حكاية ايريس
حكاية ايريس
د. إياد قحوش
حكاية ايريس يمكن أن تبدأ من نهايتها. هي تنهيها كما أرادتها هي، بيده. تقول له:
قصيرةٌ جداً قصّتي.
بين مطلعها والخاتمة صفحة واحدة
ما عدتُ أذكر مطلعها
الخاتِمة؟ جئتَ أنتَ تكتُبُها.
الله!!! ما أجمل الخاتِمة حين تَختُمها يدٌ تُحب.
ويمكن أن تبدأ قصتها من منتصفها:
سبعةُ أيّامٍ وكان التكوين.
في اليوم السابع كان الكون.
في اليوم الثّامن كان عرسٌ جميلٌ، وكان زَواج.
في اليوم التّاسع أزهرتِ السبعةُ الأيام، ثم أثمرت، ثم زيَّنت اليومَ الثّامن فكانت الولادة.
في ذلك اليوم التّاسع، من رحم الأسطورة، وُلِدْنا.
كنّا الأسطورةَ نحن...
ومنذ نحن، كانت الحياة.
هنا بعد أن تكون قد اكتملت فصول القصة في قلبها، بدأت كتابتها. لأن انتظار النهاية كان القصة وليس النهاية. كانت ايريس تنطلق من اللاحق الى السابق، لا بل وأكثر من ذلك، فقد ربطت الزمن الآتي كليا بخيوط الزمن الماضي، فعاشت تلملم جراح الحياة وهي تسير بهدوء على درب جلجلتها الحزين.
كانت تحاول جاهدة زرع الفرح في قلوب أحبتها في جماليا، ولكن كيف تعطي شيئاً لم تختبره. هاهي تعترف:
فجأةً استحالت العصفورة الصّغيرة كومة حزن بعد أن كانت باقة ريش زاهية الألوان.
سَكَنَتْها الوحدة ولم تجد في غربتها غصن شجرة واحداً تحطّ عليه.
تابعت الطيران حتى أرهقها السّفر. سقطت على حدود الوحدة. أضاعت طريق العودة وبقيت معلّقة بين أرض وسماء.
انتحرت في منطقة وُسطى بين قمّة الفرح وهاوية الحزن.
ليتها... ليتها لم تتعلّم الطيران.
في غربتها عن الجذور، عاشت وحيدة بعد أن صدمها غياب الأحبة. فبقيت معلقة في اللامكان. عادت الى الشرق عبر لغتها العربية، روحاً تبحث عن دفء العائلة، فوجدت "جماليا". وصارت تكتب رسائلها عبر صفحاتها الى الحبيب، والى الأحبة، والى الأهل، الذين تركوها حمامة لاتقوى الا على الهديل الحزين.
أتراها تبكي هنا فلذة كبدها حينما تقول:
أيّتها الغائبة حتّى انقضاء العمر،
أيتّها الحاضرة حتى الإغماضة الأخيرة،
يا طفلةً جرَّحَتِ العمر بطفولتها الهاربة،
يا وردةً تشتاق عينا أمّها للمحةٍ منها واحدةٍ،
يا انكسار العمر قبل بدايته،
ارحمي أمّكِ،
أعيديها ثانيةً واحدةً من الزّمن الماضي فتعيدك إلى رحمها جنيناً لا تَلِدَه.
يا قلبَ أمّكِ أنتِ، أعيدي إليها قلبها.
لمن بدونكِ تعيش؟
قبلكِ كان العمر انتظارَكِ. بعدكِ ليتَ الولادة لم تكن.
التصق قلبها بالحبيب الذي غاب, فغابت معه فرحتها، وبقيت تسلّي لياليها الموحشة والباردة بذكريات الأمس. كانت لاتكفّ عن مناجاته، وهي تعلم أنه لن يعود. تقول:
من عمق الحزن أناديكَ، يا كلّ الحزن.
من قلب الشوق إليكَ أصرخ بك أن تعود ولو لثانية.
عُد... غيابُكَ أغرقني في ألم من لون آخر بعدما انتهيتُ من صراعي مع الألوان.
