في البدء كان الانتظار

د. مفيد مسُّوح قرأها 467
  

في البدء كان الانتظار..

مفيد مسُّوح

"ما قيمة الثانية إن لم تكن انتظاراً لما بعدها"

إيريس نهري

تقول الحكاية، التي أذكرها كما روتها جدة صديقٍ لي ونحن طفلان أصغيا السّمع بلهفة التائق إلى إدراك أسرارِ حزن أهالي الضّيعة كلما رنّ جرس الكنيسة، خارج موعده المعتاد صباح كلّ أحد أو مساء كلّ جمعة أو أيام الصيام والمدائح، فكان لرنّاته المتكررة على ثلاث طرقات أثرٌ فوريٌّ على الوجوه تتساءل وتتلقط الأخبار وتنقلها وتبدي الأسف وتعلن الحزن، فلا مذياع ولا لعب بالورق أو بطاولة الزّهر أو المنقلة، أو حتى ذبح العجول أو الخرفان. تقول:

"في البدء كان الحجر..

وكانت الشمس ربيعاً يضحك للحجر كأنه طفلٌ بريء..

وكان الحجر صخراً قاسياً خشناً بشع المظهر وحيداً حزيناً.. وعبثاً ينتظر وليفاً..

فوقه لانهاية زرقاء ناصعة حيناً وملبّدة بالرماديّ أحياناً،

وأمامه لانهاية زرقاء تهدأ حيناً وتهدر بالأمواج أحياناً،

بين الزرقتين احتار الحجر في أمر وحدته.. وقد طال انتظاره

أغرته زرقة السّماء.

فإذ حاول التحليق إلى الأعلى شدّته اللجـّة فغرق في عمقها.

انحسر الماء بعد أيامٍ تلاحقت وشموس سافرت ورجعت،

فظهر الحجر بهيئة أخرى: طريّاً دافئاً ملوّناً يحمل في بطنه سرّاً تعرفه الشمس.

وإذ اتكأ الحجر قبالة الماء وتحت السماء بين حرٍّ وقرّ، تشقق سطحه وانبثقت من قلبه زهرةٌ سرعان ما اشرأبّت فوق جذورها المطمورة في قلب التراب مخترقة الأعلى، يغري الشمسَ حسنُها ويترنـّم الفضاء بأريج عطرها.

في اليوم الأول تحفّزت الأشجار وسنابل الحقول.. في اليوم الثاني تدفقت الكائنات الطالعة من تراب الأحجار الأخرى.. في الثالث غنّت المواسم فرحاً..

في الرابع جاء بستانيٌّ يرعى الزهور والسنابل والأشجار ويكرّس مواسم الفرح بين الكائنات فكانت المزامير من أجل الحبّ.

في الخامس أقبلت الطيور والفراشات تعانق الزهور وتطرب بصوت حفيف أجنحتها ببتلات الزهور وأوراقها وتتلذذ رشف رحيقٍ طيب تغذّت به وتكاثرت.

في السادس كان بشرٌ.. حمل بعضٌ معولاً وثانون بيكاراً وآخرون قيثارةً وساق غيرهم قطيعاً.

واكتمل القدّاس في اليوم السابع.. فابتهج قلب البستاني.

"في اليوم الثّامن كان عرسٌ جميلٌ، وكان زواج"

وفي هذا اليوم تعلّم الناس الانتظار عندما أدركوا التصاق الحجر به..

في اليوم التّاسع أزهرتِ الدنيا أعراساً وحياة فارتعش بدن البستاني.

في الأيام التي تلت التاليةَ من الأيام عصفت ريح عتيّة بالزهور.. هاج البحر مطالباً بعض الحجارة بالعودة إليه..

وحنَّ التراب إلى كؤوس الزهور فجذب بعضها نحوه.. وأسقط في جوفه فراشاتٍ وعصافير وملائكة.

وكان حزنٌ يلفّ بقية الكائنات..

صرخ التراب: فيمَ كل هذا الحزن؟؟ ألستم جميعكم من بطني؟ أوَلم يقل لكم البستانيّ أنكم إليّ تعودون؟

وقال البستاني: آمنتم بالحياة!! إذن أنتم باقون في الحياة الباقية..

