المخرجة رندة الشهال وصلة لا تنقطع بين حياتها وأفلامها

الأنوار قرأها 6
 

وزير الثقافة: سيبقى اسمها في ذاكرة محبي الفن السابع

 
المخرجة رندة الشهال وصلة لا تنقطع بين حياتها وأفلامها

الأنوار

المخرجة اللبنانية رندة الشهال التي توفيت الاثنين في باريس اشتهرت بجرأة نادرة في معالجة مواضيع تشغل بال الانسان العربي. وتميزت الشهال بمعالجتها على الشاشة لمواضيع سياسية تحكي الحب والحرب والوطن والمنفى وتنبع من هم ثقافي يدور في فلك القضايا التي تشغل الانسان العربي.

طبعت أعمالها جرأة كبيرة وخصوصاً في التعبير الكلامي الذي استند الى عبارات قاسية من الحياة اليومية تصل أحيانا الى حد البذاءة. من أبرز افلامها الروائية (متحضرات) عام 1999 الذي منعته الرقابة في لبنان بذريعة تعابيره، و(طيارة من ورق) عام 2003 الذي نال جائزة الأسد الفضي في مهرجان البندقية السينمائي. ومن أبرز أشرطتها الوثائقية (خطوة خطوة) و(حربنا الطائشة).

سلام يرثي المخرجة

وقد رثى وزيرالثقافة تمام سلام المخرجة الشهال وقال: إنطفأت كاميرا رندة الشهال، ونال المرض العضال من هذه السينمائية اللبنانية الجريئة، وانتقلت إلى رحمة الله، تاركة إرثاً قيّماً من الأفلام التي وصلت إلى المهرجانات العالمية وباتت محور النقاشات الفنية والسياسية في العالم العربي والعالم.

رندة الشهال... أسم سيتذكره محبو الفن السابع للجرأة التي طبعت أعمالها، وللأسلوب الواقعي في طرح القضايا بقساوتها الفعلية لا بالتجميل الفني والمواربة والتقليل من وطأتها. فهي في معالجتها للمواضيع السياسية كانت تحكي قصص الحب والحرب والوطن والمنفى، وكانت تقف عند التقاطعات الثقافية مع تلك القضايا التي تشغل بال الانسان العربي.

سنتذكر جميعاً اشرطتها الوثائقية (خطوة خطوة) وحربنا الطائشة إلى أفلامها الروائية مثل (متحضرات) و(طيارة من ورق) الذي نال جائزة (الأسد الفضي) في مهرجان البندقية السينمائي عام 2003. وقد يختلف النقاد حول ما انتجت، وقد تقف اجهزة الرقابة خائفة أمام قسوة الحقيقة العارية التي تركتها للمشاهد بكل حرية، ولكن لا يستطيع أحد الإقلال من مساهماتها الفنية ورسالتها السياسية والثقافية في آن.

هي ابنة طرابلس الفيحاء وتحمل وسام الأرز اللبناني من رتبة فارس تقديراً لأعمالها، وهي التي وقفت ورفضت ان تتقاسم جائزة اليونيسكو للسلام مع المخرج الإسرائيلي عاموس غيتاي عام 1999. رحم الله الفقيدة وهي تغادر الفن السابع والدنيا تاركة بصماتها التي ستكون حتما الشاهد على فترة قاسية في لبنان والعالم العربي.

Randa%20Shahhal.JPG 


شغف بالرواية

كمعظم أبناء جيلها من السينمائيين، وجدت الشهال ان شغفها برواية قصة في السينما أمر غير ممكن مع اندلاع الحرب. وكانت تقول (بسبب إسرائيل والحروب، أصبح
عالمنا العربي كناية عن مجتمعات وليس أفراداً)، وتتذكر كيف انها لم تتمكن من سماع الموسيقى أثناء الحرب لانها كانت في حالة تيقظ دائمة. لقد أجبرت الحرب السينمائيين على إخبار قصتها فقط على حساب هواجسهم الخاصة والفردية. هكذا وجدت نفسها في العام 1976 تصور أول لقطة سينمائية لشاب مسلح على مدخل مبنى أحد الأحزاب السياسية اللبنانية.

تراكمت صور الحرب اليومية في أرشيف المخرجة فخرج منها في العام 1979 فيلمها الأول الوثائقي (خطوة خطوة) الذي يصور تناحر التيارات السياسية على أرض لبنان. لم يكن (خطوة خطوة) فيلماً فنياً بقدر ما كان فيلماً سياسياً حزبياً يعبّر عن موقف نضالي ملتزم أنتجته مؤسسة السينما الفلسطينية.

المحطة التالية الحاسمة في مسيرة الشهال الحياتية والسينمائية كانت الاجتياح الاسرائيلي في العام 1982 . فعلى الرغم من سنوات الحرب العشر التي سبقت الاجتياح، لم تفقد الأمل بامكانية التغيير. إلا ان خبر اجتياح إسرائيل لجنوب لبنان كان بمثابة انكسار لما تبقى من الحلم والبراءة ومشروع التغيير.

ابتداء من العام 1982، دخلت رنده الشهال مرحلة جديدة تتسم بالغموض. ابتعدت من الحياة والسينما كأنها كانت تعيد ترتيب حياتها وأفكارها. توقفت عن توثيق الحرب ربما مستسلمة لشغفها بالسينما الروائية التي ستكون سمة المرحلة المقبلة. بدت وكأنها تنهي حكايتها مع الوثائقي الذي أُجبرت على صنعه في ظل سنوات الحرب وتعد العدّة للمرحلة التالية وعنوانها المواجهة. ولكن مهما يكن من تحليلات، لم تبرح ذاكرة الحرب أفلامها المقبلة التي تحفل بتفاصيل تتكرر كأنها تستقر في ولاعيها كما هو مشهد الفتاة الراكضة في فيلمي (متحضرات) و(طيارة من ورق).

