في الخامس والعشرين من تشرين - (كلام عما في عبلّين)

حنا نور الحاج قرأها 18
 

في الخامس والعشرين من تشرين

(كلام عمّا في عبلّين وأخواتها)

حـنّـا نـور الحـاجّ

[طَوال أشهر من العام السابق، عاشت بلدتي "عـْبـِلـِّين" ظروفًا مأسَويّة لا زلنا نتذكّرها بقلق وخَشْية، تمثّلتْ في أعمال تخريب تبادل إطلاق نيران قاتلة، أشاعت أجواءً من الذعر والتوتّر. في الخامس والعشرين من تشرين الأوّل المنصرم، بدأت تلك الأحداث تصير ذكريات. كتبتُ الكلام التالي بعد مرور نحو شهر من ذاك اليوم، ونشرتُه في بعض الصحف المحلـّيـّة. أعيدُ نشره هنا في موقع الجمال "جـمـالـيـا"، لعلّ بعض قرّائه وأدبائه يرغبون في الاطّلاع على بعض ممّا يعيشه المليون عربيّ هنا في البلاد المضطربة، في الوطن الآسر المأسور، من خلال ما يدور بين جدران "عْـبِـلـِّين".]

ما بين الآن وما مضى...

في ما مضى، كنّا نتوجّس خوفًا إذ نشاهد شُرطيًّا في البلدة. كنّا نستعيذ بالخالق وبمبعوثيه. كنّا... أمّا في الشهور الأخيرة، بل في الأعوام الأخيرة، فلقد أصبحنا نتنفّس الصعداء حين نرى سيّارات الشرطة في طُرقات البلدة. ما كان في عبلّين كابوسًا صار الآن مبعثَ إحساس بالراحة والأمان والانضباط.

"اعتراف"

ينبغي أن أعترف أنّه قد تضخّمتْ في فؤادي، في الأعوام الأخيرة، أحاسيسُ تجاه بلدتي -التي غَدَا فيها الخلاف الطفيف قادرًا على التحوّل سريعًا إلى نـزاع عنيف قد يُـفضي إلى مخاطر تبلغ حدّ التهلكة-، تضخّمت في فؤادي أحاسيسُ لم أظنّ، في ما مضى، أنّها ستَسكنني أكثرَ من لحظات محدودة معدودة عابرة. الاستياء والغضب والنـفور... كلّها تمازجت وتفاقمت ولم تفرّخ إلاّ المزيدَ من نظيراتها، انضافَ إليها لاحقًا إحساسٌ بالعجز مستبدٌّ. قاتلٌ هذا الإحساس!

لكن في الخامس والعشرين من تشرين الأوّل المنصرم، حين شهدتُ وعشتُ مع بعض أهلي العبلّينيّين ومع غيرهم ولادةَ صلح بين أبناء البلدة الواحدة، في ذاك اليوم رُدَّتْ إليَّ بعضُ روحي المتعَبة، بل أحسستُ أنّ الخامس والعشرين من تشرين هو عيدان اثنان لي، لا عيد واحد (وذلك أنّه صادف ذاك اليوم عيد مولدي الثاني بعد الـ...). أحسستُ وأدركتُ أنّ أهل الخير والسماح لا ينقطعون، وأنّ مُحبّي الوئام -وإن لم تُسْمَع أصواتهم أحيانًا- هم هم الأكثريّة، بل الغالبيّة.

"ولقد شفى نفسي"...

وممّا يشفي النفسَ حقًّا أن ترى مسلمي عبلّين ومسيحيّيها يجتمعون ببالغ الأَرْيَحِيّة على صنع الخير والاحتفال به في مناسبة واحدة تظلّلهم بأجنحتها. طَرَفا الخلاف المؤسف (الذي عكّرَ ووَتّرَ أجواء البلدة شهورًا لا تُنسى) أبناء ديانة واحدة، والمصلحون الكِرام والمحتفون المغتبطون بالصلح هم مسلمون ودروز ومسيحيّون، من عبلّين ومن خارجها، ومن مختلِف عائلاتها وحاراتها. مشهدٌ يَسُرُّ العيون والقلوب، لا ريب، ويبعث في النفوس نسمات من أمل وفأل. تذكّروا، يا أهلنا، تذكّروا أنّ فعل الخير وحبّه ليسا محصورين في طائفة واحدة أو ديانة واحدة! ما كان أشدَّ تعْسَنا وبؤسنا لو لم يكن هذا صحيحًا!

