مـراكبــي

خيري حمدان قرأها 5
 

مـراكـبي

خيري حمدان

المجتمعات المهزومة

-1-

ذات صباح،

فتحت عينيّ وكان القذى قد ملأ أطراف الحدقتين.

شعرت برغبة في البكاء،

أردت ان أطّهر آثار الخنوع الذي طال في مقامي.

لم يقدر الدمع القليل الذي انحدر على وجنتيّ إعادتي لعالمي

الذي كنت أتوق إليه.

وبعد ساعات .. كنت في طريقي الى المرفأ،

وكان الله يحدّثني .. يهمس في أذني.

كانت الطيور تغرّد وهي تحلّق فوق رأسي

وفي الأفق لاحت بضع غيوم تلبّدت على استحياء.

ذات صباح،

فتحت عينيّ وكان القذى قد ملأ أطراف الحدقتين.

نظرت الى المياه الهادرة في قلب البحر المائج.

كانت هناك دعوة ملقاة عند أطراف قدميّ الحافيتين

لم تقدر الأمواج المندفعة مسحها

وكانت الدلافين وقّعتها ولثمتها وعطّرتها بحبر الماء

المالح.

كنت قد قضيت بضعة أشهر في تلك البلاد،

عبثاً حاولت البقاء حيّاً في مجتمع غلبه النعاس.

بقيتُ ساعات طويلة أحدّق بالمراكب الصغيرة المترنّحة

لوّح لي البحّارة بسواعدهم القويّة التي لوّحتها أشعة الشمس

الحارقة.

كانت بعض النساء تنتظر على أحرّ من الجمر عودة أحبّتهم.

كان البحر كريماً ذلك الصباح

لم يقضم من رجالات البحر أحداً

كان البحر كريماً ذلك الصباح.

-2-

بدأت بمسح آثار الزمن عن مركبي،

كان الصدأ قد هاجم سطحه الخارجي

وبدا قديماً متعباً مهجوراً .. مركبي

بدأت بغسله بالماء وما تيسّر من مساحيق

وصابون.

تجمّع من حولي بعض المعارف

ولم تمضِ لحظات حتّى غاصت أيديهم في العمل المضني.

وأخذ الجميع يعملون على إستعادة النظارة التي كان يتمتّع بها مركبي

يوماً.

أشاروا الى عمق البحر فهززت رأسي موافقاً.

شعرت برغبتهم الشديدة بمرافقتي ولكن،

أنا ابن الضياع والتيه .. لا أدري وجهة أشرعتي

ولا أدري إذا كنت أنوي مخالفة الرياح.

أثق بالرياح والعواصف التي تهبّ دون إنذار

أترك لها القيادة وتحديد المصير.

من يقدر على احتمال المجهول فليصعد الى مركبي؟

صعد النجّار وكان يعلم مسبقاً بأنّي لا أملك شيئاً أقدّمه له.

صعدت راقصة كانت تحمل في الحانة الوحديدة الموجودة في الحيّ.

صَعِدَ الأعمى دون تردّد، وكان وقع عصاه يضرب سطح المركب باحثاً عن الطريق.

صَعِدَ قاتلٌ فرّ من سجنه قبل يومين.

وأخذ المركب يمتلئ بما هبّ ودبّ من البشر.

ولم أكن وقتها قادر على منعهم من مرافقتي.

ولو كانوا يعرفون حجم المغامرة لما بقي فوق مركبي سوى القليل.

في صباح اليوم التالي كانت عيناي مليئة بالقذى.

وكانت هذه إشارة لمغادرة المرفأ على عجل.

كانت عيناي مليئة بالقذى   

شعرت بالغصّة تملأ جوانحي.

عدت الى مركبي لتحضيره للسفر.

وكان ضيوفي قد قضوا ليلتهم فوق سطحه الخشن

حين رأوني بدأت العمل مجدّداً

هرعوا لمساعدتي .. بدأ النجّار برتق حفرٍ ظهرت في جوانب المركب.

وأخذت الراقصة بتنظيف سطح المركب بماء البحر.

لم يمضِ وقتُ طويل حتّى أخذ أصدقائي الجدد بالغناء

كانوا يتحرّقون شوقاً للمضي في أعماق البحر المجهولة

وكنت أخشى عليهم ظلمة الليالي الباردة

ومجون الأمواج التي لا ترحم مسافر

كنت أخشى عليهم رغبة البحر بالحصول على ضرائبه الباهضة

ما بال الأعمى لا يهدأ؟

إنّه يحسن تحضير الطعام

إنّه طبّاخ ماهر.

