العاصي والمنصور... واحتراف الأمل
العاصي والمنصور... واحتراف الأمل
حنّـا نـور الحـاجّ
صورة تمهيديّة
"كان فيهْ أرض وكان فيهْ إيدَيْن عم بِتعمّرْ
تحت الشمس وتحت الريحْ
وصار فيه بْيوت وصارْفيه شْبابيكْ عم بتزهِّرْ
صارْ فيه وْلاد وبْإيدَيْهُنْ في كْتابْ
وبْـلَيْل كِـلّو لَيْلْ
سال الحقدبْفَيّة الِبْيوتْ
والإيدَيْن السَّوْدا خلَّعت الِـبْوَابْ
وصارتْ الِـبْيوت بْلا صْحابْ"...
بهذا الكلام التصويريّ المعبِّر (من أغنية فيروز "شوارع القدس العتيقة")، يصوّر عاصي ومنصور ما كان هنا. الأرض والإنسان والبيت والعمل المنتج –كلُّ هذه، مجتمعةً، كانت تُجهّز لصنع وطن أُعيقَ بناؤه بفعلٍ بشريّ غير إنسانيّ.
رحلة صيد بحريّة
على لسان العربيّ الفلسطينيّ اليافيّ، المقيم في المنافي، كتب الرحبانيّان الكبيران –عاصي ومنصور- الكلامَ التالي الذي ملأ الـمَسامع ولـَحَّـناهُ، فأثلج الصدور، وأدفأ القلوب. أمّا الأداء الغنائيّ، فكان للصوت الهادر: جوزيف عازار.
ذاك الكلام الحواريّ الغنائيّ يدور بين صيّادٍ يافيّ الجذور والانتماء والهوى، ومجموعة من رفاقه الذين يـبدو أنّ جميعهم، أو بعضهم، هم كذلك من يافا.
عَبْرَ هذا الحوار الشعريّ الغنائيّ، يصوّر الرحبانيّان رحلةَ صيد بحريّةً في المتوسّط الأبيض، انطلقتْ فجرًا من ميناء يافا الفلسطينيّة، وانطوتْ على مخاطر هلاكيّة، وانتهت بعودةٍ مكلَّلة بالظفر والكسب...
- أذكُرُ يـومًا كنتُ بيافا
* خبِّرنا خبِّـر عـن يافا
- وشراعي في مينا يافا
* يا أيـّامَ الصـيد بيافا
- نادانا البحرُ ويومُهُ سِحرُ فهيّأناهُ المجذافا
* نلمح في الخاطرِ أطيافا
عُدْنا بالشوق إلى يافا
- فـجرًا أقـلعْـنا
زَنـْدًا وشـراعْ
في المُطْلَق ضعْنا
والشاطئ ضاعْ
* هل كان الصيد وفيرا؟
- وغَـنِمْنـا منه كثيرا
قُلْ من صبحٍ لمساءْ
نلهو بغيوب الماءْ
لكنْ في الليلْ
جاءتْنا الريحْ
يا عاصفـةً هوجاءْ
وصلتْ ماءً بِسماءْ
* عاصفةُ البحر الليليّهْ
قطعانُ ذئاب بحريّهْ
- أنزلْـنا الصاري
أمسكْنا المجـذافْ
نقسو ونـداري
والموتُ بنا طافْ
قاومْنا الموجَ الغـاضبْ
روّضْنا البحـرَ الصاخبْ
وتَشُدُّ وتَعْنُفُ أيدينا
ويَشُدُّ يشُدُّ القاربْ
ويومَها قالوا إنّنا ضائعونْ
إنّنا هالِـكُونْ
في الأبد البـاردْ
لكنّنا عدنا مع الصباحْ
جئنا من الرياحْ
كما يجيءُ الماردْ
ودخـلـناها ميـنا يافا
* يا طِيبَ العَوْدِ إلى يافا
- وملأنا الضفّةَ أصدافا
* يا أحـلى الأيّام بيافا
- كنّا، والريحُ تهبُّ تصيحُ، نقول سنرجعُ يا يافا
* واليومَ الريحُ تهبُّ تصيحُ ونحن سنرجعُ يا يافا
- وسنرجع نرجع يا يافا
* وسنرجع نرجع يا يافا
رحلة الصيد تلك تتحوّل، بقدرة الشِّعر الجميل، من مجرَّد ذِكرى مرتبطة بما كان قبل عام ألف وتسعمئة وثمانية وأربعين، من مجرّد ذكرى تـثير الحنين (وقد تثير الأنين)، تتحوّل إلى رَحِمٍ تلد عزمًا وفألاً وأملاً ونبوءةً يقينيّة بعودةِ مَن حُرِم وظُلِم. رحلة الصيد البحريّة تتحوّل إلى تمثيل لِما يعانيه الفلسطينيّ منذ عقود، استلابًا وتشرّدًا، إقصاءً وارتهانًا؛ وعودةُ الصيّادين الصباحيّة إلى شاطئ عروس البحر الفلسطينيّة (يافا) تغدو تمثيلاً للغد المرتقَب المشرق الذي ينتظره الفلسطينيُّ المثقَلُ بالأحمال وبالأحلام، الفلسطينيُّ الحالِمُ بالنهار، بالديار، بالاستقرار، الفلسطينيُّ المحمَّل بالآمال العريضة التي يحدوها فألٌ قد يخاله البعض زعمًا أو وهمًا.
