عن ذاك الأكثر من حاجة ماسّة
عن ذاك الأكثر من حاجة ماسّة
حنّا نور الحاجّ
منذ أسبوعين، طَلب منّي مدير المدرسة*، الأستاذ عاصم،* أن أضع برنامجًا بالكلمات الصباحيّة لشهر شباط الحاليّ.
حين وضعتُ هذا البرنامج، تعمّدتُ أن تكون كلمتي أنا، بصورة خاصّةٍ، في الخامسَ عشرَ من شُباط. تعمّدتُ ذلك لأنّه في اليوم السابق لهذا اليوم يصادف عيدُ الحبّ (كلّ عام وأنتم مُحِبّون محبوبون!). وحين اقترب هذا اليوم، حين أتى يومُ السبت الماضي، راودني السؤال: كيف أتكلّم عن الحبّ، في زمن الحرب؟! ماذا أقول عن العواطف، في زمن العواصف؟!
لكنّ تساؤلاتي تلك وُوْجِهتْ بإجابات مُلحّة كانت لها الغلبةُ:
في "زمن اللا الحبّ"، يحلو الحديث عن الحبّ –وإنْ كان الأجمل من الحديث عن الحبّ هو الحبّ ذاته.
في "زمن اللا حبّ"، في زمن يغدو فيه أبناءُ الشعب الواحد خصومًا (أو قل: أعداءً)، في زمن كهذا قد نصدّق مَن يقول إنّه من غير المناسب التحدّث في مواضيع كهذه. لكن الصحيح، أو الأصحّ، أنّ الحديث عن الحبّ حاجة ماسّة في زمن الكراهية والجنون؛ أمّا الحبّ نفسه فهو حاجةٌ أمَسُّ من غيرها. الحبّ أكثر من حاجة ماسّة. الحبّ ماسَة.
الحبّ هو ذاك الذي يجعلنا كبارًا وأطفالاً في آنٍ معًا.
الحبّ هو ذاك الذي يجعل قلوبنا رهيفةً كوردة، رقيقةً كنسمة، خفّاقةً كجناحَيْ عصفورٍ يهرب من أقدارٍ قاسية. هو الذي يجعل قلوبنا طافحةً بالرحيق وبالحريق وبالقروح.
الحبّ هو تلك العلاقة التي يسعى إليها الرجل الشرقيّ، فيحلّلها لنفسه، ويحرّمها على النساء.
يُروى أنّ بعض الوُشاة النمّامين أبلغوا أحد الرجال أنّ ابنه الشابّ يعيش حالة حبّ (جريمة!!)؛ ففاجأهم بقوله: وماذا في ذلك؟! إنّه -إنْ أحبّ حقًّا- سيَـلْطُف ويَظْرُف ويَنْظُف.
الحبّ هو تلك العلاقة النبيلة الحميميّة التي تجعلنا نبلاءَ عظماءَ في علاقاتنا بالأشياء؛ بالبشر؛ بالكائنات. هو تلك العلاقةُ أوِ التعلّقُ الذي يتكوّن -في حالته الجنينيّة الأولى- بين فردين اثنين فحسب، وحين يتحرّر من هذه الحالة الانغلاقيّة، يغدو تعلّقًا بالناس، بالموجودات كافّةً. رحم الله الجميلَ الراحلَ "نجيب سرور" الذي كتب وهو في العشرينيّات من عمره القصير (1932-1978):
كانوا قالوا: "إنّ الحب يطيل العمْرْ"
حقًّا.. حقًّا.. إنّ الحبّ يطيل العمْرْ !!
حين نحسّ كأنّ العالم َ باقـةُ زهْرْ
حين نشفُّ كما لو كنّا من بـِلَّـوْرْ
حين نرقُّ كبسمة فجْرْ
حين نقول كلامًا مثلَ الشِّعْرْ
حين يرفُّ القلب كما عصفورْ..