وقال البستانيّ: كل ما عليكم فعله هو الانتظار!!

وإذ رأى البستانيّ وجوماً على الوجوه أحزنه، حمل فوق ظهره صليباً وسار به طويلاً إلى بستان تراكمت الحكايات فوق ترابه آلافَ الشموس فزرع ساق الصليب في التراب وربط نفسه فوق أطرافه فارداً ذراعيه بين مشرق الشمس ومغربها ورافعاً رأسه إلى السّماء.

تعانق الصليب والتراب الذي رطّبته دموع الكائنات وأدفأته أشعة الشمس فنبتت زهرة وسنبلة وسنديانة وعاد الفرح إلى القلوب.

وانتظر الناس والكائنات وصار الانتظار موعداً دائماً.. وصار الوقت شمساً وقمراً.. نهاراً وليلاً.. وصارت الثانية رذاذة ترصدها أجنحة الفراشات وعيون الموعودين.

في الخريف زرع أبناء البستاني شتلاتٍ وبذروا في الأرض حنطةً على اسم من عاد إلى التراب..

وفي الربيع نبتت فوق الأرض بساتينُ وزهورٌ وبيوتٌ وكنائسُ ودبّت الحياة وانتعش التراب الذي استقبل في الأيام المتلاحقة زهوراً وفراشاتٍ وعصافير وملائكة عادوا إلى جوفه حبّات بذار تنشِد وهي تغيب عميقاً: أنا هو الحياة.

قال البستانيُّ: لا تكونوا للحزن فريسة.. عيشوا الحزن وجهاً آخر للفرح كما هو الموت وجهٌ آخر للحياة. لا تنحنوا في الحزن ولا تيأسوا من الألم فبهما تتأكد الحياة وعلى عتباتهما يتلألأ الأمل بالفرح والنجاة.

وقال البستانيُّ: فليسكن قلوبكم الحبّ الذي به تكون الأشياء حلوة والذي به تنتشي بذار الأرض فتنمو حنطةً وزهوراً وسندياناً. أحبوا بعضكم بعضاً ولا تسمحوا للكراهية والحقد أن يتغلغلوا في دواخلكم. فلا حياة مع الكراهية ولا سعادة بدون الحبّ، إذ ليس بالخبز وحده تحْيون. وليكن الحبُّ نبضَ قلوبكم.

وقال: معاً خلقتما وتظلاّن معاً حتى في سكون تذكارات الله. لا ترهبنّكم رياح السماوات في فسحات الحياة فهي ترقص على ترانيم قداسة الـ"معاً".

وإذا طلب التراب أحدكما فلا يقنطنّ الآخر.. في فناء الجسد إحياءٌ للروح. فلتلتصق الروحان فوق التراب ملاكَين للحبّ السّرمديّ.

ثم مسك البستانيّ حفتة من التراب بكفِّه وأخذ يفرك حبيباتها بحنان وقال: كم خليّة من جسد عزيز امتزجت مع هذه الحبيبات؟! وكم حكاية عاشها هذا التراب!!. كم دمعة حزنٍ بللته وكم دورة بذار أثرت بعطائها جمال الأرض.. كم زهرة خرجت من بطنه وما لبثت إن عادت إليه وهي تقول: أنا هو الحياة.

رفع البستانيّ يده وحفنة التراب إلى شفتيه وقبّلها وهو يشير إلى كفه والشمس ويقول: "هذه هي الحياة.. من آمن بها وإن مات فسيحيا".

                                Roses.JPG 

في ليلة التاسع والعشرين من نيسان الماضي تذكّرت حكاية الجدّة أم خليل. كنت حزيناً وخائفاً وكانت أرطالٌ الدمع تحتقن خلف عينين تتفرّسان في شاشة حاسوبي وترجئان لحظة الانفجار.

