هوى
كنتُأجلس بينهما في المقعد الخلفي للسيارة التي تقلنا إلى بيروت لحضور حفل زفاف ابنة صديقة مشتركة بيننا...
فكرتُ: "أية مصادفة لئيمة أن أجلس في الوسط كمحاصَرة، شاعرةً لحظة بعد لحظة أني أبذل ما بوسعي كي لا أشعر بالمهانة من حديثهما المتدفق بغزارة، يستمد زخمه من كومة الأحاسيس والأفكار اللتين تخزناها"، فجأة تقمصني الإحساس بالكارثة إذ إنه يستوجب علي سماعهماثلاث ساعات على الأقل حتى وصولنا بيروت.
لمت نفسي على إحساسي بالاختناق، لعلِّي متوهمة، فحديثهما مجرد ثرثرة بين صديقتين، لكن هلأتغاضى عن مشاعر الوهن والملل وأنا أنصت لهما، ألا تشعران أن حديثهما يشعرني أكثر فأكثر أنني لا أنتمي لهما، كما لو أنهما مصرتان على نفيي بعيداً، وعلى إشعاري أنهما متفوقتان عليّ بكل المقاييس والمعايير المتعارف عليها.
اعتقدت في البداية أن مناسبة دعوتنا لحضور زفاف ابنة صديقتنا في بيروت قد أثارت ذاكرتيهما حول زواجهما، ربما، احتمال معقول.. لكن حين بدأت كل منهما تتنافس في وصف الحب الكبير المتأجج بينهما وبين زوجيهما، وبدأتا تصفان بهمس شهواني تفاصيل شهر العسل، وكيف أن الزمن لم يؤثر على تأجُّج الرغبات... كنت أتلقّى قصف كلامهما بأذنيَّ المتألمتين العاجزتين عن حمايتي من الأذى، كان كل شيء فيّ ينضح بالوحدة والإحساس بالمرارة، تأملت يديّ الشاحبتين، أصابعي العزلاء التي لا تتزينبأي خاتم... أنا المطلقة، الفاشلة في زواجها... أجد نفسي في فخِّ امرأتين تتباهيان بسعادتهما الزوجية، واجدتين متعة خبيثة في إهانتي...
فكرت وأنا مستسلمة لوصفي كأسيرة: "ترى هل تتطلّب السعادة أن نتحدث عنها بكل هذا الانهماكوالحماسة، كما لو أننا نتلو نصاً أتقنـّاه على خشبة مسرح! ثم لماذا يبدو وجهاهما ذاويين وعيناهما مطفأتين وهما تتحدثان عن سعادتهما العظيمة!!
كانتا تعرفان قصة طلاقي المأساوي الذي ظلّ حديث المدينة طويلاً... فزوجي الذي تخلّيت عنعائلتي لأرتبط به، وغيرّت ديني لأجله، خذلني بعد خمس سنوات من زواجنا، تركني مع طفلين، بل لم يجد حرجاً أن يغشَّني ويوقِّعني على أوراق تجعله يملك الحق بالتصرف بكل الشؤون المالية في حياتنا...
احتجتُ لسنوات كي أداوي روحي الألم الذي سببه لي زوجي، وألم الشماتة من قبل الناس، مئات العائلات وجدت في جرحي برهاناً قوياً لإقناع بناتهن ألا يتخلين عن دينهن لأجل رجل! تحوّلتُ إلى الإنسانة الفاشلة عاثرة الحظ والتي سرعان ما نالت عقابها، بأن طلَّقها زوجها ورماها مع طفلين، وتزوج بأخرى..
هل نسيتا قصة طلاقي! صار مجرد سماع صوتهما أو رؤيتهما بزاوية عيني مصدر ألم ومشقة لي،ولم أكن أملك وسيلة لحماية نفسي من الأذى سوى أن أحتمي بالصمت، ومن وقت لآخر أجدنفسي مضطرة للابتسام كبلهاء، ابتسامات تحمل احتقاراً ودياً لصديقتين.
كنت وسط هيكلين بشريين مغلَّفين بمشاعر متبلِّدة، فقدتا القدرة على الإحساس بالآخر، واستطعت بجهد وعناء أن أخلق حواراً مع نفسي، كما الصديق المحب يتحدث إلى صديقه... ولا أعرف لماذا شعرت برائحة النفاق تفوح في الهواء المحصور في السيارة... انحرف حديثهما إلىالنجاح المبهر لأولادهما...
انخمصتُ داخل ألمي وأنا أتذكر الانهيار العصبي الذي أصاب ابني حين تخلّى عنه والده وهجر البيت... متناسياً أن ابنه متعلق به، ويعتبره مثله الأعلى...
كانتاتعرفان أن الأزمة النفسية التي عصفت بابني أعاقته عن دراسته ثلاث سنوات، وأنه شفيليس بمعونة الطب النفسي بل بطاقة حبي وصبري.
للحظة هممت أن أصرخ بهما: كفى، كفى، إن قلة إحساسكما بلا حدود.. ووقاحتكما تجاوزت الحدود... لكني وجدتني أنفجر بالضحك، ضحك صافