دمشق.. في مطلع القرن العشرين

نصر الدين البحرة قرأها 4
 

دمشق.. في مطلع القرن العشرين

نصر الدين البحرة


في كتابه الذي وضعه بعنوان «الروضة الغناء في دمشق الفيحاء» عام 1878 وطبع للمرة الأولى في بيروت عام 1879 يورد نعمان (أفندي) قساطلي إحصاءً يبدو أنه كان نتيجة جهد شخصي حول عدد سكان دمشق، فيصنفهم في الجدول الأول على نحو لن نقبله الآن. ولكن إذا تذكرنا أن الوعي القومي لم يكن واضحاً على الإطلاق في ذلك الزمن، فهمنا الأمر كله: «عرب، أتراك، عجم أو إيرانيون، أرمن، افرنج ويونان... الخ».

وفي الجدول الثاني يعرض للطوائف الدينية: «سنة، شيعة، دروز وغيرهم، روم أرثوذكس، أرمن.. سريان قدماء... الخ»، ثم يذكر عدداً تقريبياً لكل طائفة، وينتهي من ذلك الى أن عدد الجميع مئة واثنان وأربعون ألفاً وسبعمئة وسبعة وخمسون نسمة، غير أنه يتحفظ على هذا الرقم قائلاً: «وقد زاد بعضهم هذا العدد الى مئة وستين ألفاً، على أنني لا أرى له صحة». ‏ ‏

أول إحصاء في سورية ‏

ويرفض الدكتور صفوح خير الاعتماد على الإحصاء الذي كان عام 1854، وهو أول إحصاء جرى في سورية، لأنه «اقتصر على الرجال الذين هم في سن الجندية» ولكن الإحصاء الذي أعقبه عام 1884 ـ أي بعد ست سنوات من تأليف القساطلي كتابه ـ بلغ فيه عدد سكان دمشق مئة وستين ألفاً، وهو رقم، يبدو إزاءه الرقم الذي ذكره القساطلي في منتهى الدقة. ‏

مع ذلك فإن الدكتور خير يظهر شيئاً من الحذر إزاء نتيجة هذا الإحصاء أيضاً، ذلك أنه «جرى في أوائل عهد السلطان عبد الحميد الثاني، الذي اتصف حكمه بالإرهاب والحركات السياسية والعسكرية، والتي انعكست آثارها على الحياة الاقتصادية بالجمود والركود، وازدادت حاجة الدولة الى المال والرجال لكثرة الحروب فزادت الضرائب ورفعت الرسوم». ويستطرد قائلاً: «هذه الظروف جعلت الكثيرين يمتنعون عن تسجيل أنفسهم لدى دوائر الدولة، تلك الدولة التي كان من أكبر مهامها وقتئذ إعداد القوائم بأسماء الذين بلغوا سن الجندية ليدفعوا البدل أو يُساقوا الى الخدمة». ‏ ‏

سكان دمشق عام 1913 ‏

ويشير هذا الباحث الكريم في كتابه الضافي «مدينة دمشق» الى الإحصاء الثالث الذي جرى عام 1905 ولم تنشر أرقامه، إلا أن الباحث «بدكر Baedeker» قدر في دائرة المعارف الإسلامية عدد سكان دمشق بعد ثماني سنوات من تاريخ ذلك الإحصاء بنحو ثلاثمئة ألف نسمة (عام 1913) باستثناء رجال الحامية الذين يتراوح عددهم بين بضعة آلاف. ثم يقول: إلا أن هذا التقدير ـ كما يبدو ـ مبالغ فيه ـ أيضاً ـ . ‏ 

الفقراء يُساقون الى الخدمة العسكرية ‏

هذه الفترة من تاريخ المدينة كانت زمناً صعباً للغاية على فقرائها خاصة ومن لا سند لهم من جاه أو مال أو واسطة. الفقير كان يُساق الى الخدمة العسكرية مباشرة، وبعد تدريب بسيط يرسل الى جبهات القتال. والغني كان يدفع البدل، ومَنْ عنده واسطة، جرى له ما جرى لـ«حليم ملكة» الذي يروي حكايته الكاتب الراحل الدكتور كاظم الداغستاني في كتابه «عاشها كلها» ـ طبع في بيروت: دار الأندلس 1969 ـ فهو يقول: ‏ ‏

قصة حليم ملكة ‏

«أصبح حليم ملكة مجنداً رغم أنه أوشك أن يكون كهلاً» وكان لدى حليم بغلان يجران عربة، يشتغل بها في نقل البضائع والأمتعة، فإذا «بالقيادة العثمانية» في دمشق، تصادر أحد البغلين، فبقي لديه بغل هزيل واحد «وأنذرته السلطة بأن يلتحق بالجيش، فتوارى عن الأنظار أياماً. ومازال متوارياً حتى توسط له وجيه في الصالحية، فألحقوه بالخدمة الخفيفة، وتبعته الوساطة والتوصية، فاختاروه آذناً، يعمل في مكتب اليوزباشي ـ رتبة تركية تعادل نقيب ـ حسني بك الذي كان يقيم في بناية (المنزل) وهو بناء العابد المعروف ـ يدعوها أهل دمشق: سراية عزة باشا غالعابدف وهي الآن المقر الرئيس للسجل المدني في دمشق، شارع رامي.. وفيها عدد من المكاتب الخاصة ـ البناء الذي ما برحت نوافذه تشرف حتى اليوم على ساحة الشهداء (المرجة) في دمشق».