يومذاك، أحسستُ بما أتمنّى أن أحسّ به على الدوام. أحسستُ أنّنا -كما يليق بنا حقًّا- رؤوسٌ مختلفة وقلوبٌ مؤتلفة. أحسستُ أنّنا من شعب ككلّ الشعوب، شعبٍ يليق بالحياة وتليق الحياة به. أحسستُ أنّ عبلّين -رغم كلّ شيء- مكان يحلو للإنسان أن يحيا فيه. من حقّ أبنائنا وحَفَدَتنا علينا أن نترك لهم (بل أن نهيّئ لهم) مكانًا /بلدًا /وطنًا عليه "ما يستحقّ الحياة" (والشكر -في هذا المقام- للدرويش الفلسطينيّ المحمود الذي حبّبَنا شِعرُه بالوطن، وبالشعب، وبالحبّ، وبالشِّعر ذاته).

مصائب "الغيـر"

يأتيك مَن يذكّرك بأنّ دائرةَ العنف شديدةُ الاتّساع؛ فالإعلام حافل بأخبار العنف المستشري في بلداتنا العربيّة، وفي البلاد بعامّة، وفي المنطقة كلّها والعالم على نحوٍ أعمّ.

يذكّرك بذلك فيزداد همّك. هو يظنّ أنّ تذكيره لك بهذه الحقيقة يعزّيك، اعتقادًا منه أنّ "مَن رأى مصيبة غيره هانت مصيبته عليه"، فنجدك كأنّك تخْذله بتحريف طفيف للمقولة تلك قائلاً: "مَن رأى مصيبة غيره تضاعفت مصيبته". وليس ثمّة ما يمنعك أحيانًا من الاستعانة بعبارة منصور الرحباني الشعريّة التي نراك تُكْثِرُ من اقتباسها، عبارتِهِ التي تُوحّد بين الهمّ العامّ والهمّ الخاصّ، فتغدو المعاناة العامّة معاناة خاصّة فرديّة شخصيّة ذاتيّة:

"ما إنسانٌ في أقصى الأرضِ يموتْ

إلاّ فِيَّ يموتْ"

تساؤلات قد لا تستدعي إجابات

إن كان الصلح أو السلْم بين أبناء البلدة الواحدة إمكانيّةً قائمةً أو واردةً على الدوام، فلماذا لا يكون -على نحوٍ دائمٍ- إمكانيّةً أُولى، أُولى لا أخيرةً؟! وحين يصبح إمكانيّةً أخيرةً، ألا يكون ذاك متأخّرًا؟!

هل كان علينا أن نُعاين العنف، ونسمع قعقعة السلاح، فنخشى على أنفسنا من أنفسنا، كيما نتيقّنُ أنّ السلْم البلديّ ضرورة وحاجة؟!

أكان لا بدّ من معاينة الموت لنخشى على الحياة من نفوسنا ومسلكيّاتها العنيفة والانتقاميّة؟!

البطولة والباطل

البطولة الحقيقيّة تقتضي:

أن نكون قادرين على التجاور، وعلى التحاور، وعلى التجاوز السريع لكلّ ما من شأنه أن ينغّص العيش المشترك.

أن نكون قادرين على التسامح دومًا، لا سيّما في بداية حدوث الإشكال (وهل من شكّ أنّ في التسامح عظَمةً وتساميًّا؟!).

أن نكون على استعداد لتجنُّب كلّ ما من شأنه أن يعكّر صفو البلد.

       البطولة تقتضي أن نرفض الباطل، وألاّ يغرّنا بَريقُه المُخادع.

       التعقّل يستدعي أن نمتنع عن تربية أبنائنا على تقديس "القبضنة" المورِّطة والتي تفسِّخ نسيج أيّ جماعة بشريّة، "القبضنة" التي تضرّ بمن يمارسها كما تضرّ بمن تقع عليه. كلّنا ضحاياها.

المأمول

       المرجوّ والمأمول أن يستخلص طرفا هذا النـزاع العنيف المخيف، الذي جرى في عبلّين، العِبرةَ والحكمةَ، وأن يزدادا اقتناعًا أنّ الخسارة فادحة وعامّة، وأن يدركا تمامَ الإدراك أنّ الناس الطيّبين كافّة قد تنفّسوا الصعداء جرّاء تلك الخطوة الحكيمة المتعقّلة، وأنّ ما كان لا ينبغي أن يعاود الحضورَ. الصلح الذي جرى منذ شهر، هذا الصلح مصلحةٌ هو. مصلحةٌ لنا نحن أجمعين بلا استثناء.

من ناحية أخرى، من غير الكافي، بل من الخاذل والمخيِّب والـمَعِيب حقًّا، أن يقتصر استخلاصُ العِبَر على طَرفَيِ النـزاع. ما نتمنّاه أن يدرك أهلُ البلد (والبلاد) جميعًا أنّه حين يصير العنف سلوكًا متكرّرًا اعتياديًّا مألوفًا "مقبولاً" وَ "شرعيًّا"، يستحيل المجتمع إلى غاب! وفي الغاب ليس من اليسير أن يحيا المرء، ولا من المشرِّف!

