الحـرب
الحـرب
* * *
د. اياد قحوش
الى صاحب القلب الكبير الذي يأبى الا أن يحلقبجماليا رغم الجراح، الدكتور مفيد مسوح
سألني ولدي الصغير وهو يتابعأخبار (السي أن أن) معي عن معنى الحرب.
أدهشني سؤاله, ليس فقط لأن الإجابة علىالسؤال تطول وتتشعب ولاتنتهي ولاتقنع, بل أيضا لأنه ردني بهذا السؤال الى تلكالبراءة التي أنستنا إياها قرقعة الواقع, التي عودتنا على رؤية الدمار والخرابوالحرائق على شاشة التلفيزيون, وكأنها أموراً طبيعية وقد فقدنا حتى الإرتكاس لها، وتعلمنا ألا نشمئز لرؤيتها.
كم تمنيت لو كانت الحرب في عالمنا هذا شبيهة بالحرب في عالم أفلامالكرتون حيث لا يموت القتيل ولا يدوم الدمار. تركت ولدي نائماً في سريره ووقفت علىنافذة الغرفة أرقب البحر الجميل وسماء فلوريدا الصافية كسماء بلادي ورحت أفكربالإجابة. ولكن قبل أن أغوص في معنى كلمة حرب حاولت أن أخلع عني كل الثياب التيألبستني إياها ظروف الحياة الواقعية وسعيت جهدي لأن أفكر كالأطفال كي أفهم ماعجزتعن فهمه بإدراك الكبار.
الحرب إذن تنفذها فئة من الناس اختارت أن تكون في الجيش أو ربماأرغمت, بالترغيب أو بالترهيب. تقوم هذه الفئة استعداداً للحرب بالتدرب على شتىأنواع الأسلحة والمتفجرات والأدوات التي صنعت خصيصاً لإنزال أكبر وأفظع الخسائر فيالطرف المقابل. يصرف علماء ومهندسون الكثير من وقتهم لجعل هذه الأدوات الحربيةأكثر فتكاً وإجراماً. يتعلم أفراد الجيش الخداع ونصب الكمائن ويتدربون على دقةالتهديف والإصابات المباشرة. وهكذا تكون حياة هؤلاء الأفراد مبرمجة على أن حياتكتتوقف على قتل الآخر. بدلاً من أن تكون منصبة على محبته والسير معه في طريق واحديؤمن للجميع الحب والسلام.
ولو سألنا من هو الآخر الذي يجب قتله لكان الجواب مخزياً حقاً. الآخر في الحرب الأهلية هو جارك الذي أوصلك الى المستشفى عندما كنت مريضاً, وهو فيحروب دول متجاورة القريب الذي يشاركك مطر السماء وهواء الربيع, وهو في الحروبالدينية أخ لك صلّى من معبده لنفس إلهك طالباً الرحمة له ولجميع الناس. الآخر اذن هوليس وحشاً ولا مجرماً بالضرورة, إذ إن كل فرد هو الآخر للآخرين.
عندما أنظر الى صور الأرضالمأخوذة من الفضاء لا أرى حدوداً بين الدول بل أرى قطعاً من اليابسة تفصلها بحارومحيطات. لاتظهر الصور لون بشرتنا ولا تحدد ديننا ولا تميز بين قوم وآخر, فالكلكتل بشرية تجري وراء رزقها في الصباح لتساهم في قسطها الصغير أو الكبير, في دحرجةهذه الأرض الى الأمام, وعند المساء يخلد الجميع الى النوم كخراف متعبة.
فالصاروخ الذي ينطلق من قاعدتك هنا سيسقط على رؤوس أفراد لا تعرفهم ولا قابلتهم من قبل، ولا تستطيع أن تتخيل وجوههم. قد يكون بينهم شاعر مثلك اذا كنت تحب الشعر, أو رساماذا كنت تحب الرسم, أو عازف بيانو اذا كنت تحب الموسيقى, أو ربما فرد هاجر جد جدهمن بلدك أنت قبل أن نتقاسم الأرض ونحددها بالقضبان, فكان هذا قريبك بالدم ولكنهينطق غير لغتك وينتمي لغير قوميتك الآن.
يا ولدي الحرب قتل أعمى يقوده رجال يجلسون وراء مكاتبهم, وعلىحسب أوامرهم تتطاحن الجيوش وتتقاتل, ويموت الآلاف, وتتهدم المنازل والمؤسسات، ويملأ الحقد قلوب البشر, وتصبح الكراهية مشروعة. يموت الكثيرون من أفراد الجيشين أما القادة فغالباً لا يموتون, بل يحصدون الشهرة والأوسمة والمجد المزيف. ولايفوتنّكأنهم قد يتصالحون ويتقربون لبعضهم البعض تبعاً للأهداف والسياسة, فلا تستغرب أن ترىقادة حرب الأمس أصدقاء وحلفاء اليوم. ولكن هل يستعيد ذلك أرواح أفراد الجيشينالذين سقطوا في ساحة الحرب؟
في الحروب نسمع تعليق البعض عن معاهدة جنيف للحروب, ومعاملةالقتلى والأسرى. إنه شيء مضحك حقاً أن يحلل القتل ويمنع العبث بالجثث, أن يسمح باطلاق النار للقتل خلال تبادل القصف وأن يمنع تصوير الأسرى. ما ألطف وأرق قلوبالذين يتباحثون ويتجادلون في هكذا أمور!!
تمحي خطوط النور شراشف الظلامبهدوء وسلام.. فلا الظلام يتمرّد ويطالب جيوش العتمة بالاستنفار ضد النور, ولا يشمخالنور متباهياً بانتصاره الساحق, لأنه يدرك أن الدائرة تدور ومصيره أن يأتي ويرحل.تتمايل الأحرف بخصورها فوق ساحات الصمت فلا الصمت يتململ من موسيقى الكلمات ولاالصوت يتعجرف على الصمت بذبذباته الرنانة التي تلغي حيز الصمت لحين لأنه يعلم أنهسيتعب بعد قليل وسيستريح على مخدة السكون.
أما الحرب فلا رحمة فيها ولارأفة, فهي تدك قصور السلام بمنجنيق الكراهية, وتأخذ بأسرى الخوف الى المقصلة، فتنشر رائحة الموت وفطور الغدر وتزرع الأرض قبوراً وخراباً.
أما السلام فكلمة نركض خلفها وهي خلفنا, لأننا لن نجد السلامطالما نحمل الخناجر في أيدينا والشهوة في قلوبنا وحب السلطة في أذهاننا.
* * *
أعود الى داخل الغرفة فأجد ولديلا يزال يغطّ في نوم عميق وعلى وجهه ترتسم امارات الطمأنينة والسلام.
ماذا أقول لك عن الحرب ياولدي؟ إنها قصة الإنسان التي لن تنتهيإلا بنهايته. كل ما أستطيع أن أقوله لك أن الحرب عار وعار كبير على الجنس البشري ولكي أبسطها لك, الحرب عيب من جملة العيوب التي لا أريدك أن تفكر بها.
د. اياد قحوش