متحف الياس أبو شبكة في زوق مكايل محجّة للأدباء والشعراء ومنهل لإرث ثقافي يجسّد أزمنة الحضور في تاريخ لبنان

ألين موراني قرأها 5
 

متحف الياس أبو شبكة في زوق مكايل

محجّة للأدباءوالشعراء
ومنهل لإرث ثقافي يجسّد أزمنة الحضور في تاريخ لبنان

ألين موراني

الأشجار الوارفة تغطي الطريق. شرطة البلدية تنظم السير. تصل إلى القصر البلدي في زوق مكايل ووجهتك المدرّج الروماني. هناك تقف. تنظر إلى فوق فترى الجبل الشامخ قبالتك. يتبادر إلى ذهنك قصة عشقه العاصف لليلى. في فَيْء أشجار تلك الرابية الخضراء كان يلتقي الشاعر الياس أبو شبكة حبيبته. تلتفت إلى اليمين فترى المقهى في السوق العتيق حيث كتب بعضاً من قصائده. تدور حول نفسك في المدرج وتنظر إلى الخلف، يطلّ الدير. ذاك الدير الذي خلّده في صلاة واتبعه في قصيدة عند المغيب قال فيها:

"اسجـدي لله يا نفسـي      فقد  وافــى المغيب

إسمعـي الأجـراس فـي قبـّـة ديـر الراهبـات

يحملالـوادي صداهـا      للنفـوس الزاهـدات

فيه أصـوات حنــان       وبقــايا زفــرات

صعّـدتهـا راهبـاتالديـر  قــدّام الصليــب

اسجـدي لله  يـا نفس      فقد وافـى المغيـب"

لا تزال واقفاً وتدور في مكانك لتحصر كل ذلك الجمال الذي تشبّع به الشاعر وتبحث عن الطبيعة التي احتضنت كل حالاته الإنسانية التي تجسدت دواوين شعر وكتباً ومقالات. تلتفت إلى اليسار ترى الوادي الذي بين أشجاره، في المنحنى، منزله الذي سكنه وزوجته غلواء (أولغا). غلواؤه التي انتظرته تسعة أعوام تحت ضوء القمر. المنزل الذي أصبح "بيت الشاعر- متحف الياس أبو شبكة".

منزل لبناني أصيل

أنت لا تزال في المدرج الروماني الذي تحرسه ألوان الطبيعة الزاهية وخصوصاً أشجار الدّفل الأرجوانية اللون تستمتع بصوت الطبيعة وتنتظر... تنتظر عمالقة في الشعر والأدب والفكر (الشاعر أدونيس، الشاعر جوزف حرب، الشاعرة والروائية فينوس غاتا خوري وعميد الصحافة العربية النائب الأستاذ غسان تويني) يروون لك قصة الياس أبو شبكة قبل أن تهبط نحو 150 متراً، وصولاً إلى المتحف. هناك تطل صور الحبيبات، تسترسل في مخطوطاته، تتأمّل المنزل "الزوقي" الأصيل، تدخل إلى غرفة نومه، وقد تهرع إلى الشرفة المطلة على الشارع لتحفظ المشهد. متحف عمل عليه "برموش العين" كل من آمن بوجوب تخليد هذا الشاعر. عملٌ تطوّعي يخلّد الذكرى كرّس له وقته لترميمه والحفاظ قدر المستطاع على تراث المنزل اللبناني مهندس الديكور اللبناني العالمي جان - لوي منغي، إضافة إلى التعاون الوثيق بين أعضاء "مجلس أمناء المتحف" وبلدية زوق مكايل ممثلة برئيسها المحامي نهاد نوفل. حتى تمّت المهمة.

هكذا بالأمس، غافل اللبنانيين موت الشاعر الراحل وأيقظوه من ذلك العالم ليهرع إلى حبيباته الثلاث: غلواء، ليلى والزوق. كان حاضراً إلى جانب حضور رسمي وثقافي وشعبي، واذ ناب عن رئيس الجمهورية ميشال سليمان وزير الثقافة طارق متري، وعن رئيس مجلس النواب نبيه برّي النائب نعمة الله أبي نصر، وعن رئيس الحكومة المكلّف فؤاد السنيورة وزير السياحة جوزف سركيس. وحضرت وزيرة الشؤون الإجتماعية نايلة معوّض، كما حضر نواب عدة، وكان هناك ممثلون عن النائب ميشال عون وعن الرئيس الأسبق أمين الجميل، حضر أيضاً القاضي أنطوان خير وناب عن قائد الجيش بالنيابة اللواء الركن شوقي المصري العقيد حسن برجاوي، وعن المدير العام لقوى الأمن الداخلي أشرف ريفي الرائد روبير رحّال وعن المدير العام للأمن العام وفيق جزيني النقيب بيار نمر. وكان ممثل لرئيس "حزب القوات اللبنانية" سمير جعجع والسفير فؤاد الترك ورئيس تحرير جريدة "الأنوار" رفيق خوري ومعظم أعضاء أمناء "متحف الياس أبوشبكة، الى الشاعر هنري زغيب، خطيب الحفل الوفي للصديق الشاعر المحتفى به.

