محاضرة!!
"مـحاضَـرة"!
حـنّـا نـور الحـاجّ
[منذ ما يربو على العام، عبْرَ رسالة إلكترونيّة، بعثتْ إليَّ إحدى الزميلاتِ المادّةَ التاليةَ مكتوبةً باللغة العبريّة (وأظنّها كانت -في الأصل- باللغة الإنجليزيّة). وقبل بضعة أشهر، ترجمتُها إلى لغة الضاد، وقمت بقراءتها أمام طلبة شريحة الصفوف الثانية عشرة، في مدرستنا، "مدرسة مار إلياس الثانويّة"، في بلدتي الجليليّة "عبلـّين"، وذلك ضمن كلمة صباحيّة مطوَّلة. نظرًا لما أراه فيها من أهمّـيّة وفائدة -كما يُخيَّل إليّ-، ونظرًا للاهتمام الإصغائيّ الذي لاحظتـه لدى أحبّتنا الطلبة، ها أنا أنقلها إلى قرّاء موقع الجمال "جماليا"، آمِلاً أن تحظى ببعض استحسانهم، وأن ينقلوها إلى مَن يشاؤون إفادتهم أو ترشيدهم، وَ "آمِلاً" كذلك ألاّ تكون المادّة قد وصلت إليهم قبل وصولها إليّ!
ختامًا، فلأذكّرْ كلَّ الأعزّاء، ثانية، أنّ المادّة ليست من كتابتي. كلُّ ما لي من "فـضـل" هنا لا يتجاوز اختيارَ المادّة وترجمتَها وتجهيزَها للنشر.]
*&*&*&*&*
دخل المُحاضِر المُسِنّ إلى القاعة. في انتظاره كان هنالك خمسةَ عشرَ من كبار المديرين لأضخم الشركات في الولايات المتّحدة الأمريكيّة.
هو محاضرٌ في "معهد الإدارة الجماهيريّة" في فرنسا. ذاك معهدٌ من أرفعِ المؤسّسات الأكاديميّة في أوروبا قاطبةً.
كان موضوع المحاضرة: تنجيع تنظيم الوقت. خُصّصت له ساعةٌ واحدة فقط ليحاضر في الموضوع.
كان الخمسةَ عشرَ مديرًا في انتظاره، على أُهبة الاستعداد لتدوين كلِّ كلمة ينطِقُ بها هذا الرجلُ المُسنُّ المجرّب، الخبيرُ في شؤون الإدارة.
دخل إلى القاعة. أجالَ نظرَه بينهم ببطء، وبعدئذٍ قال: في الدقائق الآتية، سنُجري تجربة.
من تحت الطاولة أخرج صُندوقًا زجاجيًّا كبيرَ الحجم، ووضعه أمامه بكلّ رقّة.
بعد ذاك، أخرج من تحت الطاولة دُزّينةً من الأحجار، كلٌّ منها بحجم طابة تنس، وباتّئادٍ وضع كلاًّ منها، واحدًا واحدًا، داخل الصندوق الزجاجيّ. حين امتلأ الصندوق كلّيًّا بالأحجار، ولم تعد ثمّةَ إمكانيّةٌ لوضع أيّ حجر إضافيّ، حينذاك نظر المحاضر إلى تلامذته نِظرةً متثاقلة، وسألهم: هل امتلأ الصندوق؟ أجابوا جميعًا: أجل.
ثانيةً انثنى، وأخرج من تحت الطاولة وعاءً مليئًا بالحصى. بدقّة وحرْص، وضع الحصى فوق الحجارة ونفضَ الصندوقَ قليلاً. تسرّبتْ قِطعُ الحصى بين الأحجار الكبيرة، إلى أن بلغتْ أسفلَ الصندوق. مرّة ثانية، رفع المحاضِرُ الشيخُ بصرَه إلى الحاضرين وسأل: "هل امتلأ الصندوق"؟ فأجاب أحدهم: "على ما يبدو، كلاّ".