استبدال

       قبل عقود، غنّى أسمرُ العنادل، في سياق نضاليّ وطنيّ ، أغنيته الشهيرة التي يقول في لازمتها: "خلِّ السلاح صاحي"!

أمّا الآن، فلبلدنا الحبيب، لأهلنا الأحبّاء، نقول ما هو مماثل ومغاير لذاك المَطْلع. نقول، بمداعبة قد يراها بعضنا ادّعاءَ خفّةِ ظلّ، لكن بكلّ حبّ وغَيرة على البلد الحبيب (وعلى البلاد):

يا أهلنا! يا أحبّتنا! "خلِّ العقل صاحي"!

عودة إلى الشرطة، وإلينا نحن...

       في تحقيق ذلك الصلح الذي شرح صدورَ العبلّينيّين، في الخامس والعشرين من تشرين، كان لشرطة مدينة "شفاعمرو" نصيبٌ تُشكَر عليه حقًّا جزيلَ الشكر. لكن ما يؤسَف له شديدًا أنّ تدخّلها الجادّ والملموس لم يجرِ إلاّ حين وقوع ضحيّة فعليّة، واتّضاح وجود صاروخ "لاوْ" في حوزة أحد طرفَيِ النـزاع. عندئذٍ، تحوّلت القضيّة إلى قضيّة أمنيّة. وماذا يعني هذا؟ هذا يعني أنّ وجود صاروخ قد يهدّد أمن المواطنين اليهود، إذ قد يُباع أمثاله ممّا يُنهَب إلى "أطراف معادية إرهابيّة". وهذا يعني أنّ أمن الدولة ينحصر في توفير الأمن للمواطن اليهوديّ. أمّا المواطن العربيّ، فلا أمنٌ، ولا أمانٌ، ولا أمانٍ... المواطن العربيّ هنا مشروعُ مَنيّة!

       لست أنسى كيفيّة تصرُّف شرطة بلادنا إبّان الأحداث العنيفة المؤسفة التي عصفت ببلدتنا الجليليّة "المغار"، قبل بضعة أعوام. آنذاك، كانت البلدة تضطرم، ورجالات الشرطة حولها لا يدخلون إليها. وحين سُئل أحد أكبر مسؤولي الشرطة عن دوافع هذا التصرّف /عدم التصرّف، ادّعى أنّ شرطته ابتغت، من وراء عدم التدخّل المباشر بالدخول إلى المغار، ابتغت أن تتيح المجال لمجلس المغار المحلّيّ ووجهاء البلدة أن يقوموا بإخماد ما اضطرم! يا ألله! أهو حرْصٌ على الأعراف العربيّة؟! أهو مراعاةٌ لتقاليد العرب وعاداتهم؟! شكرًا! 

من أحداث كهذه وكثير غيرها، جليٌّ أنّ الشرطة في بلادنا تتقاعس، في أحيان غير قليلة، عن أداء دورها المهمّ في قضايا العنف الداخليّ (أو الاحتراب الداخليّ) بين العرب؛ إذ كثيرًا ما تُرْجئ "تَدخُّلها" (والمقصود هو تأدية واجبها) إلى ما بعد سقوط ضحايا. عندذاك، تتيقّن أنّ الأمور جِدّيّة وتتطلّب استدعاء قوّاتها المعزَّزة!

ما دام الأمر على هذا النحو، من المستحسَن توفير آليّة محلّـيّة في كلّ من بلداتنا العربيّة تُبادر إلى التدخّل السريع المبكّر في كلّ ما تستدعي خطورتُه تدخّلاً، وذلك بغية درء العنف أو لإيقافه في بداياته، خشية أن ينفلت من عقالِهِ فيجعل الحياة كوابيسَ ومسلسلاتٍ من الذعر طويلةً. والآليّة المقصودة هي مجموعة أو لجنة دائمة من المحلّـيّين ذوي المقدرة على التأثير والإقناع، مجموعة ممّن هم على أهبة الاستعداد لاستباق تفاقم أيّ حدث عنيف. من غير المستحَبّ أن نـتّكل على الشرطة في ما يمكننا أن نكون في غِنًى عنها. 