بين كل متكلّم وآخر كان يعتلي المسرح ويروي قصة عن هذا الشاعر مستنداً إلى تواريخ وخبريات. وفجأة نفضت زوق مكايل عنها كثافة العمارات لتعود قرية وديعة، عاشقة، تشبه الياس أبو شبكة.

سيادة العقل

الحب انتشر في فضاء المكان ولبس القلوب والأجساد استسلمت لـ"قرصات" نسيم عليل خففت حدة حرارة حزيران. وكانت البداية مع الأستاذ غسان تويني الذي وجّه بداية تحية إلى الرئيس الراحل شارل حلو لأن "فكرة المتحف، فكرته وهو من شجّع رئيس بلدية زوق مكايل على إتمام هذا المشروع". وخصّ "أستاذي في الأدب العربي رشدي المعلوف" بتحية أخرى ذكر فيها أنهما يفضلان حفظ شعر شعراء النهضة اللبنانيين وما بعدهم على شعر امرؤ القيس. بالنسبة إليهما كان الياس أبو شبكة عنواناً عريضاً للرومنطيقية. كل من كان يرغب في كتابة الشعر عليه أن يتعمّد بما خطته أنامل أبي شبكة. لم يتحدّث في مداخلته عن شعر الشاعر الراحل بل ركز على "نظرية الرومنطيقية، التي أنجبها، في تفسير روابط الفكر والروح بين العرب والفرنجة، مما يعني باللغة الحديثة حوار الثقافات والحضارات". كان نقدياً وهو يطرح أفكار أبي شبكة لأنها "خاضعة للنقاش" فأشار إلى تأثر الشاعر بعصر النهضة الذي أتى بعده، بجناحيه الأميركي والمحلي - المصري خصوصاً. وما فاجأه اعتبار أبي شبكة أن الإتصال الأول بين العرب والفرنجة أكسب الفرنجة العقل وسيادة العقل. وقرأ من كتاب الشاعر "روابط الفكر والروح، بين العرب والفرنجة":

"لعدة قرون خلت بدأالأوروبي يؤمن بسلطة العقل، وقد تعلم ذلك من العرب الذين وضعوا العقل فوق السلطةوقالوا بوجوب استخدامه حكماً عالياً في الفصل بين الحق والباطل. لكن خروج الحضارةالعربية من أوروبا أبقى الباطل في الجزء الأكبر من أوروبا، حتى في عهد الإنبعاث. فالبورجوازية من جهة والريف من جهة أخرى بقيا متشبثين في مقاومة ثقافة من شأنها قلب القواعد القائمة بطنانً لظهر".

وهنا ناقش تويني الشاعر الراحل الحاضر بأن الشرق نقل العقل إلى الأجانب في شكل خجول من خلال الترجمات التي تمّت، إن في جبل لبنان أو اللاذقية، لافتاً إلى أن "الإغريق والفلاسفة هم من كانوا أسياد العقل". وأضاف ان "جيل "المكشوف" الذي انتسب إليه أبو شبكة أنجب عمالقة ولعلّ أكبرهم خليل تقي الدين وتوفيق يوسف عواد ومجلة شعر وأنيس الحاج وأدونيس". وخلص إلى أن الصراع بين الشرق والغرب يبقى متملكاً بنا وبقدرنا ومصيرنا".

