إطلالات على أبيات من معلّقةِ طَرَفَةَ بْنِ العبد
قلَقٌ وتهافُتٌ وتَحَدٍّ
تكشف هذه الأبيات عن نفسيّةٍ قلقة، وشخصيّةٍ ثائرة متحدِّية، وعلاقةٍ مع نظام القبيلة مضطربةٍ تكاد تكون صداميّة، وتهافُتٍ على الحياة ومُمتِعاتـها؛ وتنعكس فيها جملةُ صراعات متداخلة ومتلامسة: صراع بين حقيقة الموت وفلسفة اللذّة؛ صراع بين الفرد والمجموعة؛ صراع بين الذات والغير؛ صراع بين طرفة والقبيلة.
أكثريّة الأبيات هذه خواطرُ في الموت والحياة، فيها يبدو طرفة مشغولاً بالهاجس الأكبر والأقدم: المصير. وكذلك يبدو هو ذاته امرأً حادًّا ومتحدّيًا:
تكمن حِدّته في حساسيته المتمثّلة في رفضه تدخُّلَ أبناء القبيلة في أسلوب حياته الذي اختطّه هو لِذاته، ويظهر تَحَدّيه في عدم اكتراثه برأي أبناء القبيلة فيه، وفي عدم رضوخه لإملاءاتها. فالقبيلة تريد أبناءها راضخين مُنصاعين لها، منصهرين في المجموع. تريدهم دون خصوصيّة؛ أي دون شخصيّة فرديّة. بهذا النهج، الذي فيه ينصهر الفرد ضمن الجماعة، والذي تنعدم فيه الخصوصيّة الفرديّة، تواجه القبيلةُ خطرَ الموت. أمّا طرفة، المتمسّك إلى أبعد الحدود بشخصيّته الفرديّة، فيواجِهُ الموتَ وحيدًا، بطريقته الخاصّة. وطريقتُه الخاصّةُ قِوامُها اقتناصُ مُتَع الحياة.
ومُتَعُ الحياة هو الذي يقرّرها ويحدّدها ويختارها؛ هو لا الآخرون. يختارها بصرف النظر عن رأي مجتمع القبيلة فيها، إذ لا يبالي بكون مُتَعِه رذائلَ أو فضائلَ -في عُرْف مجتمع القبيلة-. بهذه المتع يواجه طرفةُ مصيرَه؛ إذ يجد في تحقيق اللذّة انتصارًا على الموت -وإنْ كان انتصارًا مؤقّتًا.
وفي شخصيّة طرفة، كما ينعكس الأمر في جعله اللذّة مبدأً، تجتمع جوانب قد يراها غيرُهُ أو يدّعي أنّها متناقضة أو متضاربة ليس في مستطاعها التعايش في نفس إنسانيّة واحدة. فهنالك ما هو جسديّ حسّيّ في عناصر هذه اللذّة، وهنالك ما هو معنويّ روحيّ. في شرب الخمر وفي معاشرة النساء يجد متعة للجسد وللروح، وفي إغاثة الملهوف يجد متعة للروح. الجمع بين هذين الطرفين -متعة الجسد ومتعة الروح- فيه ما يشير إلى أنّ نـزوات طرفة لم تُلغِ مروءته، وأنّه "لم تطغَ نـزعتُهُ المادّيّةُ على قِيَمِهِ الروحيّة طغيانًا يطمسها".