ورغم وجوده الدائم معها, فان غيابه الدائم هو الحاضر الدائم. كتبت مرة:
من قال إنّ الغياب لا يكون غياباً حين نُسْكِنُ الآخرين قلوبنا؟
أين لمسات الأيادي تتبارك بالدّفء؟
أين نظرات العيون تُسْدِل الرّموش على وجه حبيب؟
من قال إن الغياب كالحضور؟؟؟
اقترنت الذكريات بالأماكن, فكان الشوق اليه يحتلها.
ليس فقط عندما تغمض عينيها وتسرح معه، بل أيضاً عندما تفتحهما على المطارح. تقول له:
يسبقكَ قلبي إلى برودة الغرفة الخالية إلاّ من خيالي.
أُسْدِل ستار الهرب إليك، علينا، أضمّك بجناح خيالي المقهور وأترك دمعة خوفي عليك تروي جفاف المسافة الفاصلة بيننا.
عاشت مع الحبيب له وحده، وبقيت بعده له وحده، وهي سعيدة بحزنها، راضية بوحدتها معه، لأنه كل شيء. تقول:
أغمض عينيَّ وأتركك تسافر في أعماقي حتى القلب.
أفتحهما فأراك تبتعد مع نسمات الصباح.
كيف يمكنني جمع الليل والنهار في مكان واحد؟
وتقول أيضاً:
أنا أَنتظركَ أنت.
بعيداً عنك، لا شروق في الصباح يعنيني. لا نوم في اللّيل يغريني.
شمسُكَ أنتَ فلتشرقْ عليّ في كلّ ساعات النّوم.
لا ليلَ أعرفه بعد اليوم، إلاّ ليلُ غيابك.
كم مرة أماتها الشوق قبل الميتة الأخيرة!
كم حرق قلبها الحنين الى رؤية الحبيب قبل أن يخمد قلبها!
كم تأوهت جراحها للمسات الشفاء من يديه قبل أن تذوي للمرة الأخيرة في ظلمة الغياب!. ألم تقل:
قلتُ لكَ يوماً:
خذ عينيَّ ولكن دعني أراك، خذ يديَّ ولكن دعني ألمسك.
لم تفهم الرسالة، أخذتَ مني النظر واللّمس وتركتَ لي عينين بلا نظر ويدين بلا لمسة. يا لقسوتك، أعِد لي أحاسيسي.
لقد مزق أحشاءها الانتظار, وتكسرت أجنحتها قرب صورة الحب, فهاهي تراه في كل الجهات, وهاهي تصرخ عليه من كل الجهات، وهي تعلم أنه لايسمع وتدرك أن صوتها سيختنق صدى في صدرها النازف لوعة. اصغوا اليها تصرخ بهمس:
من حضور في كلّ الثواني والأنفاس، إلى صورة أحتضن جمادها، أخاطب صمتها، وبصمتٍ مؤلم أغفو على تفاصيلها.
من حضور في كلّ نبض، إلى نبضٍ يلهث بحثاً عن صدى صوت اشتاقت إليه أذناي.
من كلّ الحضور إلى كلّ الغياب، تبقى وحدك الحاضر الأكبر.
أخذ الرحيل, بعضها معه, وترك بعضه معها. معه ماتت, وهو لايزال يعيش معها. بعد أن التصقا, تعاهدا على تقاسم كل شيء. لا ذكريات الماضي فحسب بل ولحظات الحاضر, حتى الهواء. كتبت:
تعالَ نقتسم نسمة هواء لتدرك معنى اقتسام ما لا يُقسم
هكذا أنت، نسمة هواء فكيف أقبل بنصفك؟؟
كان لها البداية والنهاية, فبدونه هي لاشيء, ومعه كل شيء. هي أمية في الحب بدونه, شاعرة معه وله. جاهلة للعشق قبله، مؤرخة لأدق تفاصيله بعده. ألم تقل:
أهرب من الكتابة لكَ، الى القراءة. أقرأُك.
أعود الى الكتابة، هرباً من قراءتك. أكتبُك.
بين قراءتي إياك وكتابتي إليك، تتزيّن أوراقي بأصدق الكلمات.
وأيضاً:
أحيا بكَ، من دون أن تكونَ معي.
