مريم شقير ابو جودة في (صباح الليل): مجرد الكتابة عن الظلم محاولة لمواجهته

الأنوار قرأها 5
 

"من جعبة سعيد فريحة تعلمت كيف أطلق على جحيم اليأس ماء الضحكات"
مريم شقير ابو جودة في (صباح الليل): مجرد الكتابة عن الظلم محاولة لمواجهته

الأنوار

ابنة (دار الصياد)، أربعون عاماً، وهي لا تزال وفية لمدرسة سعيد فريحة، مع أنها ترأست العديد من المجلات ونشرت عشرات الكتب والمجموعات الشعرية.

مريم شقير ابو جودة، صاحبة القلم الذي يغمس ريشته في محبرة المحبة والتفاؤل، هي في كتابها الجديد (صباح الليل) متشائمة إلى حد كبير، على غير عادة حروفها، وهي تتألم لما آلت إليه الأوضاع في بلدنا، ولما وصل إليه اللبنانيون من فقدان للذاكرة، حالياً تشغل منصب رئيسة تحرير مجلة (إنفنيتي) الظبيانية.


هذا لقاء معها:

صباح الليل:  لأول مرة نقرأك بعيدة عن التفاؤل، لماذا؟.

- وهل برأيك ما يحيط بنا من هموم خاصة وعامة، وما يتعرض له الوطن من مؤامرات خارجية وداخلية يبعث على الأمل.

نحن في النفق المظلم، كل أفق مسدود بالعتمة، وكل صباح منذور لليل، صباح الليل أقولها بأسى وأدرك أنها لا تشبه كثيرا ما كنت أكتبه من ضوء وفرح وحب، لكني مع ذلك أسجل بالكلمات كثيرا من النوافذ التي تشرف على حقول أمل قد يكون موجودا لكننا لم نكتشفه بعد.


صباح الليل:  لم تتركي في كتابك الجديد أمراً إلا وتطرقت إليه، وقضية وطنية أو إجتماعية أو انسانية إلا وكتبت عنها، هل وجدت أخيرا أن الكتابة النثرية الناقدة، توصل أفكارك أكثر من الشعر والقصيدة؟

- لم أتعمد أن أقول ما قلته بالنثر أو الشعر، الحالة هي التي تفرض على الفكرة الشكل الذي تأتي فيه، أنا في الشعر قلت الكثير الكثير عبر أكثر من 17 مجموعة شعرية، لكنني بالنثر قلت أكثر عبر أكثر من اربعين عاماً في الكتابة الصحافية والنقدية.

الشكل الأدبي مهما يكن، إذا لم يستطع التحول إلى جسر حقيقي ما بين قلب الكاتب وأوراقه وما بين الناس، لا يكون على الاطلاق منتمياً إلى الابداع، دائماً خلف الكلمات تنوجد جمرة البوح
والمعنى، والابداع الأكيد يكمن في مدى استطاعة هذه الجمرة على إشعال الحرائق التي تغير وجه العالم بالنار والنور.

صباح الليل:  أهديت في كتابك أكثر من نص لـ سعيد فريحة، كما انك أهديته في مقدمة الكتاب، ككل إلى جانب آخرين، أي أثر تركه فيك، وإلى إي مدى نستطيع أن نجد (جعبته) في أسلوبك النثري الناقد والساخر أيضا؟.

- لي كل الشرف أنني انتميت لمدرسة المعلم والأب سعيد فريحة، وأنني على يديه تعلمت ألفباء الصحافة والكتابة التي تشبه الحياة، مدرسته خرّجت أهم الأقلام التي تتفرد اليوم بالوهج الابداعي في لبنان والعالم العربي، ورائع أنني منذ تفتحت عيناي على جمالية اللغة والحبر والقلم وبياض الورقة، كنت في مدرسته، لا في اي مدرسة أخرى.

أعترف أنني تعلمت الكثير، كل يوم كنت اعيشه في (دار الصياد) كان يترك في أعماقي معارف تكفيني زوادة سنوات.