يوشك يهجر قفصَ الصدْرْ..
كي ينطلقََ يعانقََ كلَّ الناس !
وبعد، ألم يقل الرحبانيّان الكبيران في نهاية "فيه قهوه عَالمفرق": "بتخلص الدِّنِي/ وما فيه غيرك يا وطني/ بتضلَّكْ طفل زْغَيَّر" ؟! ألم يقصدا بذلك أنّ حبّ الوطن هو الحبّ الأعظم والأدْوَم؟! ألم يقصدا أنّ الحبّ الذي يجمع بين الفتى والفتاة هو "بروفا" لحبّ قادم أكبر؟!
الحبّ الكبير هو تلك العاطفة العظيمة التي تعرف كيف تهذّب الشهوات والنـزوات. هو تلك النفحة التي تُشعِلنا وتُشعِرنا أنّ الحياة جميلة رغم كثرة المنغّصات. هو تلك الحالة التي نحسّ فيها أنّ في الحياة ما يستحقّ أن نتعلّق به. هو تلك الحالة التي نحسّ عَبْرها أنّنا أحياءٌ حقًّا.
تَحْضُرني طرفتان، أُولاهما كانت مدرستُنا مسرحًا لها. أتى وليُّ أمر أحد الطلبة إلى أحد زملائي المعلّمين، الزميل العزيز مركّز موضوع الرياضيّات الأستاذ نايف حمّود، وطلب هذا الأب -في ما طلب- أن يراعي الأستاذُ ابنَه في مسألة العلامات، مبرّرًا تراجُعَ ابنه التحصيليَّ بقوله إنّ ابنه يُحِبّ! فما كان من زميلنا الأستاذ نايف إلاّ أن قال لوليّ الأمر ما مُفاده: نـِيّال إبنك على هيك مشكلة! غيره من الطلاّب مشكلتهن عكسيّة؛ مش ملاقيين يحبّوا!!!
وثمّة طُرفة أخرى سمعتُها عَبْر المذياع حين كنتُ طالبًا في هذه المدرسة: عمِلَ أحدُ الشبّان بموجِب مبدأ أو نظريّة الإلحاح في الحبّ، فكان يبعث إلى الفتاة التي أحبّها رسالتين أسبوعيًّا طَوال عام كامل. وبالفعل، أثمرتْ تلك الطريقةُ، فتزوّجتْ تلك الفتاةُ من... ساعي البريد.
ختامًا، كلّ عام وأنتم مُحبّون محبوبون!
15/2/2005
* المقصودان هنا مدرسةُ مار إلياس الثانويّة الواقعة في بلدتي الجليليّة "عبـلـّين" (المدرسة التي تخرّجت فيها عام 1983، والتي أعمل فيها مدرِّسًا منذ عام 1988)، ومديرُها -منذ بضعة أعوام- معلّمي وزميلي الأستاذ عاصم نجيب خوري. والمادّة المنشورة هنا هي كلمة صباحيّة غير مرتجلة ألقيتُها، في 15/2/2005، على مسامع مجموعة كبيرة من طلبة مدرستنا كانوا آنذاك في السابعة عشرة من العمر. حذفتُ من النصّ الأصليّ بعضَ العبارات، وأضفتُ إليه ما افترضتُ أنّ إضافته قد تجعل الكلام جديرًا بالنشر هنا في موقع الجمال "جماليا". وفي ما يتعلّق بالارتجال، لست أخفي أنّي ممّن يتحفّظون أشَدَّ التحفّظ من معظم الكلمات الارتجاليّة، وذلك حرصًا على وقت المخاطَـب (وأعصابه وكرامته)، وحفظًا لماء وجه المخاطِـب، واعتقادًا منّي أنّ احتمال الإبداع في الارتجال التامّ يكاد يحاذي الصفر.
عـبـلّـيـن – الـجـلـيـل
hajhanna@gmail.com