وفي سويعاتٍ فاصلة رحل الذهن بعيداً في حكاية أم خليل وتلافيف علاقة الحياة بالتراب وجدلية الفرح والحزن وأنا أرى من بين أهدابي المتشابكة صوراً لأحباء أحزنني غيابهم.. وأتساءل أتصبح إيريس واحدة ممن رحلوا؟؟

هل هي الزهرة التي طلب التراب عودتها الآن، باكراً.. ظلماً!! قهراً لنا، نحن الذين تعلـّقنا بها قدر ما تعلـّقت بحبيبها الراحل، عاشت تنتظره سنتين وعشنا نقرأ انتظارها سنتين.. امتزج طيلتهما حنينها له بحنيننا لها.. اشتقنا إليها وهي بيننا واشتقنا لاشتياقها إلى حبيبها ماانفكّت تسمعنا إياه مزاميرَ حبٍّ أطربتنا نغماته الحزينة لأنها بتلك النغمات كانت قادرة على خلق روح التفاؤل بالوصول وتثبيت الأمل بانتصار الحبّ.. هل قرأ أحدكم سطراً في رسائل حبِّها فاختلّت ثقته بالحياة والحبّ؟!

وعادت بي الذاكرة إلى إطلالة إيريس الأولى في الثاني من شهر تموز 2006:  ضيفة على جماليا، الموقع الوليد، أوصلها بيده شاعرنا وأديبنا الكبير، طال عمرُه، هنري زغيب مقدّماً إياها أديبةً شابّة أنيقة القلم دمثة خفيفة الظّل كما تظهرها قطعتها الأولى "العرس في اليوم الثامن".. وتذكّرتُ ما أثارته فيّ نثريّتها الأولى والتي جاء فيها: "في الساعة الخامسة والعشرين، موعدي معك. في اليوم الثامن، سأرتدي فستانَ العروس وآتي اليك. في الثواني التي لم يسكنْها أحدٌ بعدُ، سنُقيم معاً حتى آخرِ العمر". رحّبت بإيريس وأعربت باسم الموقع عن انتظارنا كتاباتها اللاحقة... بعد ثلاثة أسابيع جاءتني بـ"وفي اليوم التاسع كانت ولادتنا" لتقول: "يا غربتي عنّي كلّما ابتعدتُ عنكَ في المكان".

تنقّلتُ في ذهني بين أوراق إيريس وعرّجتُ على تعليقات قرّائها التي كانت جزءاً لا يتجزّأ من عالمها تثبِّت قيمتَه ردودُها.. وكم كانت سخيّة في الرّد على الجميع.. وكم هي رقيقة عذبةٌ كلماتها للأحباء تقابل إطراءهم بإطراء ومديحهم بالمحبة وشوقهم بالتعهد بدوام الحضور.

اقشعرّ بدني وأنا أحجز دموعي برموشٍ أتعبها الأرق وتعبُ جسدٍ رفض الاستسلام وقلبٍ يرسل نبضاته عبر فضاء الإنترنيت علّ قلب إيريس الواهن يقبل بعضها فيدوم.

وكان ما كان!!

جملتان من كريستينا، صديقة إيريس، أوصلتهما إلى عنواني بناءً على توصية إيريس في ساعة مبكرة من صباح الثلاثاء، التاسع والعشرين من شهر نيسان، كانتا كافيتين لإعلان حالةٍ استبعدت بدايتها أربعة أيام من القلق والتوجّس.  

وإعلان باللون الأسود..

وأنهارٌ من الدموع هنا وهناك.. وكلماتٌ خرجت من قلوب صادقة ارتجفت بعد انقباض ترقّب واختلّ نبضها الذي كان قد تآلف مع التوليفة الإيريسية طوال عامين من الصلاة للحب ومناجاة الحبيب.

شُرِّعت أبواب جماليا، الذي لفّ صفحاته وزواياه حزنٌ عميق على كاتبته وزهرته.. وتوافد الأحباء عبر هذه الأبواب معزّين أنفسَهم وبعضُهم بعضاً والموقع والقرّاء ومبدين أسفهم الكبير على صديقتهم الغالية إيريس على مدى الأربعين يوماً مرّت والحداد قائمٌ والأسف مايزال والشوق إلى إيريس يزداد..

أربعون يوماً مرّت.. أربعون شمساً باهتة.. أربعون صباحاً لم تكن لقهوتها نكهة القهوة.. إيريس مازالت (تستحم بملح الدّمع) والثياب مازالت سوداء تحجب شموس الفرح عن أجسادنا ووجوهنا..