تعلُّقٌ بالحياة
في قول الشاعر:
"ولـولا ثلاثٌ هـنَّ مِن لـذّة الفـتى وجَدِّكَ لم أحفلْ مـتى قامَ عُـوَّدي"
يُبدي تعلُّقًا شديدًا بالحياة؛ ومن هنا قلقه الشديد تجاه النهاية والمصير. وطرفة يتعلّق بالحياة لأنّ فيها ما هو مُمْتِع. الحياة في حدّ ذاتها لا يراها سوى عبث في عبث. ووَفْق رؤية طرفة، المُمْتِعات (الشرب/الخمرة؛ الحرب/النجدة؛ الحبّ/المرأة) هي التي تمنح الحياةَ بهاءَها وقيمتَها:
"فمـنهنَّ سَـبْقي العـاذلاتِ بشَرْبةٍ كُـمَيْتٍ مـتى ما تُـعْلَ بالماءِ تُزْبِدِ
وكَرّي، إذا نادى الـمُضافُ، محنَّـبًا كَـسِيدِ الغَـضا، نبَّهْـتَـهُ، المتورِّدِ
وتقصيرُ يومِ الدَّجْنِ، والدَّجْنُ معجِبٌ، بِـبَهْكَـنَةٍ تحتَ الخِباءِ الـمُعَـمَّدِ"
في الخمرة، الفوّارةِ المُرْغِيةِ حين امتزاجها بالماء، يجد طرفة نشوةً تُنسيه سطوةَ الموت، وذلك أنّ لها تأثيرًا يجعل مُحتسِيَها يحسّ -أو يتوهّم- أنّه يتحدّى الفناء، إذ تمنحه إحساسًا بالبطولة؛ وفي احتسائها يمارس الجودَ تجاه ذاته وتجاه نَداماه (وذلك أنّ الخمور -بعامّة- ليست زهيدةَ الأسعار)، وهو ما يبعث فيه إحساسًا بالسيادة وبالتفوّق. ويجدر بالتذكير أنّ احتساء الخمر يجري، في المعتاد، في "طقس" جماعيّ يستغرق ساعات طويلة قد تتوزّع أحيانًا على يومين متتابعين، وينطوي على مقادير وفيرة من الأنْس والبهجة. مَصادرُ هذه المقادير يمكن أن تُعزى إلى خمسة عوامل أو بواعث؛ وهي:
* الأثرُ الذي تخلّفه الخمرةُ في النفوس (وهو إحساس بالخفّة والتحلّل أو التحرّر من منغِّصات الحياة ومسؤوليّاتها الثقيلة)؛
* وجودُ الندماء الذين يشاركون الشاعر الشرب والأكل والحديث؛
* حضورُ الساقيات الآسِرُ (وهنّ، في المعتاد، يتّصفن بالحُسن والظرف وخفّة الظلّ -وذاك من مقتضيات عملهنّ ذاته أو مستوجِباته)؛
* غناءُ القِيان وما يتأتّى من هذا من طرب وارتعاش في الروح؛
* أناقةُ المكان - وذلك أنّ مجالس الشراب، لا سيّما الحانات، تتّسم بذوق رفيع في التأثـيث والتزيين.
كلّ هذه العناصر أو بواعث الابتهاج، مجتمعةً، تجعل ارتيادَ مجالس الشرب فعْلاً أو سلوكًا ضروريًّا لمن يبحث عمّا يجمّل الحياة ويدفع بالموت إلى زوايا النسيان المؤقَّت.
وممّا يجدر بالالتفات إليه تلك الرهافة وذاك الرفض اللذين يَشي بهما قولُ الشاعر "سبقي العاذلات". فهو في سباق مع الموت، وفي سباق مندفع نحو مجالس الشرب؛ وهو كذلك يضيق ذرعًا باللوم، فنفسه المرهَفة لا تحتمل تقريعًا ولا تطيق عذلاً. ولذا، لا يرجئ أوانَ احتساء الخمر، بل يَشرع في ذلك مبكّرًا، قبل استيقاظ العاذلات.
