غموض أَم استغلاق؟! تحليق أَم تـهويم؟!

حنا نور الحاج قرأها 10
  

غموض أَم استغلاق؟! تحليق أَم تـهويم؟!

حنـّا نـور الحاجّ

في مسرحيّة زياد الرحبانـي "بالنسبة لبكره شو؟"، تبرز إحدى الشخصيّات منطويةً على كثير من الظرف والطرافة والنقد الفنـّيّ، هي شخصيّة شاعر ينظم شعرًا أقرب إلى حالات التهويم والتشاعُر والبحث المتعمّد عن كلّ غريب مفاجئ، حتّى تخوم السرياليّة الفجّة، على غرار:

متعاقبٌ أنا في أصل الصوره

       عاهدتُ اللوز والأشياء الأُخَر

       بأنـّي غدًا

       على قرميدكِ المهزله

       سأمتطي...

       أين أمتطي؟

       ساورتـني شكوك الصوف

       وكان هيلاسيلاسي جاثـمًا عند باب المستودع

       متعاقبٌ أنا فيكِ، يا أَيْنَكِ

       يا أينكِ يا بهيّه

       خبّريني،

       هل ضاجعكِ الهاتف وسط الرياح المنافقة؟

       عفوًا، اخلعني عنّي يا فجر المسامير

       وأبرِق لهم وقُلْ لهم:

       حذارِ شكوك الصوف!

وفي سياق آخر يقول مُلْقيًا:

يا راكبًا زمن الليمونْ

       حَوِّلْ

       وكلّما نـهَشَك القرن العشرونْ

       بدِّلْ

وتنصَّتْ إلى هدير الموج في رحاب المتوسّطِ

       عجِّلْ

       إنـّي أبعث عَبْر اللاسلكي

       بعضًا إليَّ وبعضًا لإِلْكِي

ومن أطرف المواقف في تلك المسرحيّة قولُ ذاك "الشاعر" لأحد عمّال المطعم ("نجيب")، حين يسأله الأخير عمّا يقصده بـِ "الصورة" التي يذكرها أكثر من مرّة بين كلماته المتشاعرة، قولُهُ إنّ ما يكتبه ليس موجَّهًا إلى أمثاله. حينذاك تثور ثائرة "نجيب" (الذي كثيرًا ما ألقى "الشاعر" على مسامعه في المطعم بعضًا من إنتاجاته)، ويتملـّكه الغضب، فيكاد يعتدي عليه جسديًّا، ويتفتّق الموقف الدراميّ عن دُرَر كوميديّة نقديّة فنّيّة، منها أنّ "رامز" -المغنّي بائع الخُضَر (ويقوم بهذا الدورِ الظريفُ الراحلُ جوزيف صقر)- ينبري مذكِّرًا الثائرَ الغاضب "نجيب" بأنّ فهم كلّ منهما لا يوازي فهْمَ "الشاعر" ذاك، وعندها يتفوّه "نجيب" بالعبارة الغاضبة العفويّة: "ما بدنا نفهم قدّو، بس بدنا نفهم عليه!".

              *   *   *   *   *

أعرف أنّ النفس البشريّة تنطوي على مقدار من الغموض قادر على التسلّل إلى التعبير الشعريّ.

أعرف أنّ في بعض الغموض (الغموض لا الإبـهام والاستغلاق) بهاءً لا يُنْكَر.

أعرف -وأمثالي ليسوا قلّة- أنّ التصوير والإيحاء والترميز أكثر توفّقًا، على مستوى التعبير، من التقرير والمباشَرة (على وجه العموم).

 أعرف -ولست الوحيد- أنّ الشعر الحقيقيّ كأيّ فنّ حقيقيّ: وليد حرّيـّة وتعبير عنها؛ وبالتالي فالشاعر من دعاة الحرّيـّة، ومن الباحثين عنها، ومـمّن يحاولون جعلها سلوكًا أو نـهجًا في حياتهم الفنّـيّة (على الأقلّ).   

أعرف -كالكثيرين- أنّ الشعر، في جوهره وفي جذوره، هو مسألة ذاتيّة، من حيث كونه تعبيرًا عن الذات الفرديّة (وعن الذات الجماعيّة حين تكون الذات الفرديّة تعبيرًا مصغَّرًا عن الذات الجماعيّة المفترَضة)، ومن حيث إنّه لا حقّ للجمهور أن ينصّب نفسه حاكمًا متحكّمًا بنوعيّة المضامين وبأساليب التعبير التي يختارها الشاعر.

أعرف، بَيْدَ أنّ مأخذي على بعض محبِّذي الغموض أو أنصاره أنّهم يصرّون على اعتباره المقياس الأوّل والأهمّ في تقييم النتاج الشعريّ (وآمل أن "يغفر" لي بعض عاشقي لسان الضاد قولي "تقييم" لا "تقويم"!). أظنّهم بذلك يشترطون ويستبدّون، فينتقلون بالشعر إلى ما ينأى عن مفاهيم الانطلاق والانعتاق. فالتحديد، في هذه الحالة، من أشكال التقييد؛ والتقييد اعتداء على حرّيـّة التفكير والتعبير الفنّيّ. وأظنّهم بـهذا لا يختلفون كثير اختلاف عن دعاة الوضوح والمباشَرة الذين يضيقـون ذرعًا بأيّ غموض من أيّ نوع كان، والذين لا يؤمنون أنّ القارئ قد يتفاعل مع الكلام الشعريّ، ويحسّ به، ويستحسنه، دون أن يـُحْسِن فهْمَ كلِّ دقائق هذا الكلام، ودون أن يستطيع تفسير إعجابه به (بعض أشعار محمود درويش وطلال حيدر، على سبيل المثال، ينطبق عليها ذلك).

مثْل هذا الاشتراط متعسّف إلى حدّ بعيد، إذ قد ينفي الشاعريّة عن أبي تـمّام، وعن أبي الطيّب، وعن السواد الأعظم من عيون الشعر العربيّ في العصور السالفة. اشتراط الغموض، في أبسط معانيه، مُفاده أن يحدِّد الشاعر لكلماته مسبقًا السيرَ في دروب كثيفة الضباب لا تُرى معالمها عن كثب، ولا عن بُعد، ولا باختراق. الوضوح ليس "وصفة" مؤكَّدة النجاح لاغتيال الشعر. صحيح أنّ المباشَرة قد تلقي بالشعر في مهاوي النثريّة، لكنّ الغموض البالغ حدود الاستغلاق يلقي به في كهوف الطلاسم، وقد ينفّر الجمهور من دُنـَى الشعر.

لستُ منحازًا إلى تيّار الغموض، ولا إلى تيّار الوضوح. انحيازي إلى الشعر الجميل. والجمال قد يكون في حالة الوضوح، وقد يكون كذلك في حالة الغموض، وقد يكون في المزاوجة بينهما. قد يكون في الشعر القديم، وقد يكون في الشعر الحديث. قد يكون في الشعر الفصيح، وقد يكون في الشعر العامّيّ. الجمال في هذه الحالة ينبثق من المقدرة التخيّليّة، ومن مقادير الأصالة، ومن صدق الإحساس ورهافته، ومن المقدرة التعبيريّة ومدى إدهاشها للمتلقّي.

                                         عـبلـّين - الـجـلـيـل

                                                (آب 2003 )

hajhanna@gmail.com

hanna-j@hotmail.com