حين تكون الأغنية أكثر من أنغام...
(1)
بكرا إنتَ وجايي
رح ازيّن الريح
اخلّي الشمس مرايي
والكنار يصيح
واجمِّع ناس
واعلّي قواس
وبكلّ شارع ضوّي حكايِه
بكره إنت وجايي
إنت وجايي يا حبيبي...
(2)
بكرا إنت ومارق
رح اصوّر ابراج
ارسم البيارق
عَ روس الدراج
وصوت العيد
يدقّ بعيد
والشجر يبكي عَ المفارق
بكرا إنت ومارق يا حبيبي
(3)
رايتك منصوبة
والدهب ميزانك
اعملني لعّوبة
واحملني عَ حصانك
وبالساحة الكبيرة
تمخطر فيّي
وعلِّق الغيرة
على عينيّي
(4)
بكرا إنتَ وطالل
بركض بلاقيك
وسطوح المنازل
كِلاّ شبابيك
وإنتَ تدلّ
عليّي تدلّ
وتمسح لي جبيني بالسنابل
إنتَ وطالل يا حبيبي
_________________
إنّها الأوهام الجميلة، والأماني العذبة، والأخيلة المسافرة. تلك كلّها تسكن الكلمات وتحرّك النغمات.
فيروز هنا تشدو ما نظمه ولحّنه عاصي ومنصور قبل ثلاثة عقود وبضعة أعوام، نظماه على لسان فتاة مُعْوِزة تحلم بالحبّ والأمجاد، فتاة تحلم بمحبّ/ محبوب لم يظهر بعد، بيد أنّها تأمل وتحاول أن ترسم بعضًا من احتفائها بمجيئه. واحتفاؤها هذا يليق أكثر ما يليق بمن توافرت فيه الخصال القياديّة.
ومتى سيكون هذا المجيء؟
غدًا ("بكرا"). والغد هنا، كما في أشعار كثيرة، وكما في غير الشعر، هو تلك الكلمة التي يُختزَل ويغلَّف بها الزمن الآتي، أو الزمن الذي يُنتظَر ويؤمَل ويُتمنّى أن يأتي، ولا يُعرف له موقع. مفردة بسيطة وتلقائيّة، تعبّر عن التمنّي أن يكون الحدث الجميل في متناول الأنظار.
وكيف ستحتفي بالحبيب المأمول؟
بالغناء أوّلاً. إذ ستزيّن الريح بالنغمات والشدو. ستسخّر الشمس والطير لاستقباله. ستجعل الشمس مرآة بها يتمرأى الحبيب، وستحيل الطير شاديًا مطربًا (والكناري -كما لفت نظري صديقٌ عزيز- لا يشدو وحيدًا، إنّما يتدفّق شدوه بالمزاملة/ المصاحبة/ الوصال. وربّما كان الكناري -في هذا السياق- خطًّا موازيًا مشابهًا أو صورة عاكسة لحالة الفتاة الحالمة تلك التي فجّر فيها الحبّ -أو التوق إلى الحبّ- كلامًا وأنغامًا). ستدعو الناس فيشاركونها ابتهاجها واستقبال الحبيب. ستصنع أقواسًا من أوراق وحبال الزينة تليق بمن حالفه النصر والمجد، ستنشر حكايات انتصاراته وأعماله وأقواله في كلّ حيّ -حكاياته التي ستنير الأماكن وتثير الاهتمام.
كلّ هذا سيحصل لحظةَ تعْرف هذي الفتاة أنّه آتٍ. أمّا حين يمرّ، فستبدأ بالتصوير والرسم... سترسم أعلامًا على رؤوس السلالم، لتبدو البيوت عندذاك أبراجًا سامية؛ فالقادم يستحقّ كلّ ذاك. وعندها ستتمازج العناصر: عناصر السعد وعناصر الحزن. فجرس الكنيسة سيرسل أصوات أفراح العيد إلى أنأى الأمكنة. فإذًا، قدوم الحبيب الغامضِ القائد عيدٌ في حدّ ذاته، والعيد الكنسيّ عيد آخر. هكذا تتعانق الأعياد وقلوب العباد، والأشجار الواقفة على مفارق الطرقات ستعلن فرحها الغامر باللقاء (وهي التي اعتادت مَشاهد الفِراق الدائم هناك عند المفارق) بانفعال بكائيّ. لقد اعتدنا على كثير من أشياء دنيانا تطابق أضدادَها تعبيرًا وشكلاً: دمع الفراق ودمع اللقاء؛ دموع الموت ودموع الولادة؛ عجز الوليد وعجز الهرِم؛ الغباء المطْبِق والذكاء الخارق...