وفي الفروسيّة، يواجه طرفةُ الموتَ شاهرًا سيفَه في وجهه، يسعى إلى المغامرة والمخاطرة، إلى النجاة والإنـجاد. هذا التعرّض للمَخاطر المُهلِكة، والإفلاحُ في إنقاذ ذاته، يولّدان في ذاته إحساسًا بالبطولة. في القتال، يقدّم الإغاثةَ ويغامر، وهو ما يجعله يشعر بأهمّيّة فائقة، بالتفوّق وبمكانة رفيعة، وذلك أنّ في إغاثة الملهوف وإبعاد خطر الموت عنه إنجازًا بطوليًّا يجعله يحسّ بالعظَمة والأهمّيّة. بل إنّ مجرّد الاستغاثة بطرفة هو اعترافٌ ببسالته، اعترافٌ يدفعه إلى القيام بما يترجم هذا إلى فعل بطوليّ، مثْبتًا بذلك أنّ الثقة به التي يحملها المستغيث هي ثقة لها ما يبرّرها ويؤكّدها. هكذا يحقّق طرفة ذاته بإظهار البطولة القتاليّة الفرديّة. الفروسيّة، إذًا، مضمار لتحقيق الذات؛ وتحقيقُ الذات صمودٌ أمام الفَناء، أو هو حياة أخرى تُضاعِف العمرَ -إذا اعتُبر الصيت الحسن والذِّكْر الطيّب حياةً أخرى.
وفي هذا الصدد، يجدر بالتذكير أنّ "الحرب مادّة الشِّعر وينبوع الشعراء، يستمدّون منها أفكارهم ومشاعرهم من الاستغاثة والنصرة والحثّ على القتال وحماية الذِّمام والنَّوْح على القتلى، والفخر بما يحرزونه من انتصارات".
وفي الحبّ، يجد حياة أخرى؛ فالمرأة تمثّل -في الشعر الجاهليّ وفي سواه- وجهًا من وجوه الحياة مشرقًا مهمًّا. بوجوده بصحبة المرأة المكتنـزة المتنعّمة، العامرة بالجمال، الفيّاضة بالحياة والأنْس والمتعة، يقطف لذّة أخرى من أطايب العيش تُنسيه لوعة العدم. ولا بأس من الإشارة إلى أنّ الحبّ الذي يلتمسه طرفة ويقصده هو حبّ جسديّ منبعه الرغبة الجنسيّة.
تلك الأمور الثلاثة -الشرب والحرب والحبّ (أو كما عبّر عنها بعضهم: "أن يعبّ، وأن يهبّ، وأن يحبّ")- يعتبرها طرفة عمادَ اللذّة الإنسانيّة. يسعى إليها متعمّدًا، غير عابئ بلوم أو بنصح أو بإرشاد.
خواطر وحِكَم
الأبيات، بعامّةٍ، يمكن إدراجها ضمن ما يُعرَف بالخواطر. "والخواطر من الخاطر، وهو الوجدان الداخليّ الذي تتجمّع فيه المشاعر والأحاسيس بصورة غير محدَّدة أو مرتَّبة. والخواطر، في الشعر، مشاعرُ مَصوغةٌ بلغة تمزج بين العقل والعاطفة على أنّ للعاطفة النصيب الأكبر".
ثمّة فكرة أو حكمةٌ جليّةٌ تنتظم حولها الأبياتُ التي يتناول فيها طرفة الموتَ والحياة والعمر، ملخَّصُها:
* أنّ الموت نهاية حتميّة متوقَّعة في كلّ لحظة؛
* أنّ الحياة لا يَعْقبها سوى الفناء، وهي عبثيّةٌ إلاّ إنْ ملأها الإنسان بما يُبهِج وبـما يُجْدي؛
* أنّ العمر قصيرٌ مهما تطاول.
والشاعر يُجْمِلُ كلَّ ما قاله في أبيات، حول الموت، يُجْمِله في بيت واحد:
"لَـعَمْرُكَ مـا الأيّـامُ إلاّ مُعـارةٌ فمـا اسْطَعْتَ من معروفـها فتـزوَّدِ"
حيث يؤكّد، متوسّلاً لذلك أسلوبَيِ القسم والقَصْر، أنّ العمر محدود مردود، ومن ثَمَّ ينصح لائميه -أو ربّما يتوجّه إلى ذاته- بالاغتراف من طيّبات الحياة قدر المستطاع.
