الحذر من كتابة نقد عن التلفزيون! (قبلات حنا مينة السبع)

عماد ندّاف قرأها 5
  

الحذر من كتابة نقد عن التلفزيون! (قبلات حنا مينة السبع)

عماد نداف

أخفقتُ أكثر من مرة في الكتابة عن التلفزيون، فليس من السهل التعامل مع مادة مرئية تشاهد لمرة واحدة، ولكي يكون الكاتب موضوعياً يفترض فيه أن يسجل المادة التلفزيونية على فيديو أو (دي في دي) ويراجعها أكثر من مرة لينصف طاقم العمل الذي اشتغل عليها، وتسري هذه القاعدة على الدراما والبرامج.

 وبغض النظر عن ذلك، فإن الكتابة النقدية عن التلفزيون لها أثمان كبيرة، فإذا كان النقد سلبياً وتوقف عند نقاط الضعف في المادة التلفزيونية فإن صاحب هذا النقد سيتعرض لسخط أصحاب العلاقة، وإذا كان النقد إيجابياً (بمعنى أنه يحمل إعجاباً) فإن التهمة بانتظار الناقد جاهزة: أنت تتملق!.

 ولايمكن أن يصدق القراء ما الذي جرى معي، نتيجة كتابتي الدائمة عن التلفزيون والإذاعة، وهما المكانان الهامان جداً في حياتي، اللذان عملت فيهما أكثر من ربع قرن.

 وسأحاول أن لا أذكر الأسماء إلا عندما يكون ذلك ضرورياً. فقد كتبتُ سلسلة مقالات عن الإذاعة والتلفزيون في صحيفة (تشرين) قرأها الآخرون باهتمام ولاقت رواجاً في الوسط التلفزيوني. تحدثت فيها عن نقاط إيجابية ونقاط سلبية طالت الجميع، بدءاً من المدير العام (كان وقتئذ الزميل ماجد حليمة)، ووصولاً إلى المذيعات والبرامج والمعدين. وأنا أدعي الآن وأقول إنني كنت أحاول أن أكون موضوعياً(!!)، فما الذي حصل؟!

توقف برنامج مكان هو الذاكرة، وكان برنامجاً مهماً أعددت حلقة منه للجامعة العربية وكنت قد صُغْت فكرته الأساسية مع الدكتور يحيى العريضي قبل سنوات، وكان سبب الإيقاف كما قيل إن البرنامج استنفد أغراضه، ولكن بعد أسابيع ظهر برنامج مثله (لن أعطيه حكم قيمة).

أثيرت مسألة مشاركتي في إعداد برنامج (آخر المشوار) على نحو سلبي، وهذه نقطة لن أتحدث عنها الآن لأني آليت على نفسي أن لا أفعل ذلك.

نشرتُ زاوية نقدية من عشرين كلمة، انتقدت فيها مذيعة تلفظ الضاد دالاً، فأوقفت تلك المذيعة استكتابي لمدة تسعة أشهر في برنامج تشرف عليه، علماً أني كنت ولا أزال أساهم فيه جدياً.

صرف لي مبلغ 5000 ليرة سورية عن ثلاثة أفلام قمت بإعدادها وإخراجها، ومازال الأخذ والرد قائماً بشأنها حتى الآن.

تناولتني تصريحات لبعض الزملاء والزميلات (الذين أكنُّ لهم المحبة والاحترام)، وكان في تلك التصريحات كلمات عني تسيء إلى سمعتي، وهذه لا نعتب عليها، حتى وإن وردت في أثناء الاجتماع.

وعندما أثنيتُ على جرأة المدير العام بوقف عشرة برامج دفعة واحدة وإجراء تنقلات هامة في الأقسام، اتهمتُ بالطراوة معه، علماً أنه قام بعد ذلك بإرغامي على توقيع تصريح لم يوقع مثله المنسحبون من الأحزاب المحلولة زمن الوحدة.

أما في الصحف، فقد انصب فوقي شيء من السخط، وكأنه لم يعد مرغوباً بي في الصفحة التي أكتب فيها.. تغيرت المعاملة، علماً أن كل ما صُرف لي عن كتاباتي تلك لا يساوي تعويض حلقة من برنامج واحد.. فشعرت فوراً أن عليَّ وقف كتاباتي فيها.. نعم، فلماذا أكتب؟!

قبل نحو أسبوع، التقيتُ الكاتب الكبير حنا مينه.. لم أكن قد صافحته من قبل، لكني كنت قد قلت عنه إنه يكرر نفسه في رواياته، فسألني:

-       أنت عماد نداف؟

فأجبته باحترام وتهيب:

-       نعم!

فقد يكون ساخطاً مني، أو قد يكون مستاء من آراء قلتها.

كنت متردداً في الإجابة، لكنه احتضنني وقبّلني سبع قبلات على وجهي، وقال لي:

-       أنا أقرأ لك باستمرار.. كتابتك جريئة ومحترمة!

لقد أعطاني الكاتب الكبير حنا مينه تعويضات كل تلك البرامج التي أوقفوها.. إنهم لا يعرفون أن الكتابة هي حضارة الكاتب، وأنا أعتز بحضارتي وحضارة بلدي.. وفي مقالة قادمة، ربما يكون ثمن كتابتي: إحالتي على التقاعد المبكر.

أنا أمزح، فلا أحد يستطيع إحالة كاتب على التقاعد عن الكتابة!

النور