حَيْرة!
حَيّرَنا هذان الرحبانيّان الكبيران. الكثيرون منّا ظنّوا (وبعضنا لا زالوا يظنّون) أنّ فيروز فلسطينيّة، أو أنّ أمّها فلسطينيّة. وذلك أنّ ما قدّمه العاصي والمنصور لقضيّة العرب الأولى (القضيّة الفلسطينيّة) من "خدمات" فنّيّة عروبيّة وطنيّة إنسانيّة، من خلال بعض الأصوات الجميلة -ولا سيّما صوت السيّدة فيروز-، ما قدّمه هذان الكبيران يفوق ما قدّمه كثيرون منّا نحن. ما قدّماه يدفعك -أنت الفلسطينيّ- لِتخالهما فلسطينيَّيْن، أو لتخال صاحبةَ الصوت المؤدّي فلسطينيّةَ الأصل.
مساكين نحْنُ! نستبعد أن يعيش الهمَّ الفلسطينيَّ مَن ليس فلسطينيًّا. قد يكون مَرَدُّ ذلك إلى أنّ بعضنا -نحن الفلسطينيّين- لا يقومون بالحدّ الأدنى من العمل الوطنيّ. بل إنّ منّا مَن لا يعيش هذا الهمَّ أو لا يحسّ به. في وضع لا يشرِّف كهذا، ليس من المستبعَد ولا من المستغرَب أن نظنّ أنّ فيروز اللبنانيّةَ هي فلسطينيّة، وأنّ مرسيل خليفة اللبنانيّ فلسطينيّ هو. نستكثر على امرئ مبدئيّ نقيّ عربيّ غير فلسطينيّ أن "ينافسنا" إذ يعيش ألمَنا أكثر منّا، ويهتمّ بهمّنا أكثر منّا.
معايَنة المعاناة
في الخمسينيّات، عايَنَ الرحبانيّان الكبيران معاناة فلسطينيّي الخيام والتشريد معاينةً حقيقيّة وعميقة، فكتبا مَغْناة "راجعون". فيها يقولان على لسان أهل الخيام:
هل ننامْ
وشراع الخير حطامْ؟
هل ننامْ ودروب الحقّ ظلامْ؟
هل ننامْ؟ لن ننامْ
والكون أسًىوظلامْ
لن ننامْ
وقوفًا وقوفًا أيّها المشردونْ
وقوفًا يا ترى هل تسمعونْ؟
...
بلادي أطلّي قليلاً فإنّنا راجعونْ
في الأمطار راجعونْ
في الإيمانراجعونْ
للأوطان راجعونْ
بهذه التسمية لهذا العمل الغنائيّ ("راجعون")، وبالتكرار مرارًا للّفظة ذاتها التي تشكّل عنوانًا، وبالتساؤل الذي يستنكر النوم ("هل ننامْ؟")، وبالإجابة النافية المتكرّرة ("لن ننام")، من الجليّ أنّ الرحبانيَّيْن هنا لا يعبّران عن تمنٍّ، أو عن تفجُّع وأنين. كلّ هذا وذاك وذلك -على ما يبدو لهما- لا يخدم قضيّة ولا يقدّم حلاًّ. التمنـّي أحلامُ يقظة قد تشكّل "بديلاً" تقاعسيًّا للعمل المقاوِم، والتفجّعُ رثاءٌ للذات المظلومة المهدَّمة المحطَّمة، والأنينُ ليس بديلاً عن خطاب وطنيّ إنسانيّ يستنهض الهِممَ والمَقدرات، ولا بديلاً عن الفعل المقاوِم. الرحبانيّان يعبّران عن إيمانٍ يبلغ حدّ اليقين الذي لا يتزحزح، إيمانٍ بأنّ عودةَ مَنْ سُلِبت أرضه إليها أمرٌ لا يخضع لأيّ تشكيك، وبأنّ أصحاب القضيّة هم أصحاب الحلّ -في الدرجة الأولى.