هذه الفكرة /الحكمة المتكرّرة تشير وتكشف -بتكرُّرها- أكثر من أمر واحد:
* تكشف عن طول أو دوام تفكير طرفة في شؤون الحياة والممات؛
* تكشف عن إلحاح هذه الفكرة شديدًا على ذهن طرفة في لحظات النظْم؛
* تكشف عن إحساسه بأنّ بيتًا شعريًّا واحدًا لا يَفِي ولا يكفي للغرض التعبيريّ؛ ولذا خصّص له مجموعة من الأبيات.
وقد يشير هذا التكرار إلى أنّ الفكرة قد استهوت الشاعر، فراح يعبّر عنها عدّة مرّات بتعابير مختلفة، كما يفعل المرء حين تستهويه فكرةٌ ما، أو موضوعٌ ما، أو نغمةٌ ما.
إضافة إلى كلّ هذا، يجدر بالتذكُّر أنّ هذه الحِكم /الحكمة قد صاغها الشاعر في سياق دفاعيّ، من خلاله يواجه مَن يزجرونه بالرفض المعلَّل. وكانت بدايةُ المواجهة الرافضة عَبْرَ استفهام بلاغيّ إنكاريّ ("هل أنت مُخْلِدي؟!") أَوردَهُ طرفة مذكِّرًا زاجريه باستحالة الخلود. بعد ذاك، ساق الشاعر خواطره تلك في الموت، مصوّرًا حتميّته وقسوته ودنوَّه الدائم من المرء. ما نرمي إليه بهذا أنّ سَوْق طرفة لخواطره المتأمّلة في الموت والحياة كانت له وظيفة دفاعيّة، أو أنّ استخدام الحِكَم هذه هو وسيلة دفاعيّة يحاول الشاعر بها أن يبرّر سلوكه الذي لا يتقبّله أبناءُ القبيلة.
وثمّة حكمة أخرى، صاغها طرفة صياغةً تتضمّن إنشاءً طلبيًّا (نهيًا) يتبعه نظيرٌ له (أمر) يتلوه إِخبارٌ، وذلك في قوله:
عنِ المرءِ لا تسألْ وأَبْصِرْ قـرينَـهُ فـإنّ القرينَ بـالـمُقارَن يـقتـدي
حيث يرى أنّ معرفة الإنسان على حقيقته لا تستدعي ضرورةَ الاستفسار عنه هو ذاته، إذ إنّ معاينة صاحبه تَفي بالغرض، فصديق المرء مرآته. ويسوق الشاعرُ الدليلَ على ذلك في جملة خبريّة، في عجز البيت، تحمل افتراضًا أو اعتقادًا مُفاده أنّ المرء -بطبيعة الحال- يترسّم خُطى صاحبه.
وهنالك حكمة أخرى في هذه الأبيات، جَرَتْ بعضُ كلماتها -ولا زالت- مجرى الأمثال، تظهر في البيتين التاليين:
ستُبدي لـكَ الأيّامُ ما كنتَ جـاهلاً ويـأتيـكَ بـالأخبـار مَنْ لَمْ تزوِّدِ
ويأتيكَ بالأخبار مَن لم تَـبـِعْ لـهُ بـتاتًا ولم تضربْ لَهُ وقتَ مـوعدِ
هنا يقف طرفة موقف الحكيم الذي يتأمّل أحداث الحياة. بنغمة عقليّة هادئة تدنو من التفاؤل يذكّر بأنّ المستقبَل قد يميط اللثام للمرء عن كثير من الحقائق، يحملها إليه مَن لم يكلَّفوا بذلك. بكلمات أخرى، يبدو أنّ طرفة يرى الحياة معركة اكتشاف يُبدي فيها الزمنُ ما يجهله الإنسان، باعتبار أنّ "الأيّام هي التجربة، وتأتي الأخبار من غير مصادرها المتوقَّعة؛ لأنّ لحظة الكشف والتجلّي هي لحظة سرّيّة تنبثق دون موعد أو ترتيب". من هنا، يمكن اعتبار هذين البيتين صدًى لـِ "صوت الحَدْس الذي يرى طرفة في بعض اللحظات أنّه أعلى من صوت العقل والتحليل والترتيب. إنّ الأيّام أو مستقبل الإنسان مملوء بممْكنات ثرّة، ولكن طرفة لا يستطيع أن يعرف على وجه اليقين كيف تستطيع فكرة الأيّام أو الزمن (الجاهليّ) أن تذلّ لحدس الإنسان".