يا للغرابة: بالكاد كنتُ أعيش مع من معي.
ماهذا الانسحاق أمام الحب ياايريس! ومن أين كل هذا الامحاء في الحبيب! أي قلب تحملين في صدرك وأي متيمة أنت!. الى آخر الحب مشيت بأقدامك العارية على صخور الرحيل، والى آخر دمعة في عينيك بكيت على الحبيب. أي اكتشاف في الحب حبك عندما تهمسين له:
لا ضرورة أن تشرق الشمس هذا الصباح،
اليوم، سيشرق عليّ وجهكَ.
لم تنس ايريس تقديس الزمن معه، فكانت تحتفل بوليمة من الأشواق كلما مرت عليها ذكرى جمعتهما, ولم تنس وجود فلذة الكبد معهما. وكأنها تحتاج للذكرى لتجدد آلامها ولتندب الزمن المقتول! تقول:
في مثل هذا اليوم، منذ سنة، خلعت عني ثياب الحياة الفارغة، ارتديت نذري الأبدي ودخلت معبدك عارية.
أمام عظمتك انحنيت وأعلنت انتمائي إليك حتى انتهاء الدنيا.
منك تناسلت العناوين: مثل اليوم كان "العرس في اليوم الثامن" و "في اليوم التاسع كانت ولادتنا" ثمّ اجتمعت "الأقانيم الثلاثة" وراحت تكتب "إليكَ وحدك" وتطلب منك "السماح عند فتحة قلبك".
أغضبتُكَ!!! قدّمت "لكَ الطاعة ومنكَ الغفران" و...
"إليكَ من جديد"، سلّمتكَ قلبي وسألتكَ "خاتمة تكتبها أنت".
جاء القرار واضحاً: لا كتابة إلاّ للبدايات، ولا نهاية تأتي.
كانت تبكيه كل يوم، وتطلب السماح منه كل لحظة. لماذا تستميحه العذر؟
ألأن الحب الكبير يتقعر ليحتضن الآخر، أم لأن عظمة الحب تكمن في عطاء الذات؟ أم أنها شاركت القدر في رحيله.
قالت:
كالرّيح أعبر إليك.
أَقف عند فُتحةِ قلبك وأسألُكَ السّماح.
نثرَ خريفي أوراقَ ربيعِك بدون رحمة.
سامح عواصف جنوني.
لم أكن أعرف.
ايريس، التي أحبتنا جميعاً، عاشت له الى آخر نقطة في جدول حياتها القصير. لم تدعه يتركها لحظة واحدة, لأنه هو البداية والنهاية، وهي قصة قصيرة مابينهما.
كتبت مرة:
أقْلِبُ الصفحات، أُفَكِّكُ الأحرف، أصوغ منها الفقرة الأخيرة،
فتكون أولى كلماتها "أنت" وآخرها "أنت".
قد تكون هذه قصة ايريس، وقد تكون تشبهها فقط، وقد لاتكون. لكن من هي بطلة هذه القصة؟
لاتهمنا التفاصيل. نعلم أن ايريس اقتحمت حياتنا من باب الجمال الحزين, وعملت على رفع مستوى أحاسيسنا فاقتربت بنا الى سماوات كنا نجهل وجودها. ونعلم أنها بالرغم من قربها الشديد منا، كانت بعيدة عنا. قصة ايريس هي مزيج من الواقع الخيالي والخيال الواقعي.
من هي ايريس؟!
لايهم..
من أين هي؟!
لايهم.
المهم أنها قرعت جرساً للحب النقي وللعطاء المجاني، كنا قد أضعناه منذ زمن الأنبياء.
هكذا عرفت ايريس عن نفسها:
- "مِنْ أين أنتِ؟"
- "دياري ليست مكاناً بل أناس".
هذه هي ايريس الحزن الكبير، وهذه هي حكايتها حكاية الحب .
كتبت:
أحبُّـــــــــــكَ.
لا بقيّة ستأتي.
أحبُّـــــــــــكَ..
وتنتهي الحكاية.
تنشر بالتزامن مع صحيفة الأنوار اللبنانية
http://www.alanwar.com/articles.php?categoryID=10