وهنا عرفت كيف اللغة تكون النبض، وكيف النبض يكون الجمال، وكيف الجمال لا يكون مبهراً وجديراً بالاعجاب بلا محبة.

كل الدفء الذي يسكن حروفي ويزركش تجربتي في الكتابة استعرته من هذه المدرسة، ومن جعبة المعلم سعيد تعلمت كيف اضحك على البلوى، وكيف أطلق على جحيم اليأس والقنوط ماء الضحكات.

صباح الليل:  لبنان يحضر بقوة في كتابك، لكن يحضر الجانب الذي يعاني: الفقراء، المسحوقون، الناس البسطاء المغلوبون على أمرهم، ويحضر كذلك إلى جانب المظلومين الظالم وبوجوه عديدة، هل الكتابة عن الظلم تحقق العدالة، أم أنها نوع من التنفيس لا أكثر؟.

- العدالة باتت نسبية في هذا العالم، الظلم يسود، ليس فقط في لبنان، بل في كل مكان، أنا نقلت لبنان الضحية إلى أوراقي، ونقلت في الوقت ذاته كثيرا من الظلم الذي أصاب الكوكب ولا يزال.
مجرد الكتابة عن الظلم محاولة لمواجهته ، ومجرد وقوف القلم في وجه الغلط سعي إلى تقويمه وبحث عن مخارج منطقية لحلول.

عموماً الكاتب لا يقرأ في كتاباته سيرة الثري المتخم ، ولا سيرة الحاكم والزعيم والسياسي، إلا في حالات يكون فيها الكاتب قد باع ضميره وحبره, لهذا أبطال كتابي هم اللبنانيون بكل شرائحهم، وغالبية اللبنانيين اليوم يعيشون تحت خط الفقر.

أنا رصدت الحياة، المهانة، الحاجة، العجز، الانكسار ، فقدان القيم في كل شيء، رصدت جوع الناس وعطشهم إلى جرعات من الكرامة والأمان.

رميت بقلمي في المجتمع، كما الصياد يرمي شباكه وعدت بحصيلة وافرة من الألم.

أما بالنسبة إلى ما سميته نوعاً من التنفيس، فهذا لم أعمد إليه أبداً، التنفيس يأتي في مجتمعات يحكمها المقص.

ما يميز لبنان أنه ورغم كل مساوىء الكثير من الطبقات السياسية التي تحكمه، فهو لا يزال يتمتع بهامش كبير من حرية التعبير.

صباح الليل:  ما زلت رغم القصائد والدواوين والكتب والمسؤوليات التحريرية في أكثر من منبر، لا تغادرين زاويتك (عزيزتي مريم) في مجلة (الشبكة)، ولا تبتعدين عن كتابة النصوص الناقدة فيها، ما السبب مع أنك اليوم رئيسة تحرير لمجلة منافسة؟.

- أنا لا أنسى أبدا بيتي الأول، ولا أنسى النافذة التي من خلالها عرفني القراء العرب في كل مكان.
(الشبكة) بالنسبة الي استراحة القلب والقلم ومحطة لقاء مع قارىء تعود أن يقابلني من خلالها.
بالنسبة الى (عزيزتي مريم)، قد أترك الكتابة في هذه الصفحة فقط في حالة واحدة هي أن أموت.
هناك آلاف القراء وعلى مدى أكثر من ثلث قرن صاروا أصدقاء لي من خلال هذه الصفحة، حالة الثقة التي نمت بيني وبينهم تجعلني وفية للصفحة، وتجعلني أشعر أنني أقدمت على الخيانة إذا ما تخليت عن حل مشاكلهم والاصغاء لبوح قلوبهم والتمسيد بكف الأخت الكبرى أو الأم على رؤوسهم المثقلة بالألم.