من زاوية أخرى، قد يصحّ اعتبار هذين البيتين كلامًا متذمّرًا متخوّفًا شاكيًا من تقلّبات الزمن ومفاجآته، وهو ما يتّفق مع تلك النفسيّة القلِقة المشكِّكة التي تتكشّف عنها تلك الأبيات التي من خلالها ذَكرَ الموتَ وذكّرَ به وصوَّرَه.
مقارَنات
عمدَ طرفة -في بسط أفكاره في هذه الأبيات- إلى عَقْد جملة من المقارَنات، بعضها مفاضَلات، وبعضها ليس شديد المباشَرة.
* في قوله "ستعلم إنْ متنا غدًا أيّنا الصَّدِي" مقارنةٌ بينه وبين الزاجر وكلِّ مَن يماثل هذا الأخيرَ، يشير فيها إلى أنّ الزاجر خاسر، إذ بتقتيره على ذاته سيغادر الحياة محرومًا من لذائذها، وأنّ المزجور سيغادرها ريّانَ.
* في قوله:
"أرى قبـرَ نـحّامٍ بـخيلٍ بـمالـهِ كـقبـرِ غَـويٍّ في البِطالةِ مُفْـسِدِ
ترى جُثـوتينِ من ترابٍ علـيهمـا صفـائحُ صُمٌّ من صفـيحٍ مُنَـضَّدِ"
يستخدم تشبيهًا غير بلاغيّ (حيث لا تفاوُت بين طرفَي التشبيه في وجه الشبه)، من خلاله يُجري مقارنة بين قبر البخيل على نفسه وقبرِ مَن يسخو، ليذكّر بتَماثُل المصيرَيْن وبقسوة الموت؛ فالناس حين انتهاء كلّ شيء سواسية في قبورهم.
* في قوله:
"أرى الـموتَ يعتامُ الكِرامَ ويصطفي عـقيلـةَ مـالِ الـفاحشِ الـمتشدِّدِ"
يشير مرّة أخرى إلى تشابه المصاير، كي يذكّر مِن ثَمّ بأنّ خسارة البخلاء خسارة مضاعَفة؛ وذلك أنّ الموت يُفْنيهم ويُفْني أملاكهم، حتّى الأفضلَ والأثمنَ من بينها. معنى هذا أنّهم يخسرون الحياة والمال جميعًا. أمّا اللاهي (أو الكريم، أو المنغمس في الملذّات، أو المنقاد إلى رغباته المنفق ماله على شهواته)، فلا يخسر في النهاية "سوى" حياته.
* في قوله:
"وظلْـمُ ذوي القربى أشدُّ مضاضةً على الـمرء من وقْعِ الحسامِ الـمهنَّدِ"
يعقد مقارنة بين ألم النفس وألم الجسد، معتقدًا أنّ الأوّل (المتمثّل في ظلم أقرباء المرء له) يفوق الآخَرَ شدّةً وحِدّةً (وهو المتمثّل في الجراح التي تخلّفها في الجسد السيوفُ البتّارةُ). وكلامه هذا ظاهرُهُ حكمةٌ عامّةٌ، وباطنُهُ شكوى وإحساسٌ مُمِضّ بالظلم مَرَدُّهُ إلى كون الظالمين أُناسًا لا يُتوقَّع أو لا يُنتَظَر منهم إلاّ الخيرُ والعون والرأفة – وذاك إحساسٌ رافَقَ طرفةَ اليتيمَ الذي حرمه أقرباؤه من بعض ميراث والده وظلموا والدته.