ولم تمضِ سوى ساعات حتى كان الطعام جاهزاً

رائحة الخبز الساخن تدغدغ المعدة

وانقض الجميع على القدور الشهيّة

الأعمى كان صاحب بصيرة نافذة

لقد أنقذنا الساعة من جحيم الجوع

أصابنا النعاس بعد أن تناولنا كلّ ما جادت به

يد الأعمى

وغبنا في سبات طويل

وعندما استيقظنا من النوم ثانية

كان القذى يملأ عينيّ

لقد كان هذا نذير شؤم يا قوم

لقد كان هذا نذير شؤم.

-3-

حضرت نورا إلي باكية

ركعت أمامي وقبّلت يدي

تريد الهرب من عالمي؟

نعم .. أريد الهرب من عالمك

ليس منك يا نورا أهرب

ليس منك.

ألم يكن عالمي عالمك ويومي غدك!

ذاكرة الزمن قصيرة

أخشى أن أصاب بالعمى

أخشى تداخل اللحظات الميّتة

وانحسار الموج عند أطراف أصابعي

أخشى أن ينسي المولى طيفي في لجّة الترف

سال الدمع على وجنتيها

أتعود إليّ قريباً؟

إصعدي الى مركبي يا نورا!

زرقة الموج في انتظارنا.

إنّها غانية، ساقطة، راقصة

أشارت الى ليلى فوق سطح المركب

لكنّ روحها حرّة كالموج المنكسر عند أصل قدميك

لا تصعدي المركب يا نورا قلبك اليوم أسود

مراكبي تلفظ  القيود

مراكبي أغنية

مراكبي تشتهي الورود

مراكبي أحجية.

أدارت نورا ظهرها لمركبي ومضت غاضبة

في تلك اللحظة سقط حجابٌ فوق وجهها

في تلك اللحظة بَدَتْ نورا وكأنّه أصابها العمى

هزّ الأعمى برأسه متحسّراً

كان قد أبصر مشاعرها الشبقة ولهفتها

نورا كانت تسعى لامتلاك روحي المتمرّدة

نورا تناست أجنحتها المجّنحة

كانت قادرة على السير فوق الماء

كانت قادرة على السباحة مع الدلافين

لكن الليل حلّ على حين غفلة.

-4-

بدأ الفضوليون يتجّمعون عند مركبي

وأخذ الباعة المتوجوّلون يقضون ساعاتٍ طويلة هناك

حتّى العشّاق أخذوا يحدّدون المواعيد عند أطراف مركبي.

وما زالت الراقصة تهزّ جسدها من شدّة الفرح

كانت روحها تتوق للمضيّ في أعماق البحار

وسرعان ما انضمّت الى مركبي غجريّة سمرلء تغري وجه القمر

قالت: سأقرأ كفّك طِوال حياتي يا ربّان

دَعني أستدعي ملائكة الرحمن يحرسون مركبك

يَحْمون روحك من عبث الزمان.

كنت حزيناً

توارت عن عينيّ نورا

وكان لها في قلبي مودّة

كان لها في قلبي مكان

جلست قِبالة الشاطئ على صخرة

وأخذت أضرب بالحصى عيون البحر المندلقة

عند أطراف الرمل الدافئ

كانت الطيور في الأعلى تحدّق تنتظر فريسة

كان النهار يمضي والحياة تصيح عند مركبي

واثنان جلسا ليس بعيداً عن صومعتي

كانت عيونهما تتحدّث

قالت الفتاة: بارك حبّنا

خذنا بعيداً عن هذا الزمان

خذنا بعيداً عن هذا الزمان!

صعد العاشقان الى مركبي

ومن بعيد لاح لي وجه صاحبي سليمان

لقد حسمت أمري، أنا صاعد الى المركب

أحضرت ما يكفي من الطعام والشراب ما يكفي

للسفر حول الدنيا

غداً سأفرغ حمولتي الى المركب.

لا مكان للتجارة على مركبي يا سليمان

أنا الآن لست تاجراً

أنا الآن مجرّد إنسان.

ازداد الحزن في قلبي

كنت أرغب الإبحار وحيداً

أطوف عالماً محته ذاكرة الزمان

أمواج البحر تطول حتى الغربة

والوحدة تحدّق بأعينها الواعدة

من يقدر احتمال كلّ هذه الحرقة؟

كلّ هذه الحرقة.