استقرت رنده الشهال في فرنسا منذ أوائل الثمانينات من القرن الماضي من دون ان تنقطع عن زيارة لبنان اما لتصوير أفلامها أو لرؤية الأهل والأصدقاء. في فرنسا، عثرت على تمويل أفلامها ولكنها ظلت الشخصية المشاكسة التي تصنع أفلاماً مثيرة للجدل ويشبّهها كثيرون بشرطي السير المتيقظ للرد على كل موقف يطال العرب.

بعد فترة انقطاع دامت نحو خمس سنوات، شرعت رنده الشهال بكتابة فيلمها الروائي الأول (شاشات الرمل) في العام 1986. خرج الشريط سنة 1991. كان بعيداً من
الحرب التي طبعت أفلامها الأولى وأقرب الى تسجيل التحولات الداخلية للشهال المرأة التي عرفت معنى التحولات بداية بسقوط الحرب كمشروع تغييري ووصولاً الى انتقالها الى باريس المنفى الاختياري. جاء (شاشات الرمل) فيلماً عن ثلاث شخصيات في بلد صحراوي غير محدد، يصور علاقة امرأتين ورجل في ظل السلطتين الدينية والسياسية.

 
فيلم متحضرات

الى الحرب الأهلية عادت رنده الشهال من جديد في فيلمها الروائي الثالث (متحضرات) عام 1999 كما هي حال سينمائيين كثر آثروا أخذ مسافة من الحدث ليتمكنوا من قراءته بروية. عادت الى الثمانينات لتروي فصلاً هامشياً أبطاله الخدم الذين تركهم مستخدموهم في البيوت قبل ان يفروا الى جهة آمنة. كأن المخرجة كانت قد انتهت من تصوير الحرب بعناوينها العريضة فقررت الغوص على التفاصيل الموجعة وأولها المشهد الافتتاحي العنيف لمسلحين يفجرون القطط طلباً للتسلية والمتعة. كان (متحضرات) فيلماً عن الحرب بلغة الحرب. الشتائم كانت أساس الحوارات والعنف الجسدي واللفظي محور المشاهد. فيلم يدين الجميع ويعلن مسؤولية كل اللبنانيين عن الحرب. أثار الشريط ردود فعل عارمة ومنعت الرقابة عرضه إلاّ بحذف نحو خمسين دقيقة منه. كانت المواجهة الأعنف التي خاضتها الشهال وكلفتها عدم عرض الفيلم على الجمهور اللبناني والعربي حتى اليوم.

ولاح مشروع وثائقي جديد في الأفق أعاد الشهال الى موقعها اليساري. (سهى) كان فيلمها التالي عام 2001 وان كانت تصر على انه جاء ليس من التزام وانما من افتتان بشخصية استثنائية هي سهى بشارة، ابنة العشرين ربيعاً، تلك التي أطلقت رصاصتها في صدر أنطوان لحد قائد جيش لبنان الجنوبي المتعامل مع إسرائيل، شكّلت بسجنها ومن ثم إطلاق سراحها بعد عشر سنوات مادة لفيلم وثائقي حواري يحاول التقرّب من عقلية المقاتلة في سبيل قضية تؤمن بها.

حدث ما كان يستوقف رنده الشهال ويدفعها الى كتابة سيناريو حوله. هكذا خرج فيلمها الروائي الرابع (طيارة من ورق) العام 2003 من مشهد تلفزيوني لفتاة في الجولان المحتل تعبُر بفستان زفافها الى الجانب الآخر الإسرائيلي لتتزوج من ابن عمها. بدا المشهد ملائماً للخوض في نقاش حول موضوعات الهوية والحدود والاحتلال. فكان (طيارة من ورق) فيلماً عن واقع جغرافي مجزأ وخيارات الفرد الضئيلة في مواجهة الاحتلال وانما إصراره على تخطي الحدود. تدور أحداث الفيلم حول المراهِقة (لميا) التي يعقد مصيرها على الزواج من ابن عمها المقيم في الجزء المحتل من القرية الحدودية. تعبُر الفتاة الى عالم جديد ولكنها تتمرّد على الزواج التقليدي المدبَّر وتقع في حب شاب عربي انما مجند في الجيش الإسرائيلي.

نال (طيارة من ورق) جائزتي لجنة التحكيم الخاصة والأسد الفضي في مهرجان البندقية وحقق للشهال ما يشبه المصالحة مع الجمهور المحلي والصحافة والجهات الرسمية التي أدانت فيلمها السابق (متحضرات) بينما كرمتها بعيد فوز (طيارة من ورق).

خلال السنوات الخمس الأخيرة، عاشت الشهال تجربتين مريرتين: المرض وحرب تموز 2006 التي تصفها بالنكسة الثانية في حياتها بعد اجتياح 1982. على الرغم من ذلك، لم تتوقف عن العمل فكانت تحضر منذ العام 2005 لفيلم في عنوان (لسوء حظهم) مع المغنية هيفاء وهبي ولكن تعثر الحصول على تمويل له من جهة ودخولها في نفق المرض من جهة ثانية منعا انطلاق العمل عليه.

بين حياة الشهال وأفلامها صلة لا تنقطع. كأنها تستمد منها أدوات الحياة فتقاوم مثل (سهى) وتواجه مثل (لميا). هكذا عاشت سنواتها الأخيرة مع المرض ليس في صراع انما في تحدّ ومبارزة.

Al%20Anwar%20Logo.JPG