في التصوير البيانيّ
في بعض هذه الأبيات مجموعة من الصور البيانيّة، تنقل الأفكارَ والمواقفَ إلى المتلقّي جاعلةً إيّاها منظورة محسوسة. معظم هذه الصور تشبيهاتٌ مستمَدّةٌ من بيئة الشاعر الصحراويّة، يشبَّه فيها المجرَّدُ بالمحسوس، والمحسوسُ بنظيره:
* في قوله:
"ولـولا ثلاثٌ هـنَّ مِن لـذّة الفتى وجَدِّكَ لم أحفلْ متى قامَ عُـوَّدي"
يستخدم الكناية "متى قامَ عُوَّدي"، ليشير بها إلى ساعة الاحتضار التي لا يخشاها إلاّ لأنّها مُفْضِيةٌ إلى انقطاعه عن نهل اللذّات.
* في قوله:
"وكَرّي، إذا نادى الـمُضافُ، محنَّـبًا كَسِيدِ الغَـضا، نبَّهْـتَهُ، المتورِّدِ"
ثمّة تشبيه استخدمه ليشير -مُفاخِرًا- إلى السرعة الفائقة التي بها يتّصف (هو أو جوادُهُ) حين يلبّي نداءَ المستغيث به. سرعته أو سرعة حصانه (وتلك من هذه) في تلك اللحظة، تُماثِلُ سرعةَ ذئبٍ:
- شرسٍ (واتّخاذُه غابات الغضا مسكنًا دليلٌ على الشراسة وشدّة السرعة)؛
- واردٍ إلى الماء (وظمأُهُ -بطبيعة الحال- يدفعه إلى مزيد من الإسراع)؛
- يتعرَّض إلى إهاجة (وحينذاك يكون التسارعُ).
باستخدام الشاعر هذا التشبيه، يصوّر اندفاعه الخالي من أيّ تردّد إلى ساحات القتال، بغية حماية من يستغيثون به.
* في قوله:
"أرى العيشَ كنـزًا ناقصًا كلَّ ليلـةٍ ومـا تَنْقُصِ الأيّـامُ والدهـرُ يـنفَدِ"
ثمّة تشبيه يعبّر طرفة به عن تعلّق وحسرة: تعلُّق بالحياة؛ وحسرة حِيالَ العدم. فهو يعتبر العمرَ كنـزًا دائم التناقص محكومًا بالزوال. واختياره الكنـزَ مشبَّهًا به يؤكّد إعزازَه للحياة واعتبارَه إيّاها قيّمةً نفيسةً.
* في قوله:
"لعَمْرُكَ إنَّ الموتَ، ما أخطأَ الفتى، لَكَالطِّوَلِ الـمُرخى وثِنْياهُ بالـيدِ
متى مـا يشـأْ يومًا يقُدْهُ لـحتفِهِ ومَنْ يَـكُ في حَبْلِ المنيَّةِ يَنْقَـدِ"
ثمّة صورة بيانيّة تشبيهيّة أخرى ترتسم فيها مخاوفُ طرفة من شبح الموت، ويتجسّد الحضورُ الأبديّ للموت. فيها يرصد الشاعرُ البَشَرَ حاضرين في سياق الموت مشدودين "إلى يده الثقيلة بحبل ينشدّ حين يشاء".
هي صورة تؤكّد ذاك الموقف الذي "يدرك أنّ الموت حقيقة مطلقة، يمكن تجاوزها بملء الحياة زخمًا جامحًا كلّيـًّا تنفجر فيه لحظةُ الانتشاء الحسّيّ بتجلّياتها الجنسيّة والبطوليّة والخمريّة، وبذلك تتأكّد الحياة من خلال تأكيد الموت، فما دام الموت حقيقة لا تتغيّر، والفَناء مطلَقًا لا يُتَجاوَز، فليس هناك إلاّ أن يندفع الإنسان عَبْر عالم المتفجّرات الحسّـيّة، فالحياة بالامتلاء متعة ولذّة وفرح وغبطة، ومِن حِسّ البطولة والمواجَهة تكتسب الحياة معناها".