المقطع الثالث يختلف مبنًى وتوجّهًا. لذا، هناك ما جعل الملحّنين الكبيرين يختاران له أنغامًا تختلف عن المقاطع الثلاثة الأخرى المتشابهة البناء والتوجّه، فتجد صوت فيروز يتماوج هو والموسيقا (وبخاصّة في قولها: "رايتك منصوبة/ والدهب ميزانك") في وحدة حال. هنا ترى اللحن شرقيًّا صِرفًا، والأداء متنوّعًا يجتال ويختال في ساحاته صوتُ فيروز المطواعُ ليقول إنّ راية انتصارات الحبيب راسخة (فانتصاراته ليست حالة عرَضيّة)، وأنّ عدله حقيقة كذلك، فميزانه كميزان الذهب دقيق مدقّق (نكرّر لنذكّر: السؤدد والإنصاف أهمّ خصال الحبيب هذا –وهما من خصال القياديّين). وبطفوليّة تميّز كلّ عاشقة حالمة، تطلب إليه أن يضعها على صهوة جواده، كما يفعل الطفل بدميته، وأن يتبختر بصحبتها في الساحة الرحبة حيث تجمّع الناس لاستقباله -الناس بتنوّعاتهم: ذكورًا وإناثًا؛ والإناث بتنوّعاتهنّ: بالغاتٍ وفتيات. وتتويج نشوتها ومسرّتها سيكون في أن تبقى وجوه الفتيات المشتعلة من الغيرة ماثلةً أمام ناظريها؛ فغيرتهنّ إقرار بتفوّقها هي، والإحساس بالتفوّق إحساس حلو يجمّل الأيّام، ويخلق قوّة دافعة نحو الاستمرار ونحو النجاح -إن لم يعرف الغرور السمج سبيلاً إلى المتفوّق-.
في المقطع الرابع، تصف سلوكها حين يطلّ الحبيب. هنا يتّضح التدريج والتصعيد في الوصف. الآن انتقلت إلى إطلالة الحبيب، وكانت قبلاً في مستهلّ الأغنية تصف سلوكها حين تعرف أنّه آتٍ (في المقطع الأوّل)، ثمّ تصف سلوكها حين مروره (في المقطع الثاني)، بعدئذٍ توقّفت في المقطع الثالث كيما تتغنّى بخصاله المعجِبة وتسوق طلباتها الحالمة الهائمة.
حين يطلّ، ستركض (بل: تركض) لملاقاته. الشاعر (أو الشاعران -لست أدري!) يستغني عن أداة الاستقبال العامّيّة "رَحْ" (المقابِلة للسين وَ "سوف" الفصيحتين)، فلا يقول: "رح أركض الاقيك". لا يقول ذلك، رغم أنّ الإيقاع أو الوزن الشعريّ ما كان ليختلّ لو قال.
إنّها تركض ("بُركُض"): تستعجل قدوم "الغد" بل تحياه قبل أن يولد (تمامًا كما تبدأ الرحلة قبل يوم من السفر). ستركض، فاللقيا خير تتويج لطول الانتظار. وإذّاك ستغدو السطوح نوافذ يطلّ من خلالها الكثيرون ممّن تضيق بهم النوافذ الحقيقيّة لو تجمّعوا وتسابقوا لمدّ أعناقهم، يطلّ من خلالها أولئك المسكونون بالانتظار، والمسكونون بالترقّب، والمسكونون بالتطفّل، فيما العزيز الآتي يشير إلى الفتاة ذاتها إشارة حبّ واستجابةٍ ودعوةٍ. حين يتحقّق لقاء الاثنين ، يداعب جبينها بكفّيه (سنابل الخير والبركة والعطاء).
ذاك هو الحلم/ الوهم/ التمنّي، الذي يداعب رغبات تلك المنتظِرة، المحتاجة إلى الرعاية والتحنان. ووجود هذه الأغنية/ الأمنية (والأغاني -في جانب من جوانبها- تعبير عن الأماني) في سياق مسرحيّة "الشخص" (1969) يسمح لنا أن نعمّم فنـزعم أنّ الرغبات الواردة آنفًا ليست رغبات فتاة فحسب، إنّما هي رغبات شعوب تحلم بالحكم/ الحاكم العادل النيّر الخيّر.
(كانون الثاني 1999)