الناسكة

بعدها استسلم المسرح لصوت إبنة زوق مكايل جمانة مدوّر التي ألقت قصيدة  "الناسكة" المنتقاة من ديوان "نداء القلب" بصوت ملائكي تمايل على أنغام الملحن جوزف خليفة. صدح الصوت واهتزّت الأبدان وهبّ الهواء محرّكاً أوراق الشجر والأجساد. فحبيبته ليلى، المرأة المثقفة التي كانت تتقن الفرنسية، بحسب زغيب، والتي التقاها عام 1940، هي ملهمة هذه القصيدة الرائعة. بالأحرى هي من كتبتها بالفرنسية حين كتبت ثلاثين رسالة له بعدما طلب منها الشاعر أن تقفل باب منزلها في التلّة المقابلة للوادي فترة ثلاثة أيام تكتب له فيها رسائل. اختار منها الياس أبو شبكة واحدة ترجمها قصيدة إلى العربية، تقول:

"حبيبي على هذهالرابية

أُحسّ خيالك يرقى بيَه

سأغلق إلا على ما تحبُّ

روحُك قلبي وأهدابيَه

فمادفّق الشعر من أصغرَيكَ

تجمّع في هذه الناحية

أراه على المنحنى والخليج

وفي هذهالغابة الجاريه

حبيبي على هذه الرابيه

أقرب للحب إيمانيَه

إذا هجر الحب دنياالقلوب

فما تنفع الحِطم الباقيه".

قصيدة الناسكة من ديوان "نداء القلب".

"في اتجاه الأسطورة"

بعدها رحّب الشاعر هنري زغيب بالشاعر أدونيس الذي أتى من باريس خصيصاً للمشاركة في حفل الإفتتاح: في قراءته للشاعر الياس أبو شبكة كتبَ عن ذاته التي "نشأت في مناخ كتابي أسّس له الياس أبو شبكة والشعراء الذين جايلهم، خصوصاً ما اتّصل بجمالية التساؤل وإعادة النظر جذرياً في المسلّمات والمسبّقات، الدينية والثقافية، على نحو أخص".  ورأى في شعره "أنه لا يلتمس وعيه لذاته في التقليد، أعني في الدين بحصر المعنى، أو في السياسة، بحصر الدلالة، وإنما يلتمسها في الشعر. إنها مادة تؤكد أن شعر الياس أبي شبكة يمثّل الآن لحظة وعي عمودي وهي لحظة عميقة من الغبطة العميقة". وكما أحب الياس أبو شبكة لبنان وزوق مكايل، أحب أدونيس لبنان حين وصف واقعاً أن "جيل (أبو شبكة) من الشعراء كانوا في بلدهم الصغير لبنان، رمزاً كبيراً لهذه الأرض الشعرية العربية ولأرض الحلم العربي"، وأنّ "لبنان الصغير في عدد سكانه، كبير في عدد شعرائه". ونصح الحضور بقراءة شعر أبي شبكة ورفقائه". في هذه اللحظة من تاريخ لبنان ترون أن نحّات هذه الألماسة اللبناني، هوية لبنان، لا نجده في الطائفة، ولا التجارة ولا السياسة، إنما نجده في الإبداع الثقافي، فكراً وفلسفة، أدباً وشعراً، تصويراً ونحتاً، موسيقى وغناء". وفي نوع من البوح، والليل يسدل ستائره بخجل، جاهر أدونيس قائلاً: "لالياس أبي شبكة ولجيله من الشعراء ندين نحن الذين جئنا بعدهم، وفي هَدي مناراتهم، بأمثولة شعرية هي أنّ الإيديولوجيا تضمّ الرؤوس بعضها إلى بعض في سرب أو جماعة، غير أنها تفصل الفرد عن جسده، أي عن أعمق ما في شخصه وفي نفسه. الجمع هنا إذاً، يتم باسم التخلي عن الذات".

وبشيء من الأسى وصف تعثر الذاتية في لبنان "بفعل انتقال مقولات الإيديولوجيا والتوتاليتارية إلى الدين والنظام والمؤسسة. لا الفرد اليوم هو الذي يفكر أو يكتب، بل الجمع الذي يتمثّل حيناً في السياسة والقضية والأمة، وحيناً في الدين والنظام. وفي هذه الحالات جميعاً يتحوّل الإنسان مجرّد آلة". ويعود إلى الشعر ليقول: "يعلمنا الشعر أنّ الإنسان ليس عاجزاً إلا أمام بطش أعمى واحد هو الموت". وفي هذا الإطار قال: "الإنسان إذاً، في ما عدا غلبة الموت، لا يُغلب. وهو قادر على أن يفعل ما يريد". وفي حديثه هذا نداء للوعي، دفاعاً عن وطن يحبه. وخلص ان الياس أبو شبكة يتمثل له "نهراً جوفياً في تاريخ لبنان الحديث. ينبع من غور له عمق الأسطورة، ويتدفق في مجرى يبدو كأنه جرح صديق لذلك الجرح (الأول) القديم في لبنان نفسه: موت أدونيس قتلاً بأنياب خنزير بري، هنا، غير بعيد في أحضان نهر ابرهيم، الإسم الحديث الذي حل محل الإسم القديم: نهر أدونيس.(...) يأخذنا شعر أبو شبكة في اتجاه عتبة الأسطورة، إلى الدفء والضوء".