أربعون مرّت وما زال أصدقاء إيريس على هولهم وتساؤلهم وحزنهم..

موجعٌ هذا الرحيل وعميقٌ جرحه.

عبّرت سوزان ضوّ عن اختناق الكلام في حناجر بعض الصامتين (يمطر الصّمتُ دمعاً) وقد امتلأت أكفّهم التي رفعوها إلى السّماء بالياسمين المتساقط. وقالت: (عَرَّيتِـنا، وشتاءُ قلوبنا طويل).

الحزن الذي مزّق الصخور (مفيد نبزو: حسبـي الصخـور تمزَّقـتْ أسفـاً) هل ستخمد جذوته؟

ندره ع. يازجي، الذي هام على وجهه ماسحاً بقدميه الصحراء والأطلال، عبثاً يستنطق الأحجار ويستدرج العرّافين فلا يبقى له سوى الأمل بانتعاش الحلم الذاوي بقطرات تسقط من عقد اللؤلؤ.. الأمل الذي مازال حيّاً في نفسه، فما قطعه في مسيره الطويل خطواتٌ فحسب في أول صحراء من الصحراوات السبع التي يرى الدرب عبرها إلى إيريس وروداً فوق ورود.. (وأنا مازلت أسير) ولذا ترونه يرفض أن يقر بطيّ صفحة الحزن على (ورقاء التي لم يعرف الدوح مثلها):

أيّهـا (الأربعـون).. ليس صحيحـاً     أنـك الأربــــعون فـي الأيّـامِ

ما خرجنـا لِلآن من نقطـة الصفـــرِ..  وكـلّ الأرقــام محضُ كــلام

بينما مازالت بعض الحناجر تغصّ فيها الكلمات، قال ناصر منذر:

لو يعرف الإنسـان يحكي.. مـا بِكِـي

 بيمـوت فيه الحكـي كِلْمـا خَـيّ مات

معزيّاً نفسه باستحضار صوت الراحل الكبير عاصي الرحباني (الموت تاج الحياة).

ويرى حنا نور الحاج أن إيريس، التي (كان قلبها الواهن أرْحَبَ مِن فردوس، أطْيَبَ مِن طِيب، أعْذَبَ مِن ينبوع) وكان حزنها نبيلاً (يتحوّل في كلماتها إلى مطر ربيعيّ يجلو القلوب)، كما لم تكن تريد أحداً أن يسيطر الحزن على قلبه لا تريدنا الآن أن نبقى أسرى لحالة حزن مستمرة ولا بدّ لنا أن نسعى إلى (اقتطاف الأفراح).    

ويعودنا من ألمانيا صوتُ الصديقة الوفية ميساء سلامه المفجوعة كما زهورها وصورها ولوحاتها بغياب (توأم روحها) لم يكن قد سجّله دفتر أحلام الثريّ بالآمال: (أربعون جرحاً نازفاً كلّ يومٍ جراحاً) لأن الرحيل كان (صعباً وموجعاً حتى آخر الوجع).. ولكن ظنّ الموت سيخيب لأن ميساء له تسمح له (أن يغتال ما بيننا) إذ ستبقى روح (إيريستي الغالية) ترافقها في بيتها تذكّرها بالوعد: (معاً سنمشي عاريتي الأقدام، صامتتَين، وسنفهم ربما كل شيء) وستزهو بهما "ضيعة الياسمين"..

غريبة كانت قدرة السّوسنة على الظهور دائماً بمظهر الرضى والفرح.. كم من المداعبات اللطيفة كلّلت تعليقاتها لتنمّ عن قلب مرح يحب الحياة ويبتسم لها دائماً.. مع ان الحزن على الحبيب الغائب امتزج بجزيئات الهواء الذي كانت تتنفسه. هذا إياد قحوش يقول:

يارايحه
ومغرّقه بدموع
الحزن اللِـِّي فيكي، كان يتسلّى

بْ ناي القصب
صوتك بكي مزروع
وكلْ مَ القصب
يشهق بدمع الشّعر
كلْ ما صدى صوتك بْيـِتْحلّى.