ولا يعني وجودي على رأس مجلة أخرى التخلي عن منصة انطلاقتي الأولى، ولا أعتبرها منافسة ابدا، لأن الشبكة تحديدا تبقى خارج كل المنافسات، هي تاريخ طويل من العطاء المستمر، وهي مدرسة اصيلة في الصحافة الفنية الراقية التي تفرض احترامها على الجميع، ولي كل الشرف أنني أستمر فيها منذ بدأت العمل الصحفي ولغاية اليوم. بخاصة إن رئيسة تحريرها اليوم رفيقة قلبي وعمري المبدعة إلهام فريحة..

 
صباح الليل:  في الكتاب إهداءات للشيخة فاطمة بنت مبارك ولفنانين وشعراء وشخصيات عامة، جورج وسوف، عصام رجي، رياض فاخوري، سعيد عقل، ومحمد خليفة السويدي.. الاهداء إلى شخص ما، هل يكون نوعاً من التحية أم تكريماً، أم شهادة للتاريخ؟.

- هو كل ما ذكرت، هو نوع من العرفان بالجميل لرموز تركت في حياتنا الأثر الجميل، وأنا حين كتبت لهؤلاء، كتبت مشاعري تجاههم، ودونت على الورق بعضا من مآثرهم في الحياة وكيف أضافوا إليها الوهج من خلال إبداعهم ومن خلال مرورهم في الزمان والمكان. فمن خلال وجودي الدائم في دولة الإمارات العربية المتحدة وأكتب نشاطات أم الإمارات الشيخة فاطمة بنت مبارك ووجدتها الراية والرمز لكل نساء العرب.

الوسوف مثلا يشكل ظاهرة لا يمكن أن تتكرر، وعصام رحمه الله ترك في الفن أثاراً غاية في التجديد والابداع، ورياض فاخوري رحمه الله كان أستاذا لي، لا أنسى مطلقاً فضله علي وعلى سواي، أما بالنسبة للشاعر الكبير سعيد عقل، فهو شرفني يوم منحني جائزته التي أعتبرها كنزاً سيبقى في خزانة الحفيدات من بعدي، وثمة آخرون كتبت عنهم وأهديتهم نصوصاً وتحايا، صديقات لي جعلن حياتي فردوس فرح، وأمي التي أورثتني كل هذا الصبر الجميل، حاولت أن أكون منصفة وأن أقدم ولو وردة عطرة لأشخاص ترك مرورهم في حياتنا حدائق أريج.


صباح الليل:  اليوم وبعد كل هذه السنوات في الكتابة والعمل الصحافي، ألا تفكرين في الاعتزال والراحة، أقله لكي تتفرغي لكتابتك الخاصة؟.

- كل أصحاب المهن العامة يعتزلون، يبدو أن العاملين في الصحافة والكتابة قدرهم أن يبقوا وراء مكاتبهم، حتى ولو تقوست ظهورهم وأنحنت أقلامهم وشاخت الأوراق.

قدرهم ان يستمروا عمالاً مياومين، لأن رصيد الحروف مهما كان قيماً وكبيراً، لا يمكن للكاتب او الصحافي أن يشتري به رغيف خبز، أو ان يكون ضمانة فعلية لشيخوخته المبكرة.


صباح الليل:  اليوم يمر لبنان في أكثر مراحله التاريخية صعوبة، هل ستكتبين عن هذه المرحلة العسيرة؟.
- أكتب كل يوم، لكنني لا أنشر ما أكتبه، لأنني أكتب بقرف، وأشعر أن اللغة صارت تنحدر لمستوى القاع الذي دفعونا إليه.

ليس عندي أمل كبير بالغد، اشعر أن لبنان هذه المرة وسط تيارات خطيرة قد تقصف أعمارنا جميعاً، إذا لم نستوعب حجم الكارثة.

هل سنقرأ ما يحدث جيداً، لننقذ ما تبقى، أم أننا كعادتنا شعب بلا ذاكرة!! لا أعرف.

                               Al%20Anwar%20Logo.JPG