الوطن قبل المذهب.. لبنان مثالاً..

ضياء الموسوي قرأها 5
  

الوطن قبل المذهب.. لبنان مثالاً..

تلك هي الحكمة، لا نريد وطن المذهب، وإنما مذهب الوطن.

ومذهب الوطن هو الإيمان بالعيش المشترك.

ضياء الموسوي

إن العبث بجينات المذهب يزرع لنا شجر الأحقاد على قلوبنا وعلى أراضينا.

لا أستطيع إخفاء فرحي لتدفق الحياة في الشرايين اللبنانية من الأنابيب القطرية، وابتدائهم التصالح على المستقبل لبناء لبنان لا يقل جمالاً عن الرحباني او جبران خليل جبران، او أقل روعة من فكر علي حرب او أفق هاني فحص او مشروع مارشال رفيق الحريري الذي طرز الثوب اللبناني بالماس الاقتصادي.

ليس أقل جمالاً من الأفق الوطني لموسى الصدرالذي كان يوزع الورد الوطني على كل الطوائف.

ليس أقل جمالاً من المقاومة التي انتصرت في بداية الألفية الثالثة وكان انتصارها للجميع.

إن اتفاق الدوحة لم يكن أقل دقة من تصاميم المصمم العالمي اللبناني إيلي صعب، فقد فصلت الاتفاقية حسب مقاس الأجساد والأحجام السياسية، واستطاعت استيعاب المخاوف والغرائز والشهيات.

واسمحوا لي أن أقول: أن لا منتصر في الذبحة الصدرية التي أصابت لبنان. لا حزب المعارضة ولا حزب الموالاة.

المنتصر هو الوطن. صحيح أن الشرقي لا يرضي بدور غير أدوار البطولة، وإننا شعوب شرقية تنتشي بالإنشاد ولو على جثة الوطن، ونرى في تكدس أكفان الأخوة طريقاً للانتصار، لكن ذلك في حساب الـ"أنا" المنتفخة، وليست في حساب الأرقام الواقعية. إن سقوط أي كفن من أي طائفة هو موت للطائفة ذاتها قبل الطائفة الأخرى. ولا منتصر في سقوط دم الأخ، والأم والأب واحدان.

لقد ألغى العرس الوطني اللبناني مقولة الاستبداد: إن وليمة الحكم لا تتسع للشركاء.

لو لم تسقط الفتنة لسقط العالم العربي، وليس لبنان فقط، ولسلم لبنان الي حيث مذبح القاعدة وثقافة العمليات الانتحارية. بحق الاتفاق نقد لبنان من أن يكون وجبة دسمة للراديكاليين.. ولأصبح صبحُ العالم العربي بعد الفوضى ينطبق عليه قول محمد الماغوط: "فاهربي أيتها الغيوم، فأرصفة الوطن لم تعد جديرة حتى بالوحل".

إن تمثيل دور العنترية في لبنان من المعارضة او الموالاة يعني اغتيال لبنان، والاحتكام لكل المؤسسات والفرقاء يعني انتصار الجميع.

قدر لبنان أن تكون كل الأحجام متساوية، وأن الانتفاخ النرجسي من أي طرف، من المعارضة او الموالاة يعني بداية السقوط والمثل الصيني يقول: "الكبرياء بداية السقوط".

بحق، اتفاق الدوحة لم يدلّك نرجسية أحد على حساب أحد، ولم يضع فصيلاً في قارورة العطر والآخر في قارورة الخل. لقد راعى كل الأطراف في سبيل وأد الفتنة. حكمة التاريخ وسننه تقول: كبرياء وغرور أي حضارة بداية لسقوطها فكيف بالانسان.

كل الأمل أن تنجح عمليات التصالح بين الدول الكبيرة في المنطقة ليكتمل العرس العربي دون التحسس من نوعية المأذون الذي سيشرعن نوعية الزواج السياسي.

الأمل يحدونا أن يتصالح الأخوة، وتنتهي الاتهامات او المخاوف، وتزريق الجيش اللبناني بالبروتين القوس-قزحي للطوائف يقي البلاد من الاستقواء المشخصن. لبنان بلا شيعة لا طعم له وبلا سنة بلا رائحة وبلا مسيحيين بلا لون وبلا دروز لا يمكن أكله.

يجب أن يكون الوطن أولاً، والمذهب والطائفة ثانياً أياً تكن الطائفة او المذهب.

ولنتعلم من الأديب الفيلسوف، جبران خليل جبران حين قال: "ويل لأمة كثرت فيها طوائفها وقل فيها الدين".

كما هو تعبير الشاعر اللبناني، محمد علي شمس الدين: "نحتاج الى مكبرات للصمت وليس للصوت". مكبرات للحكمة وللعقل، وليس مكبرات لغريزة الصراخ. فالصراخ العربي إنما يدل على العجز الداخلي.

إسلامياً، في العالم العربي، نحن بحاجة الى إعادة استنساخ ثقافة مهدي عامل ومحمد عبده وحسين مروة وجمال الدين الأفغاني وموسى الصدر وهاني فحص رغم اختلاف بعض شيطنة التفاصيل.

لكي نخلق التوازن، لا بد من عناق المسدس بالوردة، ورش ملح الثقافة على عقلية التسلّح، ليكتمل المشهد الجميل، وكإجراء وقائي من انزلاق الثقافة الى حيث السلاح والرصاص، كما حدث الاقتتال المتبادل في لبنان. الخوف على المسلمين من سنة وشيعة هو اختصارالحضارة في ثقافة الاستشهاد والموت.

ونحن بحاجة الى العقلية اليابانية في ذلك. أن الخطورة تكمن عندما نقتل بعضنا بعضاً كما هو في العراق بثقافة الشهادة. إنها شهادة بعلامة تجارية بشرية، لم نقرأها لا في القرآن ولا في أي دين، والإسلام بريء منها.

الثقافة هي الباقية، ونحن كمسلمين بحاجة الى فولتير إسلامي ليصحح بعض فوضى الأفكار، لنفتح العقل للشمس والحرية.

بحاجة الى مارتن لوثر إسلامي يكنس الخرافات من العقل العربي، ويمنع توزيع المخدرات الطائفية المتبادلة التي وزعت في شوارع بيروت، فإن أكياس المورفين الطائفي ملأت الشوارع وزرعت أشجاراً على الخارطة اللبنانية. فلابد من استنساخ جينات هؤلاء العظماء.

الموالاة والمعارضة بحاجة الى توزيع أكسجين الحرية على الجمهور اللبناني العريض كي لا يصاب بالاختناق الحزبي وفتحهم على حزب الانسان.

يقول الماغوط: "لو كانت الحرية ثلجا لنمت في العراء".

أثبتت تجارب الشعوب أن الحضارة تكبر وتعظم بالديمقراطية، وبين أيدينا صورة جميلة لعبقرية الغرب ونظام سلطة القانون والمؤسسات.

حفظ الله المقاومة والموالاة والمعارضة، وجعلهم أخواناً، واختلاف الرأي لا يفسد في الود قضية.

نتمني أن تصبح لبنان حديقة، كل فصولها ربيع.

عن صحيفة الراية