من الأرجنتين صديقة للموقع ولإيريس، شاعرة رومانسيّة يغمر الحنان صدرها ويحفز الشوق إلى الوطن قلمها فتكتب الجمال في عناوين مختلفة من محن الوطن إلى معاناة أهاليه إلى بؤس الفقراء والمشردين.. ويجيئها الخبر المفجع فتكتب لإيريس.. ويستمر حزنها فتكتب في الأربعين ومازالت تتساءل عن رهبة الموت: (هل الموت كالحب فيه تفاصيل عبثية كنت وحدك تتقنيها فاخترت الموت حباً؟) وتستعير لتذكيرينا بكلام إيريس عناوين قصائدها (وقفة السماح عند فتحة قلبه) و (مؤونة لجوع العمر) و (انتمائك إلى الابيض) و (قبل ان تتقصف البراعم) إلخ..    

فوق ضريح زهرة جماليا ومع فجر الثامن من حزيران يقف محمود إسماعيل خليل خاشعاً:

بتذكـّرِك...

بتْخيـّلِك أيقـونة العدرا،

وطفل الـ حِكِــي بالمهد

مع إنو ظْغير...

فوق ضريح زهرة جماليا يقف محمود إسماعيل خليل خاشعاً:

وَينُن...؟

وين صواتُن..؟

وين وجوهُن...؟ وينُن...؟

ومازال في قلبه الذي اعتاد الانتظار أمل:

و يا ريت يا عطر الزّمان

بتِرجع  وْبتجيب

من عندُن خبر...

وهو الذي كان قد قال بعد أسبوعين من الخبر الذي لم يكن يريد أن يصدّقه:

الشـّبـّاك ....

عَ حدود القمر

وْضوّ القمر غِفْيـان ع َالعتبة

وأنطـُر أنا والليــل

ع َفــراش الضـّجر

غيمة دفـا

وبْقول ما بدّي....

ويمكــن أنـــا بـــدّي

وهو الذي أمضى أياماً بلياليها يأمل أن تنهض فراشة الشعر زهرة جماليا من كبوتها سالمة:

سهران يا قلبي

متل فانوس ....

عم بينوس

وصوتا متل غصّة بشبـــّاكي

متل الصّـــدى

بيدق عالحيطان...

وما في حدا يسمع

يا قلب ويحــاكي.....

وكان قد أبّن إيريس في الثالث من أيار مورداً مقتطفات من آخر حديث له معها عبر فسحة الدردشة، وقال:

طالع

عبالي البكي

وما في دمع بالعيــن...!

وحدو

حبيبي غـِدِي

وما قال رايح ويــن....

مدّيت

إيدي ودّعو

وقلــّو: عسى بتعــود

لـوّح بإيدو ومشي

ورفرف غـراب البين....

ويأبي حبيب حبيب إلا أن يكتب في أربعينها مرّتين ليذكّرنا بأن إيريس خصّته بمداعبة في اسمه (مثنى الحبيب)، والحزن ماانفك يقبض قلبه أربعين يوماً: (أربعون انتظاراً ... بدون عنوان. أربعون يوماً... بدون تاريخ. أربعون فجراً..)

وتذبل (حواكير الزّنبق) في (ناصرة) جودت عيد عندما (اختزل المستحيل دروب الحياة والمنطق والورود والفرح..).

وتتتالى الكتابات خواطر ورسائل لأنشوطاتٍ حائرة في مغزى الموت وجدوى الحياة وبين الجسد والروح ومازال الكتاب والشعراء والقرّاء أصدقاء إيريس على حزنهم وفي هاجسهم سؤالٌ توارثوه عبر الجدود والحضارات: أين هي إيريس الآن؟؟