هي صورة تشير إلى سطوة الموت وتسلُّطه وحتميّته، يرى من خلالها الشاعرُ الموتَ فارسًا مقتدرًا، والمرءَ فرسًا أو دابّةً لا حول لها حِيال مَن يسوقها. هي صورة فنّيّة تكشف عن إحساس بقِصَر العمر، إذ تتراءى الحياة في مخيّلة طرفة سيرًا مؤقَّتا وفَناءً مؤجَّلاً دانيـًا؛ حضورًا عَرَضيًّا في انتظار غيابٍ قادمٍ دائمٍ محتَّم؛ فسحةَ عُمْرٍ ذاتَ بداية وذاتَ نهاية محدَّدة من المتعذَّر تجاوُزُها.
في بعض الأسلوبيّات
قلّة الصنعة البلاغيّة: وتلك القلّة خَصيصةٌ عُرِف بها الشعر الجاهليّ بعامّة، أو تُنسَب إليه؛ ممّا جعل كثيرين من النقّاد يرونه شعرًا مطبوعًا أدنى إلى الفطرة والعفويّة. وفي أبيات طرفة هذه، إضافةً إلى بعض الصور البيانيّة التي تناولناها في ما سلف، ثمّة بعض المحسّنات البلاغيّة التي يمكن افتراض أنّها جاءت أقربَ إلى التلقائيّة؛ فعلى سبيل المثال:
* هنالك المطابَقات (نحو: يروّي /الصَّدِي؛ كريم /بخيل؛ أرى /لا أرى)؛
* وهنالك الجناس غير التامّ (نحو: "متى ما"؛ ما /ماء)؛
* وهنالك الترديد الحرفيّ (كما في ترديد الصاد ثلاثًا في "صفائح صُمٌّ من صفيحٍ منضَّدِ"؛ وترديد التاء ستًّا والميم خمسًا في "العاذلات بشربةٍ /كُمَيْتٍ متى ما تُعْلَ بالماء مُزبدِ"، وترديد القاف ثلاثًا في "القرينَ بالـمُقارَن يـقتدي")؛
* وهنالك الترديد اللفظيّ (كما في تكرار "قبر" وَ "لَمْ " وَ "غد" وَ "قرين")؛ وتكرار الصدارة ("أرى الموت" /"أرى العيش")؛
* وهنالك الاستفهام البلاغيّ الإنكاريّ "هل أنت مُخْلِدي؟!"، الذي من خلاله يذكّر بعجز الإنسان عن تحقيق الخلود، ويكشف عن إحساسه بالحسرة وبالعجز إزاء الموت.
التقرير والتصوير: إلى جانب العبارات التصويريّة التي عالجناها آنفًا، ثمّة عبارات مباشِرة تقريريّة هي الغالِبة، شكّل استخدامُها دعامةً لبروز الصور الشعريّة. هذا الجمع بين النوعين من العبارات حقّق في النصّ تلوينًا في الأسلوب يمْكنه أن يدفع عنه الرتابةَ.
بعض الترابط: بخلاف الحُكْم العامّ المعمِّم الذي يطلقه البعض على الشعر الجاهليّ (وعلى الخطابة الجاهليّة كذلك)، من حيث انعدام الترابط، أو ضعف الترابط ومحدوديّته أو اختلاله، بخلاف ذلك ثمّة ترابط في بعض المواضع، أَبْرَزُهُ ذاك الذي يظهر في الأبيات الأربعة المتتابعة، التي يذكر فيها مُتَعَه. وقد قام بذلك من خلال لجوئه إلى التفصيل بعد التعميم (وهو ما يُعْرَف في البلاغة القديمة بـِ "الطيّ والنشر")، إذ يورِد تلك الـمُتَعَ إيرادًا عامًّا ("ثلاثٌ من لذّة الفتى")، ومن ثَمَّ يخصّص لكلّ منها بيتًا كاملاً، فتتكامل عَبْرَ ثلاثة مواقف، أو ثلاث مَسلكيّات، تُبْرِز تعلُّقَه بالتـرف وارتياد الحانات والدفاع غير المتردّد عمّن يستغيث به.