خريطة لبنان الثقافية

كالضوء المشع أطلّت فينوس غاتا خوري وبصوت قويّ وحنون مزجت الحب بالحسرة، مؤكدة التصاقها بالوطن ولو أنّ الظروف شاءت أن تعيش بعيداً عنه. كانت ترتدي الأبيض، وعبّرت بالفرنسية عن علاقتها الشخصية بالياس أبي شبكة. لكن قبل ذلك هنّأت البلدية بهذه الخطوة وقالت فيها: "يجيء يوم يعدِل فيه علماء الجغرافيا عن رسم حدود القارات والمحيطات، فيرسمون حدود الأوطان بحسب أماكن الحب عند الشعراء. هكذا يكون وطن الياس أبو شبكة زوق مكايل، البلدة التي اكتشفتُها قبل أكثر من خمسة وثلاثين عاماً، وباتت اليوم مدينة صغيرة. فالبلدات والقرى، كما يقول صديقي رينيه دو أوبالديا، هي دائماً في اللامتوقّع: ما ان ندير لها ظهرنا حتى تتمدّد إلى البحر، وتتثاءب حتى السماء".  وسألت: "هل أبو شبكة الذي عاش في الزوق ومات فيها، يعرفها لو عاد حياً إليها؟ أتراه يهتدي إلى بيته أو بيت غلواء، أو إلى أحضان الطبيعة التي كان يلتقي ليلاه فيها؟ إن الذاكرة إنتقائية، ولا تحفظ إلا المرتبط بالتأثر والإنفعال، كما يقول علماء السيكولوجيا. واستناداً إلى قولهم هذا أحدسُ أن يتعرّف أبو شبكة إلى بيت غلواء من لهاث الدخان  المتصاعد من مدفأتها، أو من رجفة نور القنديل على شباكها، وقد يتعرف إلى حقل أخضر كان فيها يلتقي ليلى فيتنشق رائحة الأرض حولها ويمشي على سجادة عشبها كثيف".

هذا الحديث سحبها إلى بلدتها، بلدة والدتها بشرّي التي عادت إليها قبل سنة، لكنّها لم تجد الأماكن التي كتبت عنها في مؤلفاتها. حسرة تعتصر قلبها يلمسها الحاضر في صوتها. كبرت البلدة وتمدّدت فامّحت المعالم التراثية أمام تلك السياحية!

الذاكرة انتقائية. حين دعيت الى المشاركة استرجعت ذكرياتها عن الشاعر. خالت "أن الياس أبو شبكة الذي اكتشفته منذ أكثر من 35 عاماً، ممحواً من ذاكرتي خلال ثلاثة عقود أساكن خلالها الشعر الفرنسي". ووصفته بأنه "شبيه بخطوات غطّى آثارها الرمل، ما إن تهبّ الريح وتذرو الرمال حتى تعود فتظهر الخطوات ناصعة كما كانت". ولفتت إلى أنه "مثل سعيد عقل وخليل مطران وميشال طراد وجبران خليل جبران وجورج شحادة وناديا تويني... يشكلون خريطة لبنان الثقافية". وروت للحضور أنها اكتشفت الياس أبوشبكة والشاعر الفرنسي بودلير في العام عينه. "كانت مسافة خمسة عشر كيلومتراً تفصل زوق مكايل عن مكتبة مدرسة الآداب العليا التي كنتُ أدرس فيها، ومسافة 82 سنة تفصل بودلير (ولد سنة 1821) عن الياس أبو شبكة (ولد سنة 1903). شقيقين في الشعر كانا، غطّا ريشتيهما بحبر من السواد نفسه، ولعلّهما يقتسمان المحبرة نفسها فوق، حيث هما، أو ريما تحت، في ذاك الجحيم الذي وصفاه بكل نهم كأنهما عاشاه وعرفاه قبل أن يسكناه معاً. الجحيم كلمة محورية في شعرهما".

