى المعماري الأول قناطر البيت فاختبر في ظلها التوازن الطبيعي بين الحرارة المطمئنة والبرودة المنعشة، واستنبط منها القنطرة التي طوّر بها المعابد وجمّلها وأكسبها إيقاعات متنوعة من الضوء. لم تختلف هندسة القناطر التي قامت القلاع عليها، عن تلك التي ترتفع عليها الجسور. الى صلابتها ومناعتها لجأ البنّاؤون، ولا تزال قائمة رغم خضوعها لحروب مدمرة مع العناصر ومرور الازمنة. وفي روعة الكاتدرائيات الخالدة بصمود القناطر، دخلت كلمات الاوصياء أعماق القلوب ونبهت العقول. وكثيراً ما ارتقى أداء الكهنة والشيوخ الاصفياء في ظل القناطر والقباب الى الشمولية، فسمت دعواتهم بالمتلقين الى الرقة.
فضاءان، مسجد – كنيسة، تنساب الانارة اليهما وتتوزّع بين الأعمدة على درجات مختلفة لتوحي ظلالها بالسكينة والرهبة معاً. فضاءان يوفّران للمعذبين الاجواء المطمئنة فيتصالح الزاني مع الفضيلة، المتعجرف مع التواضع، المستبد مع الحرية، البخيل مع السخاء، الظالم مع الرأفة، التزمت مع الاعتدال، وتنجلي الاسارير وتمتلئ النفوس بالتفاؤل.
كيف يمكن تأكيد هذه الفرضية؟
- الوعي: فسّر الوعي الفطري للجمال مغزى القنطرة - القوس ففتح آفاقاً جديدة حفزت مهارة المبدعين والحرفيين، وخصوصاً البنّاء، على التفاعل مع الشكل الجديد، وليكون التنوّع هبة لمن يحسن توظيفه. "كثيراً من الاشياء، إذا رأها الانسان أدركها. أما إذا لم يرها، فكيف إذاً يعرف ما في يد المستقبل" (مسرحية "أجاكس" لسوفوكل).
- الفن: نقل الرسامون عبر العصور، وربما قبل استحداث القناطر، اقواس الشجر الى لوحاتهم لتؤلف معابر الى العالم السحري حيث ينفح التجلي الرؤى، أو تعبر منها الارواح الى كهف يلفّه الغموض، او تقود الى كوخ ترقص امامه حورية وفراشة تضبط الايقاع كقائد اوركسترا والعازف كيوبيد.
- الانفتاح: كرّست الحاجة القنطرة وسيلة - قاعدة صلبة تصل بين مكانين، وتضمن العبور السليم الى الآخر، وتحافظ على مجرى المياه في الوقت نفسه. اذ لم يكن لدى البنّاء مصادر غير الطبيعة تلهمه هندسة الجسور ليجعل التواصل بين مقلبين حقيقة فتزدهر المناطق بالاختلاط وتبادل السلع والمنافع والمعارف.
- البقاء: التآخي مع الاشكال والامكنة والوجود، كان وراء هندسة البيت المحصن بالقناطر، فجانس المعماري – الانسان العمارة مع البيئة لينتصر على قساوة الطبيعة عندما تختل، وليرضي ايضا حاجته الى بيت – سكينة – ثبات، حيث يشعل موقده في ظل كيان آمن. دخلت القناطر البيت البدائي لتنظّم مناخاً سوياً يقاوم تقلبات الطبيعة.
- الطقوس: نحت البنّاء مسكناً في جسد الصخور لرفاته (نواويس فقرا في جوف صخرة تفصل بينها القناطر).
تغري هذه الانجازات بإقامة مقارنة بين "البنّاء الراهب المؤسس" و"بنّائي – ساسة" اليوم الذين يشيّدون عماراتهم على قناطر سريعة العطب. يجلسون على مقاعدهم المريحة ومفاصلهم ترتجف خوفاً من هزة خفيفة تقوّض شخصانيتهم ووحدانيتهم. انهم "بنّاؤو الصدفة"، برعوا بإقامة الحصون التي تصدّ الخيال وتحرّم منطق الطبيعة الذي يوصي بالعدالة ويؤكد حياة حرة سويّة.
أصبحت الابتكارات التي اقتبسها البنّاء الاول من فلسفة الطبيعة، عبئاً على من انتحل أداء "المعمرجي الراهب" ثم خانه لأنه من طينة فكر استهلاكي وغريب عن خصائص الشخصية الفذة التي ينتحلها. اصطدم مع الجمال والحنين والجذور والولع بالاكتشاف. انه جاف كالثمر "الرجعي". بارد كالأعمدة الباطونية. زمرة من المقلدين شاخت عقولها وعجّزها الترهل، تتنافس على بناء صورة "المدينة" من دون معرفتها بمضمونها: شعب حر. رفعت الحواجز لتحبس تدفق المياه والأجيال من عبور الجسر الى التنوع. وحرمت الأصيل من نعمة الشعر.
أخمدت الوعي الذي أوحى بنظام القناطر وخلودها. صدق من قال: عندما يشيخ الفرد يفقد العلاقة بالاشياء ومنابع الحياة.
معماريّ حضاريّ مليء بشغف الحياة في لباس العمل، يقف تحت قوس شجرة متوعداً: على المزيّفين.. ستسقط مهدّتي.
بيت بمنازل كثيرة - النهار