تقديم ما حقُّهُ التأخير: وذاك على نحو ما نراه في موضعين في البيت التالي:
عنِ المرءِ لا تسألْ وأَبْصِرْ قـرينَـهُ فـإنّ القرينَ بـالـمُقارَن يـقتـدي
حيث قدّم شبه الجملة "عن المرء" على حرف النهي والفعل ("لا تسأل")، وقدّم شبه الجملة "بالمقارَن" على الفعل الذي تتعلّق به ("يقتدي"). في هذا التقديم كسر للمألوف التركيـبـيّ في العبارة، ومحاولة للفت انتباه المتلقّي إلى المقدَّم ولإثارة اهتمامه به.
الوسائل التوكيديّة: أكثَرَ الشاعرُ من استخدام أساليب التوكيد:
* فهنالك القَسَم ("لَعَمْرُكَ"؛ "وجَدِّكَ")؛
* وهنالك الترديد اللفظيّ (كما في تكرار "ويأتيك بالأخبار")؛
* وهنالك ما يمكن اعتباره من قبيل التكرار المعنويّ (كما في البيتين: "ستبدي لك الأيّام"...؛ "ويأتيك بالأخبار مَن لم تَبِعْ له"...)؛
* وهنالك استخدام حروف توكيديّة (كما في "إنّ الموت ما أخطأ الفتى // لكالطِّوَل المرخى"... حيث استخدم "إنّ" واللام المزحلقة).
هذا الإكثار من استخدام الوسائل التوكيديّة قد يكون مردُّه إلى رغبة طرفة في ترسيخ ما يأتي به وتأكيد صدقيّة مواقفه ومنطقيّتها، حِيال زاجرين مشكّكين، متصلّبين في آرائهم، نائين عمّا يتبنّاه الشاعر من معتقدات ومواقف وسلوكيّات تتحفّظ القبيلةُ منها إلى حدود الرفض.
التنويع في استخدام الضمائر: تنقَّلَ الشاعر بين ضمير المخاطَب وضمير الغائب وضمير المتكلّم، جاعلاً ذلك من وسائل التلوين في أساليب التعبير، وهو كذلك ممّا يُكْسِب الأبيات حيويّة.
في البيت الأوّل:
ألا أيّـهذا الزاجري أحـضرَ الوغـى وأن أشهدَ اللذّاتِ هل أنتَ مُخْلِدي؟!
هنالك مخاطَبٌ حقيقيٌّ محدَّد (ذاك على الأغلب -وهو مالك ابن عمّ طرفة)، أو مخاطَبٌ حقيقيٌّ غيرُ محدَّد بواحد فقط (أبناء قبيلته أو بعضهم)، يتوجّه إليه طرفة مناقِشًا إيّاه رافضًا الزجر.
أمّا في قوله "ستُبدي لك الأيّام"، فربّما كان المخاطَب هو المخاطِب ذاته (وذاك ما يُعرَف بـِ "التجريد")؛ ممّا يكشف عن نفسٍ ملأى بالتساؤلات، وعن إحساس بالوحدة حَدَا بطرفة أن يحاوِر ذاته. وربّما كان الخِطاب هنا مجرَّدَ أسلوب عُرف به الشعر القديم، يُعزى إلى أنّ ذاك الشعر كان يُنْظَم ليُلقى في المَحافل (وبالتالي، فالمخاطَب هو المتلقّي -الحاضر في ذهن الشاعر في لحظة النظم). وقد يصحّ قول ذلك حول الخطاب في جملة القسم "لَعَمْرُكَ".
* المادّة مقدَّمة إلى طَلَبة الثانويّة
hanna-j@hotmail.com