المواطن قاف في الكازيّة

خطيب بدلة قرأها 69
  

المواطن قاف في الكازيّة

(ملخص: عاد المواطن (قاف) من الكازيه مبللاً بالمازوت، وبعد أن استحمَّ حكى لزوجته المواطنة (جيم)، بطريقته المشوقة السلسة، عن الازدحام الهائل الذي شهده في الكازيات كلها).

وأضاف: وأنا، لأني- كما تعلمين- إنسان ذكي، ومفتِّح في المازوت! فلم أنخرط في أقرب كازية صادفتها، بل لففت ودرت على أربع قراني البلد، حتى عثرت على كازية لا يوجد فيها سوى ثلاثمئة شخص، بضمنهم عمال الكازية، وسائقو الآليات، وأصحاب البيدونات أمثالي الذين يطوِّقون الكازية.

وفجأة، وبينما أنا أقترب ببيدونتي على بعد نحو عشرين شخصاً عن المأخذ الرئيسي للمازوت، إذ سمعت صوتاً علا على أصوات اللغط والصراخ والسباب المتداخلة، ورأيت أشياء قاسية وجارحة تطير في الهواء وتنزل فوق رؤوس البشر فتشجها وتفجها، ثم حصل، على إثر ذلك، اضطراب وتدافع وتدافش، وأنا، لأني إنسان حربوق، ومفتح في المازوت! فقد تشبثت ببيدونتي مثلما يتشبث مديرو الدوائر ورؤساء النقابات، السخيفون، ضعيفو الإمكانات الإدارية، بكراسيهم،.. وقد وقعنا أنا وهي، أعني البيدونة، على الأرض أكثر من ثلاث مرات، ومع ذلك حملتها ووقفت متماسكاً، ..

كانت (جيم) أثناء هذه الوصلة فاتحة فمها على مداه من فرط الدهشة، ولكنها تذكرت أمراً، وسرعان ما أعادت فمها إلى وضعه الطبيعي، وقالت لزوجها

-       لحظة، ورويدك، وطول بالك، وخذني بحنانك، فأنا أريد أن أنبهك إلى أمر هام. وهو أنك حينما دخلت إلى المنزل مبتلاً بالمازوت وتوابعه لم تكن البيدونة معك.

فضحك (قاف) ضحكة خليعة، وقال لها ما معناه إنها تتحول مع مرور الزمن إلى إنسانة (ضوِّيجة)، سريعة العطب، وسريعة خطف الكباية من رأس الماعون، وأن الأفضل لها، لو كانت منصفة، أن تنتظره حتى يكمل سرد السيرة، وبعدئذ لكل حادث حديث!

زفرت (جيم) وقالت:

-       حسناً، أكمل.

فقال:

-       وبمجرد ما وقعت الأمور التي حدثتك عنها هرع عمال الكازية إلى غرفتهم التي تتحول في أيام الأزمات إلى ما يشبه الملجأ الذي يقي الناس من المخاطر، وقطعوا الكهرباء عن المضخات فتحولت إلى كائنات تشبه الخوازيق، أو القواميع، ويبدو أنهم اتصلوا بقوات الأمن، فما نرى، بعد أقل من نصف ساعة، إلا ثلاث سيارات، نزل من إحداها عناصر الشرطة المدنية، ونزل من الأخرى موظفو سادكوب، أو ربما كانوا من موظفي التموين، ومن الثالثة نزل عناصر عرفنا للتو أنهم من الأمن. بعد شد ومط، وأخذ وعطاء، وإجراءات أقل ما يقال فيها إنها تحتوي على احترام شديد للمواطن، عادت الأمور إلى ما كانت عليه. بصراحة؟ ليس كما كانت عليه بالضبط.

قالت جيم:

-       كيف يعني؟

قال قاف:

-       المكاري والبولمانات والتركسات والكريدرات والتركتورات والفانات والصواني والقواطر والمقاطير التي كانت مشتبكة حول مآخذ المازوت على نحو شبه دائري أُخرجت من أماكنها وصُفَّتْ بعضها وراء بعض في ثلاثة صفوف، ونحن، جماعة (البيدونة الحزينة) أعيد اصطفافنا أمام مأخذ واحد لا تصل إليه الآليات، وكل هذه العملية تصوَّري، لم تستغرق أكثر من ساعتين! وبعد ذلك أخذت الأمور مجراها الطبيعي الآمن والأمور انتظمت.

قالت جيم بإلحاح:

-       عظيم! فأين بيدونتنا؟

قال قاف:

-       أنا لا أريد أن أبعث الملل في نفسك يا حبيبتي جمجومة، ولذلك سأقفز بك رأساً، وخبطاً لصقاً إلى حين وصلت أنا إلى المأخذ الرئيسي، فوقتئذ دخلتْ سيارة لا أدري من هو مالكها، فسارعت القوات المسؤولة عن تنظيم الأمور إلى فتح ثغرات في صفوف الآليات المتوقفة، فحصلت احتجاجات عُبِّر عنها بالزمامير والحناجر وبإجراء حركات تدوير سريعة في المكان. وأنا، لأني إنسان فهيم ومفتّح في المازوت، تجاهلت ما حدث، وشددت عامل التعبئة من يده وقلت له:

-       عبىء لي بيدونتي ودعني أتيسر.

وكان هذا أكبر خطأ ارتكبته، فإصبعه في تلك اللحظة ضغطت على زناد فرد التعبئة، فنشب المازوت علي بدءاً من وجهي وأنت نازلة إلى تحت. وبصراحة فإن ما نزل من مازوت على عينيَّ أعماهما، فما عدت أعرف أين صارت البيدونة!