...مع ذلك، فإن الأمر انتهى بحليم ملكة الى المشنقة؟ كيف كان ذلك؟ إنه شيء كان معروفاً في ذلك الزمن الرديء.. ولكن.. أين ذهبت واسطة الرجل، ولماذا انتهى الى حبل المشنقة؟! ‏ ‏

في أيام السفربرلك ‏

الدكتور كاظم الداغستاني يضع النقاط على الحروف ‏

«لقد وقع هذا، في يوم جاء بعد أيام متأخرة من أيام الحرب العالمية الأولى التي ازداد في خلالها، بين أفراد الجيش العثماني في دمشق، عدد الفارين من الجندية من أبناء البلاد أو المتخلفين عن الدعوة الى (السفربرلك) وكانت القيادة العثمانية إذّاك أحوج ما تكون لتجنيد أو تسخير أكبر عدد ممكن من السوريين، بعد أن قرر جمال باشا القائد السفاح، أن يعد العدة لحملة الهجوم على قناة السويس، فكانت الدوريات المسلحة التي تكاد وهي تجوب أنحاء المدينة وضواحيها، لا تجد في طريقها أو في جهة من الأماكن العامة والأسواق، أحداً إلا وتسأله أن يقدم وثيقة، تبرر عدم التحاقه بالجيش. فإذا لم يستطع ذلك، أوقفته، ثم عمدت بعد حين لإلحاقه بإحدى القطعات أو المراكز المعدة لتشغيل الناس أو تسخيرهم، في عمل من الأعمال. وكان ممن اشتهر بطلب الوثيقة من المارين في الطرقات والأسواق ضابط تركي لقبوه بـ«أبي لبّادة»، كما لايزال يذكر ذلك الكثيرون من أهالي دمشق. وكان يلبس قبعة طويلة من اللباد، تشبه قبعة الدراويش، فكان يغشى الأحياء والحارات والممرات، ووراءه طائفة من الجنود الأتراك، يلاحقون الفارين المتخلفين عن أعمالهم في الجيش العثماني، ولكن هذا كله لم يكن يحد من عدد الفارين المتخلفين». ‏ ‏

أبو لبادة... يلاحق الفرارية ‏

كانت القيادة العثمانية تعرف أن في الإمكان تجنيد وتسخير عدد أكبر من الرجال، وقد مسّـت الحاجة الى هؤلاء مع احتدام المعارك على جبهات القتال، ولذلك فإنها رأت تشديد عقوبة التخلف عن الالتحاق بالجيش، ولجأت الى تدبير فيه كثير من الإرهاب والقسوة. ويذكر الدكتور داغستاني أن الضابط «أبا لبّادة»، ـ إياه ـ ومعه «اليوزباشي» ضابط الموقع ـ الذي التحق فيه حليم ملكة ـ كانا قد اقترحاه، ووافقت عليه القيادة العثمانية، «وهو أنه كلما قبض على عشرة رجال من الفارين من الجيش التركي أو المتخلفين عن أعمالهم فيه، جمعت أسماؤهم، وكتب كل واحد منها على بطاقة، ثم تسحب القرعة، فمن أصابته شنق لفوره»!! ‏ ‏

سوء حظ حليم ملكة ‏

ويمضي الكاتب السوري الراحل الى القول: ‏

«وجاء يوم قبضوا فيه على عدد من الفارين لم يبلغ عددهم العشرة، وبحثوا في صباح اليوم الثاني عن الفارين أو المتخلفين عن أعمالهم في خدمة الجيش العثماني، وكان (حليم ملكة) السيىء الحظ، قد تخلف عن عمله في ذلك اليوم، مدة ساعتين أو أكثر بسبب ضياع الطير الأبلق ـ كان حليم من هواة تربية الحمام والطيور وكشّـها ـ فوشى به حاسدوه من زملائه، وكان أكثرهم في القيادة العثمانية في دمشق، فزعموا أنه تخلف. وكان رئيسه (اليوزباشي) متغيباً عن مكتبه في ذلك الوقت، فلم يكن هنالك من يدافع عنه أو ينفي ما ألصق به من تهمة غريبة، فكتب اسمه فوراً في قائمة العشرة السوداء وسحبت القرعة، فإذا هي تقع عليه. وبحثوا عنه، وإذا بهم يجدونه في طريقه مهرولاً. فقبضوا عليه». ‏ ‏