... في أكثر من نَصّ واحد...
مِثلُ هذا الإيمان اليقينيّ بحتميّة إحقاق الحقوق، وبعودة مَن طُرِد من وطنه، مِثلُ هذا الإيمان مبثوثٌ في شعر الرحبانيّين -عاصي ومنصور- في أكثر من نصّ؛ بل إنـّهما يصرّان، أحيانـًا، على عدم إرجاء التعبير عنه، فيبثّانه ضمن كلام شجيّ، كما في مطلع "غاب نهار آخر":
غاب نهارٌ آخـَرْ
غربتنا زادتْ نهارْ
واقتربت عودتُنا نهارْ
فتفاقُم المأساة لا يلقي بهما في مَهاوي القنوط، بل يمنحهما مزيدًا من اليقين أنّ الحلّ في اقتراب. في هذا استشرافٌ لحلّ آتٍ رغم كلّ شيء. في هذا قال مََن قال إنّ الساعة الأكثر حلكةً هي تلك التي تسبق إطلالة الفجر الأولى.
سنرجع يومًا...
وحين يختار عاصي ومنصور لفيروز أن تغنّي لغيرهما من الشعراء، تراهما يعبّران بهذا الاختيار عن مثل هذا الإيمان اليقينيّ. فعلى سبيل المثال، لا الحصر، حين اختارا للفيروزة أن تغنّي من تلحينهما وشِعر الفلسطينيّ هارون هاشم رشيد (هذا ما أعرفه؛ وثمّة مَن ينسب هذا النصّ إلى الشاعر الفلسطينيّ عبد الكريم الكرمي [أبو سلمى]؛ وهنالك مَن ينسبه إلى الأخوين رحباني)، كان مطلع الأغنية:
سنَرجع يومًا إلى حَـيّنـا ونَغرق في دافئات المنى
سنَرجع مَهْما يمرّ الزمانُ
وتنأىالمسافات ما بيننا
الشاعر الفلسطينيّ الغزّيّ لا يتساءل هنا: متى سنرجع إلى ديارنا الحبيبة؟ ترى هل سنرجع؟ هل من الممكن؟ ومَن سيُرجعنا إلى هناك؟ لا يتساءل بحسرات وعبرات تُغرق القلب والعين، بل يصرّ: سنرجع! الرجوعُ إلى الوطن وإحقاقُ الحقّ أمران محتَّمان. الرجوع حقيقةٌ. قد يكون حقيقةً مُرجَأةَ التجسّد، بَيْـدَ أنّ تحقيقه مسألة وقت ليس إلاّ ("سنرجع مَهْما يمرّ الزمان").
عودة إلى الحزن
يعبّر الرحبانيّان، في أعمالهما الخالدة، عن الحزن والحنين والشجن، حين يتعلّق الأمر بفلسطين وبأهل فلسطين المنكوبين. لا يُسقطان من فنّهما الحزنَ وما يتولّد منه، بيد أنّه حزنٌ يرافقه نبل، حزنٌ وليدُ ذكرياتِ أناسٍ كان لهم يومًا أرضٌ وبحر وسماء؛ حزنٌ لا يُفـْضي بالمتلقّي إلى حافة القنوط والتسليم والعجز. في إحدى أغاني فيروز، وعلى لسان الفلسطينيّ الذي كَتبتْ له "الأقدار" الدوليّة أن يشرَّد عن وطنه مرّتين (عام 1948 وعام 1967)، مُعانِيًا مُرَّ حياة الخيام، يقول الرحبانيّان:
أحترف الحزن والانتظارْ
أرتقبُ الآتي ولا يأتي
تبدّدتْ زنابقُ الوقتِ
عشرون عامًاوأنا
أحترف الحزن والانتظارْ
***
عبرتُ من بوّابة الدموعْ
إلى صقيعالشمس والبرْدِ
لا أهل لي،في خيمتي وحدي
عشرون عامًا وأنا
يسكننيالحنينُ والرجوعْ
***
كبرتُ في الخارجْ
بنيتُ أهلاً آخرينْ
كالشجراستـنبتُّهُمْفوقفوا أمامي
صار لهم ظلٌّ على الأرضِ
ومن جديدٍ ضربتْـناموجةُالبغْضِ
وها أنا أستوطن الفراغْ
شُرِّدتُ عن أهلِيَ مرّتينْ
سكنتُ في الغيابمرّتينْ
أرضي ببالي وأنا
أحترف الحزن والانتظارْ
صحيح أنّ الحزن يستوطن هذه القصيدة المغنّاة، بيدَ أنّها خِلْوٌ من النحيب، والقنوط لم يتسلّل إلى كلماتها. الفلسطينيّ هنا يصوّر لحظتَه الحاضرة، ونكبتَه المضاعَفة الحاضرة كذلك. لا انتحاب ولا عويل؛ بل ثمّة حزن من ذاك اللون الذي، لأنّه لم يأتِ بإسرافٍ وإثقال، قد يمكّن المتلقّيَ -وحاملَهُ كذلك- من أن يحوّله إلى وَقود محرِّك، إلى غضبٍ فاعلٍ، إلى فعلٍ نضاليّ. الحزن هنا (وفي مواضع أخرى، بل في كلّ حالة) لا يمكن أن يكون جدولَ عملٍ.