أجاب المحاضِر: "أصبتَ". عاد فانحنى، وفي هذه المرّة أخرج وعاءً مليئًا بالرمل. بانتباهٍ بالغٍ أفرغَ الوعاءَ، جاعلاً الرملَ في داخل الصندوق. ملأ الرملُ الفراغاتِ التي بين الحجارة الكبيرة، وتلك التي بين قطع الحصى. عاد المحاضرُ الشيخُ فسأل الحاضرين: "هل امتلأ الصندوق"؟
عندها، بدون أدنى تردّد أجاب التلاميذ الموهوبون كما الجوقة: "كلاّ"!
قال المحاضر: "صواب"! وكما توقّع تلاميذُه النبهاءُ العِظامُ، تناول الإبريقَ الضخمَ الموضوعَ على الطاولة، وسكب ما فيه من ماءٍ إلى داخل الصندوق حتّى بلغَ حافَـتَـهُ.
رفع المحاضر الشيخ بصره نحو الجمهور، وسأل: "ما هي الحقيقة العظيمة التي يمكننا تعلُّمُها من هذه التجربة"؟
أحد المديرين الحاذقين الجريئين أجاب -وهو يفكّر في موضوع المحاضرة-: "نتعلّم من هذه التجربة أنّه كلّما بدا لنا الوقتُ طافحًا بالالتزامات، فإنّه في مستطاعنا -إن بذلنا ما يكفي من الجهد- في مستطاعنا أن نضيف إلى ذلك المزيدَ من اللقاءات، والمزيدَ من الـمَهمّات".
"كلاّ"! أجاب المحاضر الشيخ. "ليس هذا هو المقصود. الحقيقة العظيمة التي تثْبتها لنا هذه التجربةُ هي على النحو التالي: إن لم نُدخِلْ إلى الصُّندوق الحجارةَ الكبيرةَ أوّلاً، فلن نستطيعَ بَعدها أبدًا أن نُدخلَ إليه كلَّ ما تبقّى"...
في تلك اللحظة، ساد الصمتُ المطبقُ أنحاءَ القاعة؛ إذ كان كلٌّ من الخمسةَ عشرَ مديرًا يحاول إدراكَ كاملِ المعنى الذي رمى كلامُ المحاضر إليه.
حدّقَ المحاضِرُ في سامعيه وقال: "ما هي الحجارة الكبيرة في حياتكم؟ صحّتُكم؟ العائلة؟ أصدقاؤكم؟ تحقيقُ أمنياتكم؟ عمَلُ ما تحبّونه حقًّا؟ الكفاحُ في سبيل هدفٍ سامٍ؟ أخْذُ أقساطٍ من النقاهة؟ أم هنالك شيءٌ آخر؟
"ما ينبغي تذكُّرُهُ هو أنّ الأكثرَ أهمّيةً هو أن نُدخِلَ أوّلاً كلَّ الحجارةِ الكبيرةِ في حياتنا، وإلاّ فمن المتوقّع أن نخسرَ حياتَنا. إنْ أعطينا الأمورَ الصغيرة (الحصى، الرمل) أفضليّةً، فستمتلئُ حياتُنا بصغائر الأشياء، وعندئذ، لن يتبقّى لنا شيءٌ من الوقت الثمين في سبيل بلوغ الأمور المهمّة حقًّا في الحياة. لذا، لا تنسَوْا أبدًا أن تطرحوا على أنفسِكم السؤالَ التاليَ: ما هي الحجارةُ الكبيرةُ في حياتي؟ وحين تعثرون عليها، أو حين تحدّدونها، أَدخِلوها هي أوّلاً إلى الصندوق (حياتكم)".
لوّح المُحاضرُ الشيخُ لسامعيه الحاضرين بيده بحركة ودّيّة، حيّاهم، وخرج من القاعة بخطوات وئيدة.
30/3/2008