شجون كثيرة أثارها في نفسي تساؤل أحد الباحثين: لماذا لا نقرأ؟ تذكرت في البدء ما حدث في السنوات الأخيرة، وهو يصلح لأن يدور الحديث حوله على سبيل المثال، لا الحصر، ففي بعض شوارع دمشق القديمة كان يقوم عدد من الصيدليات والمكتبات التي تعنى ببيع الصحف والمجلات والكتب....
رويداً رويداً أخذتْ تختفي هذه وتلك، لتحلَّ محلها دكاكين لا علاقة لها البتة، بما كان يقدم من خدمات إنسانية وثقافية.
إحدى هذه الدكاكين صار يبيع أشرطة الكاسيت والهدايا، ودكان ثانية أمستْ تباع فيها أقمشة مختلفة، من أغلى الأنواع، وثالثة أضحت تبيع العطور ولوازم التجميل النسائية.
وأستطيع القول دون مبالغة إن صيدلية واحدة، من تلك الصيدليات الكثيرة في ذلك الشارع الرئيسي في قلب دمشق، لم تعد موجودة، ولو شئتُ لعددتُها بالأسماء واحدة إثر أخرى.
ولست هنا بالطبع لأطالب بافتتاح صيدليات أو مكتبات أخرى، تحلُّ مكان تلك التي استبدلت بها متاجر ومطاعم وبوتيكات، ذلك أن المسألة التي أريد الحديث عنها لا علاقة لها بهذه المسألة على الإطلاق، فإن لها صلة بهذا المجتمع الاستهلاكي الذي نما على نحو غير طبيعي وغير سليم، فالنمو الصحيح لا يمكن أن يكون ازدهاراً من جهة وضموراً من جهة أو جهات ثانية، لقد قرأت في الآونة الأخيرة مقالات وحوارات صحفية كثيرة مع عدد من الكتاب والمفكرين، من الوطن العربي والعالم، وقد التقت جميعاً على انتقاد الروح السارية بين الأجيال الجديدة، ههنا يبدو أن الكتاب فقد قيمته، وكذلك الصحيفة والمجلة، بل الصحيفة أولاً، حتى إن بعض الصحف الجادة، في أوربا وروسيا، واجهت أزمات مالية حقيقية هددتها بالإفلاس والإغلاق، فكان أن تقدم متمولون كبار مشبوهون بارتباطاتهم بالدوائر السياسية القذرة هناك، واشتروا بعض هذه الصحف.
ومع تدهور الكتاب، كقيمة ثقافية كبرى، وارتفاع أسعاره في الآن ذاته، نتيجة لغلاء أسعار الورق العالمي وازدياد تكاليف الطباعة، احتلت الساحة قيم هجينة أخرى، غدت بديلة بالقوة، فطغت ثقافة الأغنيات التافهة الهابطة معنى ولحناً وغناء، وأشرطة الفيديو والمسلسلات السقيمة، فإذا المشاهد يمضي معظم الوقت الحر لديه مصلوب العينين أمام الشاشة الصغيرة، مهما تكن الحكاية التي يتابع أحداثها مكرورة أو تافهة أو مصطنعة، أو مؤذية، ونتذكر هنا خاصة ما تقدمه أشرطة الفيديو الغربية، والعربية أحياناً.
ومن المفارقات، في مسألة الكتاب أن ثمنه ارتفع بما يفوق قدرات الشباب على الشراء، في حين نمت طبقة من الأثرياء، يمكن أن تشتري، ولكنها لا تحترم الثقافة، ولا تشتري، وربما أنفق الواحد منهم مبلغاً طائلاً في سهرة واحدة، يكفي لملء رفوف في مكتبة، ولكن لا يفكر ولا يخطر في باله أن يشتري كتاباً واحداً.
وهنا يبدو لي هذا الباحث متفائلاً جداً حين يقول: (إن أكثر الناس اقتناء للكتب أقلهم قراءة)، ولكن مهلاً يا صديقي، ودعك من الجراحات التجميلية، فإن المشكلة أبعد كثيراً مما تتصور، وهي أصعب من أن نستعير كتاباً من صديق ثم نرده، ومن أن نشتري كتاباً نقرؤه ثم نعيده ونخسر به قليلاً.
صحيح أن كثيراً مما يكتب لا يستحق القراءة، وصحيح أيضاً ما ذكر من أن غلاء الكتاب أو عدم توفره ليس هو القضية، وإذا كان أحد لا ينكر أن لارتفاع سعر الكتاب دوراً في المسألة، فإنه في الحقيقة، لا يعدو أن يكون جانباً من الموضوع.
قد يقول أحدهم: إن الكومبيوتر، وتطبيقاته الحديثة، كالإنترنت ـ والإنفوميديا حديثاً ـ جذبت كثيرين من الجمهور القارئ، ولكني أرى أن هذا غير صحيح، لأن قارئ الكتاب هو حتماً غير قارئ الإنترنت، أو أقراص السي ـ دي، حاوية الأخبار والمعلومات في الكومبيوتر، ولكن هناك من يجمع بين الطرفين، فيقرأ من جهة، ويعالج الكومبيوتر وأقراصه من جهة ثانية.
يمكن أن تلعب المدرسة والتربية بالطبع دوراً في الحثّ على القراءة وتكوين عادة المطالعة واقتناء الكتاب، وقد يلعب دوراً آخر خفض أسعار الكتاب، وفسح المجال أمام استعارته من المكتبات العامة، وتقديم تسهيلات لبيعه، وقد.. وقد.. ولكن.. هل تستطيع هذه التدابير وسواها جميعاً أن تحل المشكلة؟!
أعتقد أن الأمواج الاستهلاكية التي أفسدت بحور الثقافة في العالم كله، هي صاحبة القدح المعلى في المسؤولية، قد تكون أمواجاً مصطنعة وغير حقيقية، صُنعت وفُبركت ودُبَّرت وهُيئِّت وطُبخت في مصانع غير نظيفة، غير أن فهمنا لها على هذا النحو شيء، وحل المشكلة شيء آخر.
أما السؤال الذي يفرض نفسه بعدئذٍ فهو التالي: فإلى متى، ستظل هذه الأمواج عاتية عالية؟
أنا واثق أنها لا بد أن تنتهي في زمن، لأنها منافية للطبيعة الإنسانية، معادية لروح التطور الاجتماعي، مهدِّدة بإيقافه، وهذا أمر مناف لنواميس الكون.