في "زهرة المدائن"
في الأغنية الشهيرة "زهرة المدائن" -وهي من كلمات العاصي والمنصور وتلحينهما-، بعد نغمات الحزن والحنين التي ترافق بداية الأغنية ووسطها، كما في:
"عيوننا إليك ترحل كلّ يوم"...
..."الطفل في المغارهْ
وأمّه مريمْ
وجهان يبكيانْ
لأجل مَن تَشرّدوا
لأجل أطفالٍ بلا منازلْ
لأجل مَن دافعَ واستُشهدَ في المَداخلْ
واستُشهِد السلامْ
في وطن السلامْ
وسقطَ العدلُ على المَداخلْ"...
بعد كلّ ذلك، لا تلبث نغمة الإصرار أن تطغى على سواها، فنسمع الشاعرين يقولان:
"الغضب الساطع آتٍ وأنا كلّي إيمانْ
الغضب الساطع آتٍ سأمرُّ على الأحزانْ"
الرحبانيّان يعتبران الحزن قنطرة عليها يخطو الفلسطينيّ ليَبْـلغ الضفّة الأخرى، كيما يترجم حلمه إلى فعل ويؤسّس لغدٍ بهيّ.
والرحبانيّان لا يشيّدان أملاً مِن وهم أو مِن كذب. الأمل العريض الذي تَعرضه أعمالهما، في ما يتعلّق بفلسطين (وبمستقبل لبنان كذلك)، هو أملٌ مدعَّم بحقائق. هو أملٌ ينبثـق من رؤيا تستند إلى رأي ورؤية. فالشعوب التي تعشق الحياة منتصرة حتمًا؛ والفنّ لا يمكن إلاّ أن يكون منحازًا إلى الحياة، ومنحازًا إلى ما يتجاوز كلَّ واقع رديء. والفنّان قادرٌ في أحلك الظروف، عَبْرَ فنّه الراقي الرائي والمسؤول، قادرٌ أن يُقْنعَ شعبه بأنّه شعب حيّ ويستحقّ الحياة. وحين يقتنع المرء أو الشعب بذلك، سيمارس أفعالَ الحياة. ومَن كان لديه شكّ في أنّ الفنّ الحقيقيّ قادر على استشراف الغد (فالفنّان يفهم الحاضرَ والماضيَ فهمًا عميقًا أكثر مِن سواه)، فليراجع –على سبيل المثال- مسرحيّة الرحبانيّين العظيمين "جبال الصوّان" (1969) التي حملت "نبوءة" اندلاع الانتفاضة الفلسطينيّة الأولى (1987). وخلاصة هذه "النبوءة" أنّ الحلّ لا يكون إلاّ "مِن جُوَّه".
ملاحظة أولى: لا بدّ من توجيه الشكر والامتنان إلى الصديق الأستاذ الرحبانيّ الهوى "فضل سمعان" ("أبو نزار" -من عيلبون) الذي لفت انتباهنا، في أكثر من مناسبة، إلى بعض الأفكار التي يقوم عليها العمل الرحبانيّ، والتي أطلّتْ عليَّ إبّان كتابة هذا الكلام.
ملاحظة ثانية: لم يكن في المستطاع التوسّعُ أكثر في هذا الموضوع، لضيق المجال، ولانعدام "التخصّص" والإحاطة الشاملة.
ملاحظة أخيرة: كُتبت هذه المادّة بناءً على اقتراح من الزميل العزيز، ابن مدينة سخنين، الأستاذ فادي وجيه معلوف، لتُنشَر في نشرة مدرستنا "مدرسة مار إلياس الثانويّة" في عبلـّين. النشرة (واسمها "صوت النُّور") وُزِّعت في نهاية هذا العام المدرسيّ، وقد تضمّنت مِلفًّا عن الذكرى الستّين لنكبة بني فلسطين. أَحبَّ زميلي العزيز أن يشمل هذا المِلفُّ مادّة فنّيّة أدبيّة، فكان له ما شاء وما أَحبَّ...
حزيران 2008 - عبلـّين – الجلـيل