حول مهرجان إربد المسرحي الأول

خطيب بدلة قرأها 171
  

أقامت فرقة مسرح الفن بإربد (عاصمة الشمال الأردني) في السنوات الماضية تسعةَ مهرجانات مسرحية كان ينظمها ويتحمل نفقاتها هواة المسرح وعشاقه، وفي أواسط كانون الأول سنة 2007 بادرت وزارة الثقافة بالتعاون مع بلدية إربد الكبرى إلى رعاية مهرجان المسرح وتنظيمه وتوسيع نطاقه من المحلي إلى العربي، وتمويله، لذلك سُمِّي" مهرجان إربد المسرحي الأول"، وأطلق على هذه الدورة اسم واحد من أبرز الرموز الثقافية الأردنية هو صلاح أبو زيد.

وتجدر الإشارة إلى أن فرقة مسرح الفن في إربد التي يرأسها ويرأس اللجنة التحضيرية للمهرجان عبد الرحيم غنام، كانت قد تأسست سنة 1986 من مجموعة من الأدباء والفنانين كمحمود عيسى موسى، وحسن ناجي، ورياض طبيشات، وسليمان العمري، ووليد الجيزاوي، وآخرين.

افتتح المهرجان تحت رعاية السيدة نانسي باكير وزيرة الثقافة، بمسيرة فنية على أنغام موسيقا القرب للفرقة الملكية، ثم ألقيت الكلمات الافتتاحية في القاعة الهاشمية ببلدية اربد. وكان بين الحاضرين من الضيوف العرب الفنان فراس إبراهيم والكاتب خير الدين عبيد من سورية، وكُلِّف كاتب هذه المتابعة  بإلقاء كلمة الوفود العربية المشاركة. وقدمت في حفل الافتتاح مسرحية قصيرة من تأليف الشاعر والكاتب المسرحي الفلسطيني حسن ناجي وإخراج باسم دلقموني، اعتمدت على لعبة إبراز بعض الصراعات الثقافية حول الرأي والرأي الآخر، والشجاعة والتخاذل، انتهت بعبارة تتضمن شعار المهرجان الذي أطلقته وزيرة الثقافة وهو: الثقافة للجميع، إضافة إلى حفل غنائي بقيادة الفنان نبيل الشرقاوي، تضمن مجموعة من الأغاني ذات الطبيعة الشرقية الخالصة.

ابتداءً من اليوم الثاني شرعت فعاليات المهرجان تتوالى، فأقيمت في قاعة المحاضرات بغرفة التجارة بإربد ندوة بعنوان "المسرح الأردني إلى أين؟"، شارك فيها كل من محمد العامري وعبد اللطيف شما، وأدارها الكاتب حسن ناجي. ثم عرضت مسرحية (سيناريو إبليس)، ألفتها الفرقة بصورة جماعية، وأخرجها كاشف سميح. وهي تتلخص في أن الهواجس التي تحيط بالإنسان العربي المعاصر من شأنها أن تزيد من تطويقه بالمشاكل، بل وتكبيله بالأصفاد. وقد استخدم المخرج تقنية السلاسل الحديدية التي تلتف حول الممثلين أثناء العمل، وتزداد التفافاً على أجسادهم كلما حاولوا الخروج من ربقتها.

وأقيمت في قاعة غرفة التجارة ندوة أخرى بعنوان "المسرح الغنائي العربي" شارك فيها الناقد نبيل نجم، والشاعر الشعبي نايف أبو عبيد، وأدارها المخرج باسم دلقموني. وعرضت على خشبة المسرح بمركز الحصن الثقافي مسرحية (الحقيقة ماتت) لفرقة الاتحاد الوطني لطلبة سورية بحلب، أعدها وأخرجها المخرج سامر السيد علي، عن نص للكاتب الإيطالي عمانوئيل روبلز. وهي تناقش فكرة على قدر كبير من الخطورة، وهي أن طغيان الحاكم في بلد ما يلجم طاقات الشعب، ويصادر بطولات أبنائه ويجيرها للحاكم، ولدى أول مواجهة عسكرية تسقط البلد في أيدي الغزاة. وقد تألق الفنان وافي عصفور الحائز على جائزة أفضل ممثل في مهرجان الجامعات السورية لعام 2007 في دور الجنرال.

وأقيمت ندوة بعنوان "مسرح المونودراما ومسرح الدمى" شاركت فيها الدكتورة  بثينة أبو البندورة، فتحدثت عن الديكور المسرحي وأهميته لأي عرض، وعن مسرح الدمى، وأسرار صناعتها. بينما تحدث المخرج باسم دلقموني عن تاريخ التجارب التي اعتمدت على الممثل الوحيد (المونودراما) في إربد، بخط بياني متقطع ومتباعد، والتي كان آخرها في سنة 1996، وهذا الانقطاع  يوحي بأن هذه التجربة المسرحية الخاصة والصعبة ربما تكون قد انتهت أو تلاشت.

وقدمت على مسرح الحصن مسرحية "رحلة نكرة" من تأليف رياض طبيشات، وإخراج باسم دلقموني الذي اعتمد على أسلوب التغريب البريختي، فقد شاهدنا مخرجاً يريد عرض مسرحيته، وثمة من يريد منعه من تقديم العرض لأسباب رقابية أو أمنية، ثم شاهدنا، ضمن العرض الذي يراد منعه، سكيراً متشرداًُ لامبالياً يقول ما يحلو له في المجتمع والسياسة، ووزيراً ساذجاً ومرافقاً له يعملان على نحو كاريكاتيري مضحك، وتألق في العرض بشكل خاص كل من وليد جيزاوي وعبد الرحيم شعبان آغا.

ومن العروض التي قدمت في المهرجان مسرحية (عشيات حلم) التي أعدها وأخرجها محمد خير الرفاعي مستفيداً من أشعار ابن إربد الشاعر الراحل مصطفى التل (عرار)، تقوم ببطولتها أربع صبايا، مستخدماً تقنية الإسقاط الضوئي لمشاهد لعرار وبعض قصائده المغناة.

وفي حفل الختام قدم المخرج محمد قاسم صقر مسرحيته الكوميدية (هيك صار) تأليف حسن ناجي، بطولة محمد الإبراهيمي وريما نصر، وتتحدث عن موظف بائس في الستين من عمره تخرج له امرأة من بين الأضابير وكأنها الحلم، فتقلب عالي حياته أسفلها، ثم سرعان ما يستفيق ويتلاشى حلمه.

هذا وقد كرم المهرجان عدداً من رواد المسرح الأردني، منهم المسرحي الفلسطيني الكبير زيناتي قدسية الذي ولد في إربد وترعرع فيها.