لا زهر ولا ورد على المائدة ‏

كان من عادة حليم أن يضع كل صباح على مائدة رئيسه (اليوزباشي) حسني بك شيئاً من الزهر والورد، فحين جاء هذا بعد قليل فلم يجد لا زهراً ولا ورداً، نادى حليماً فلم يجبه أحد، وضرب الجرس، فجاء الأونباشي ـ رتبه تركية تعادل العريف ـ ووقف متهيئاً فسأله حسني بك: (حليم ملكة.. نرده) أي: أين حليم؟ فأجاب وهو ما برح في انتصاب قامته: (آصديلر أفندم) أي: شنقوه يا سيدي. قال اليوزباشي: (ولان نصل آصديلر) أي: الويل لك، كيف شنقوه؟ وعندئذ تقدم الأونباشي من النافذة المطلة على الساحة، فأزاح عنها الستائر، واقترب حسني بك من النافذة فرأى حليم ملكة معلقاً في الفضاء، والناس من حوله يتفرجون عليه. ‏ ‏

عندما عاد الطائر الأبلق

إن الكاتب الجميل الدكتور الداغستاني، يصر على أن يدفع المشاعر الحارة، في مثل هذا المشهد المذهل، حتى الذروة، فيذكر أن الطائر الأبلق الذي تغيب حليم ملكة عن عمله، من أجل البحث عنه، عاد مساء اليوم نفسه، فحط على سطح حليم ملكة في (الصالحية) بعد أن قضى حيناً من اليوم، على سطح صاحبه القديم في حي (الميدان) فلم يجد هنالك من يطعمه شيئاً من الذرة أو يستلهيه بطائرة.

لقد بيعت طيور حليم بعد موته ما عدا الطائر الأبلق «فقد اعتبروه طيراً مشؤوماً لم يقْدم على شرائه أحد». ‏ 

حالة الأمن في دمشق

.. المدهش بعد هذا كله، حالة الأمن في دمشق، تلك الأيام، وهذا ما صوّره في أدق صورة الكاتب الدمشقي الراحل أحمد حلمي العلاف، في مخطوطة عثر عليها الأستاذ علي جميل نعيسه في مركز الوثائق التاريخية بدمشق، فنشرها كتاباً طبع أكثر من مرة بعنوان «دمشق في مطلع القرن العشرين». ‏
كان الأمن في أحياء المدينة مفقوداً الى درجة أن السلطات الإجرائية الحكومية انتقلت الى وجوه الأحياء ومخاتيرها «فكل حيّ تسهر على راحة أفراده هيئة من وجوهه وأعيانه، وهم بمنزلة المجلس الإداري والقضائي والتنفيذي وحُماة الحقوق بالنسبة الى أفراد حيّهم، وكل خلاف ينشأ بين أفراد الحي فمرده الى هذه الهيئة تنظر في الخلاف وتفصل فيه بين المتخاصمين». ‏
أما قوى الأمن في المدينة فإن العلاف يرسم لها هذه الصورة القريبة جداً لأن تكون كاريكاتورية، بكل ما في الكلمة من معنى: ‏ ‏

صورة مضحكة.. للضابطية

«أما قوى الأمن الحكومية والسلطة الإجرائية الرسمية فمكلّفة بصيانة نفسها ومحافظة الأماكن التي تسكنها. تفتح أبوابها نهاراً لبعض المراجعين، فإذا كان وقت الغروب أوصدُّوا أبواب المخافر وسكنوا الى أسرّتهم ومضاجعهم لا يبالون بما حدث وما يحدث لاسيما المخافر المتطرفة في جوانب المدينة، فإنهم لا يجرؤون على الخروج من أماكنهم ليلاً مهما حدث. وكان هؤلاء يعرفون عند العامة باسم (الضابطية) ويلفظون الضاد كما تلفظ الظاء، حسب اللهجة التركية. فإذا استفحل أمر حادث ما، تنادوا واجتمعوا ومعهم طائفة من المشتكين ليقوموا بأعمال الإرهاب أو القبض على الأشرار بمساعدة الطرف الآخر من المعتدى عليهم، فإذا أخفقوا استعانوا بالقوى العسكرية النظامية». ‏
«وإذا كان للحكومة طلب من أفراد الحيّ استعانت بالمختار على استيفاء حقّها من ضرائب أو تجنيد أو شكوى صادرة عليه من إحدى المحاكم. وأعضاء مجلس الحي يحافظون على أفراد حيّهم تجاه الحكومة وبقية الأحياء الأخرى من الظلم والامتهان حرصاً على كرامة الحي وسمعته».

‏

تجوّلوا في ذاكرة دمشق عبر الصور

(اضغط هنا)