ترسيـم حدود
ترسيـم حـدود
الى أصدقاء ندرة يازجي وإيريس نهري
د. إياد قحوش
في رحلتي الأخيرة الى الوطن وبسبب الالتهابات الحادة التي أصابت مفاصل العلاقات بين أهلنا في لبنان وسوريا، عزمت على المضي الى الحدود مدججاً بخرائط تفصيلية للبلدين بحثاً عن النقاط التي تفصل سوريا عن لبنان.
ذهبت الى إحدى القرى الحدودية وبدأت التنقيب عن معالم الخطوط التي كانت على الخريطة، ظاناً أن لون التربة أو أنواع الشجر أو حتى منظر البيوت قد يساعدني لأفرق بين الأرض السورية والأرض اللبنانية. كنت أسير في الطرقات وحيداً، أتلفت ذات اليمين وذات اليسار، محاولاً التحديق في الأرصفة المتآكلة والشوارع المحفّرة، وفي الحجارة المرمية عشوائياً وعواميد الكهرباء والهاتف غير المتناسقة، وبالأطفال المعذبين، والحطام المتراكم على جانبي الطريق. ولم أجد مايدلني على أن الأرض هنا تكترث بالخطوط الحمر المرسومة على خريطتي الورقية التي أحملها بيدي.
أين اذن هي الحدود ياترى؟
وبينما أنا أسأل نفسي هذا السؤال وإذا برجل عجوز يسألني: هل من خدمة أقدمها لك يا "أبو الشباب"؟ خفت للوهلة الأولى ووددت لو أسأله ان كان لبنانياً أم سورياً قبل أن أطرح عليه أسئلتي للشعور بالاطمئنان، ولكني عدلت عن الفكرة لأنني صراحة لا أشعر بالاطمئنان حتى ولو كان سوريا. ومع ذلك جاذفت بالسؤال: "أنا أبحث عن الحدود، وعلى حسب هذه الخريطة فان تلة سمعان هي أرض سورية والوادي المجاور لها مباشرة وللغرب أرض لبنانية. فهل لك أن تريني الحد الفاصل بالتحديد لوسمحت؟".
نظر الرجل في عيني وقال: "لا يهمني ان كنت أنت سورياً أولبنانياً لأن الجواب واحد". قلت: "تفضل"، فقال: "انظر الى فوق".. وأشار الى السماء وقال: "اذا قسمنا الأرض فهل يمكننا تقسيم الغيوم؟". ثم أشار الى كرم عنب وتين وقال:
"هذا ملك لابن عمتي وهو سوري الجنسية، وعلى يمينه بستان مشمش وكرز وهو ملكي وأنا لبناني الجنسية". ثم أردف: "تتداخل الأراضي والأرزاق هنا بشكل يصعب فصلها وتحديد هويتها، ومَن قال لك أننا نريد أن نتقاسم الأراضي ولك عمي؟؟..
واذا تقاسمنا الأراضي فكيف نتقاسم الكرامة والشرف والتاريخ؟؟ هناك على الهضبة تلك سقط لنا شهداء ضد الأتراك. فهل نتقاسمهم ونقول نصفهم سوري ونصفهم لبناني؟!..
وماذا عن شجر السنديان وجذوره التي تمتد لمسافات بعيدة.. كيف سنقسمه؟؟ وكيف نتقاسم هذا النبع الذي يروي أرضي أنا اللبناني وأرض أقربائي السوريين؟ وهل سنتقاسم اللهجة والطعام والعادات والدبكة والمواويل؟!.. كيف نفصل اللحم عن الدم دون أن نقتل الانسان؟!".
وكانت قد بدأت بعض زخّات من المطر تنهمر فوقنا حين قال لي: "هذا المطر يروي أرضي وأرض ابن عمتي وعندما نتمكن من تقاسم المطر سنتقاسم الأراضي".
ثم شدّني الى تحت بلكون صغير وقال لي:
"اسمع ياابني هذه القصة:
"اشتكت امرأة على زوجها مدعية أنه ركلها من على السرير أثناء النوم فسقطت مغمياً عليها وكسرت يدها. وعندما استجوب القاضي الرجل عن صحة ما روته زوجته أجاب: سيدي القاضي، زوجتي المصون على علاقة عاطفية برجل غيري، وأنا لا أحب هذا الرجل بتاتاً. لكنها لا تنفك تفكر فيه كل ليلة عندما نذهب الى السرير حالمة به معها.. وأنا لا أنفك أفكر به متمنياً له أن يختفي من قلب زوجتي وذهنها. سيدي القاضي: نحن ننام في سرير صغير مصنوع لشخصين فقط، ولكن شخصاً ثالثاً يشاركنا الفراش ولهذا فعندما أخذ هذا الشخص حيزاً كبيراً من السرير، سقطت زوجتي عنه وكسرت يدها. أما أنا فصدقني كل ما فعلته كان أن تمسكت جيداً بالفراش لكي لا أسقط".
هنا انتهت قصة الرجل العجوز ولكنه لم يرد أن يتركني أذهب من دون تناول طعام الغداء معه، فلبيت العزيمة وأكلنا وشربنا كأس الوطن معاً.
وعندما ودعته عند الباب قال لي: رجال السياسة يقسمون الأرض ورجال الدين يقسمون السماء. ولكن مانريد أن نتقاسمه هو تحديد الواجبات والعمل لننهض ونسير الى الأمام معاً".
ثم همس:
"بيقول المتل: إيد وحدِه ما بتْزقّف. دارِتْلـَك ياعمو؟!".