ومع خيوط ضوء القمر الأولى، اقترب الشاعر جوزف حرب من الحضور ملقياً في المناسبة قصيدة احتفى فيها بالشاعر الحبيب على طريقته، نورد منها ثلاثة مقاطع:

"ما ضمّهُ في الأرض مُلْتَحَدُه

لمّاتوفّيَ... ضمَّهُ أبَدُهْ

واترُك سؤالَكَ عن منازله

إلا ببيت الشعر لا تجدُه

سَلْ: أين بيتُ الشعر؟

هل رحلَتْ في الكون روحُكَ؟

إنه بَدَدُهْ

هو شاعرٌ،والكونً حسْبُكَ من

رحِم الدّواة بحبرِهِ يَلدُهْ

ويدان كوّنتا الوجود:

يدُ اللهالمزركش بالرؤى، ويدُهْ.

وأصابع الحبْر الثلاث غدتْ

عندي الأقانيمَ الثلاثة فيقلمٍ إلهٍ واحدٍ فتُرى، ما البيتُ؟

أسبوعٌ

وستّتُهُ ستٌّ تفاعيلٌ، أصوغ بهابيتي

رخيماتٍ بهِ عُمُدُه

حتى إذا ما الخلق تمَّ به،

وختمتُ سِتَّتَهُ بقافية،

قُلْ: صار أسبوعاً أتى أحَدُهْ.

هو فاتحٌ بابَ الدخول إلى أعماقنا.

من قبلُ،كان على أقلامنا سقطُ العباءَة

أو كوفيّةُ الزمن القديم،

وجلباب البلاط.

وفجأةًظهرت رؤيا ليوحنا الكلام

مبشّرةً بأن جاء المعلّم.

يا عهدي الجديدَ، ويا مخلّصُقال:

تُخاطبُ الشعراءَ روحيَ. ذي قمصانُكم.

هذي مركبكم

فلتغمسوا المجذاف تدفعُكمريح المحاير للبعيد

فقد نادى لنُبحر نحوَهُ بُعُدُه

هو شاعرٌ يدعى الغريبَ، على

تلك المغامض في المدى، بلَدُه".

الحلم تحقّق

تصفيق حار لما قاله حرب، بعدها اعتلى رئيس بلدية زوق مكايل ورئيس اتحاد بلديات كسروان - الفتوح المحامي نهادنوفل مسرح المدرّج الروماني. السعادة تغمره لأن الحلم تحقق. تنفّس الصعداء فالمهمة الصعبة تنجز وقال: "تمكنت بلدية زوق مكايل من الحفاظ على العقار اولاً، ثم على البيت، ثم على تحويل البيت متحفاً، وهو الحلم الذي كان يراود الكثيرين في الزوق، والكثيرين خارجها من أصحاب الأقلام والرؤية الثقافية، كي يبقى بيت الشاعر موجوداً، وكي يتحوّل مزاراً لقارئي أدبه وشعره، أسوة بما في العالم من متاحف شخصية لمبدعيها الخالدين. وها نحن اليوم، ندخل "حارة أبو شبكة"، كما كانت تسمّى في أيامها حين كانت مميزة كحارة بين بيوت الزوق، فإذا بها لم تعد خالية كما كانت منذ غاب ساكنها الشاعر قبل نصف قرن، ولا مهجورة كما كانت طوال نصف القرن الماضي عرضة لعوارض الطبيعة مرة، ولاحتلال الأمر الواقع مرات، بل ندخلها وقد أصبحت، بكل بهاء وأناقة، "بيت الشاعر – متحف الياس أبو شبكة".

إذاً الزوق ترد لابنها الياس أبو شبكة وفاءه له "هو الذي كانت له في الزوق نشأة صبا وشباب، وذكريات حب غلوائي حمله إلى الزواج، وذكريات حب عاصف جعله شاعر "نداء القلب" و"إلى الأبد". لكن الحب الأكبر والأقوى يبقى بين زوق مكايل والياس أبو شبكة".

وحيّا لمسات مهندس الديكور جان - لوي منغي، الذي لم يصمّم فحسب، ولم ينفذ فحسب، بل كان دائب الإشراف الشخصي على كل فاصلة من العمل، صغيرها وكبيرها، فلا كلام يفي لشكره على هذا الجهد الكبير. ثم دعاه إلى المسرح وألبسه عباءة من حرير الزوق مشغولة على النول الزوقي وقدّم اليه درع بلدية زوق مكايل.

                                                         Al%20Nahar.JPG

                                                         بيت%20الياس%20أبوشبكة%201.jpg