الكبار ودَوْرُهم الكبير

في الآن ذاته، من المنتظَر أن يأخذ كبارُنا دَوْرَهم الإيجابيَّ في هذا الصدد. في إمكانهم أن يساهموا في تحسين الأجواء الاجتماعيّة بمجرَّد تحويل خطابهم هم إلى خطاب إيجابيّ متروٍّ، فلا يتفوّهون أمام الناشئة بكلام يمجّد القوّة -لا سيّما تلك غير المتعقّلة منها-، ولا يعبّرون أمامهم عن أيّ إعجابٍ بالتصرّفات الطائشة ("القَبْضَنات") -وإن كان هذا "الإعجاب" من قَبيل الممازحة والهزل-. لدى الصغار قابليّةٌ لتشَرُّب الرزانة والتروّي وكظم الغيظ، تُماثلُ قابليّتَهم لتشرُّب السفَهِ والطيش والتسرّع وفقدان الأعصاب. وفي المعهود، الكبار هم القدوة، لا الصغار. 

من أيّة زاوية... ؟

بعض من يقرأون كلامًا كهذا الكلام قد لا يروق لهم تناوُلُ الموضوع من زاوية وطنيّة قوميّة. قد يقولون: "ما لهذا وذاك"؟!

لو انصعتُ لرغبة هؤلاء الإخوة في هذا الشأن، لَمَا رضيَتْ نفسي عنّي. لا يحلو لي أن أتناول موضوعًا كهذا بمعزل عن السياق العامّ، ومن زاوية أجدها ضيّقة. لا أستسيغ الاكتفاء بالقول: "نحن أبناء بلدة واحدة". لا غبار حول حقيقة كوننا أبناء بلدة واحدة، بَيْدَ أنّ انتماءنا إلى شعب واحد هو حقيقةٌ أَعَمّ وأهَمّ. هذا هو الانتماء الرحب الذي من شأنه أن يصهرنا في بوتقته، فلا نبقى في الحالة المتردّية البغيضة: عائلات وعشائر وقبائل وطوائف وبلدات ومناطق لا يجمعها جامع ولا واصل؛ لا همّ مشترَك، ولا مَطالب مشترَكة، ولا رؤيا، ولا مطامح...

قد يرى بعضهم أنّي أكتب كلامي الوارد هنا من منطلقات مثاليّة ورومنسيّة. لا المثاليّة نقيصة، ولا الرومنسيّة تهمة. ورغم ذلك، أعتقد كامل الاعتقاد أنّ الزاوية التي يحاول كلامي أن ينطلق منها هي زاوية شديدة الواقعيّة، إلى حدٍّ لا يُغْفِل المصلحةَ الشخصيّةَ. مصلحتي الشخصيّة تقتضي أن أتمنّى الخير لغيري. حين يكون أهلي والآخرون بخير، فأنا كذلك بخير. حين يحيا المرء في خير، من المستبعَد أن يتّصف بالعدوانيّة والعنف؛ إذ هل يسلك المرء مسلكًا عدوانيًّا إلاّ حين يشعر بأنّه مهدَّد؟! ولا ينبغي أن يخفى عنّا أنّ الإحساس بالتهدُّد قد يكون، في بعض الأحيان، حالةً من التوهّم (توهُّم السوء والعداء والشرّ).

لأنّي أتمنّى الخير كلّ الخير لي ولسواي، لعائلتي ولكلّ عائلة، لبلدتي ولكلّ بلدة، لشعبي ولشعوب الأرض كافّة، لهذا كلّه يحلو لي أن أتناول هذا الشأن من إحدى الزوايا العامّة الواسعة والمهمّة لنا نحن على وجه الخصوص. حين نكون وطنيّين (ويؤسفني أن أذكّر: الوطنيّة ليست سُـبّة ولا نقيصة!)، لا يمكن أن نكون عائليّين ولا طائفيّين. لا يمكن أن نكون فئويّين. حين نكون وطنيّين، نكون أكثر إنسانيّةً. حين نكون محبّين لبلدنا، وطنيّين حقًّا، لا يمكن قبول أن يكون إطلاق النار سيّدًا في أيّ موقف وأيّ مناسبة (بما في ذلك أفراحنا المحزنة!).

تَمَنٍّ...

ليت عبلّين لا تحتاج لاحقًا إلى جاهات صلح!

ليت عبلّين تكون حالة دائمة من الصلح والصلاح! ليت أخواتها يَكُنَّ كذلك!

مِسْك الاقتباس

       رغم ما جرى، رغم ما يجري وما قد يجري، رغم ما اعترانا ويعترينا من قلق وخوف وحزن... رغم كلّ شيء، أجدني أمِيلُ إلى الاقتباس من شِعر التركيّ الكبير الجميل المجمِّل المنير، ناظم حكمت، الذي لا يعرف الـخُبوُّ إلى شِعره سبيلاً:

"الحياة جميلة، يا صاحبي"!

ولأنّها كذلك، لأنّها يُفترَض أن تكون جميلة، ينبغي أن نُحْيي الجَمال، وأن نجمّل الحياة ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً.

hanna-j@hotmail.com

hajhanna@gmail.com

عـبـلّـيـن- الـجـلـيـل

                 23/11/2007