أول أصدقاء إيريس وأول ماسكي يدها وطفولتها هنري زغيب الذي كان قد أعرب عن عميق حزنه على سوسنة الحب الخالد في أكثر من مرة وعلى صفحات صحيفتي النهار والأنوار اللبنانية وعبر إذاعة صوت لبنان، تأخر عن حضور "أربعين" إيريس بتوقيت "جماليا" فجاءنا بعد أيام يقول والحزن مازال طريّاً كالجرح العميق العصي على الدّمل: (ما شأْني أنا بالأربعين، وكلَّ يومٍ في انتظاري أربعون) ويقول لمن يسأل أين هي إيريس الآن: (فاجأت حبيبها بإطلالتها عليه) حبيبها الذي سبقها وكانت على انتظاره تعيش الثانية انتظاراً لما بعدها..(وجثا عند قدميها يُمارس التَعَبُّدَ المجنون، التعبُّدَ على قدميها لأنها قالت له إنه، كلما جثا على قدميها، ارتفعَ جبينُه إليها أكثر). وأصبحت الآن (إن الأوركيدةَ العاريةَ ناصعةُ الانتظار، حين الانتظارُ) ولا يعني الأربعون عند هنري شيئاً فما قبله حزن وما بعده الحزن ذاته (فَما شأني أنا بالأربعين، وكلّ يوم في انتظاري أربعون، والأربعون، في قلبي، كيوم واحد؟) ويخاطبها: (تعالَي الى قلبي، أضُمَّ فيه غيابكِ عن الآخرين) ويختم رسالته وهو على يقين وعهد بأن تظل أوركيدة الحب في قلبه (أحبُّكِ... حتى انقضاء الحب من ذاكرة الزمان !!!).

مرّت الأربعون.. وستمر أربعونات أخرى وطيف إيريس باقٍ فوق حدائق كانت زهرتها الأم.. مليكة الحبّ لحبيبها، الحب الذي كان هواء تنفُّسها وهي تعيش حبَّها لجماليا ولصديقاتها وأصدقائها الذين إن هم وافقوا على العودة إلى فرح موقعهم فلأن سعادتهم وفرحهم عند إيريستهم الغالية كان أهمّ بكثير من أن يشاركوها ألمها وهي في طريقها إلى الحبيب الغائب.. 

ماذا في وسع البستاني أن يقول لكل هؤلاء الأنقياء الحزينين..

وهو (مثلهم) بكى زهرة بستانه الحبيبة، مدركاً فظاعة رحيلها وقسوته على القلوب. وهو (مثلهم) أحسّ بآلام الطفلة التي عاشت آخر أيامها ترفض الاعتراف بالألم وترفض الحديث عن خطورة حالتها.. تكتب عن حزنها وتغطيه بروحها المرحة وبدعاباتها فوق صفحات موقعها – بيتها الثاني.

ومثلهم تاه البستانيّ في متاهة الطريق بين الحزن والقبول بالأمر الواقع..

كلّهم يدركون بأنه (في البدء كان الحجر) وبأن بني البشر (من التراب وإليه عائدون) وأن الموت (تاجٌ للحياة) وأن من آمن بكل ذلك وإن مات فسيحيا.. كلُّهم في أكفهم يحملون كمشات من التراب في بطنها بذار حنطة وعلى سطحها ربيع وورود وفراشات وتنثر عطرها حكايات حبٍّ وفرحٍ .. وحزنٍ أيضاً.. وهم يدركون كم من خلايا أجساد طاهرة تساقطت كالياسمين فوق هذا التراب فامتزجت بحبيباته المقدّسة.

ومع هذا.. يعجز البستاني عن نزع الحزن عن قلوب محبي إيريس.

والعزاء في القناعة بقوانين الطبيعة أنّ أطراف الفرح مبللة على الدوام بدموع الحزن. ونحن نعيش انتظار الفرح ترافقنا على الدوام الـ"ياريت" ونعيش الفرح متمنّين ابتعاد الحزن وهو قربنا.. ونعيش الحزن ونحن تائقون إلى الفرح وعارفون أن الحزن لصيقه. وإذ نرضى بانتظار الفرح لأننا على أمل بوصوله أو بوصولنا إليه.. ليس باستطاعتنا رفض انتظار الحزن لأننا على يقين بحلوله أو بحلولنا إليه.

وفي كل هذا وذاك يبقى الزمن مركباً للحياة وألوانها ويبقى الإنتظار وقوداً لهذا المركب يحترق رذاذةً رذاذة ويصنع لنا من احتراقه طاقة أكبر على... الانتظار.

                                   candle%2001.JPG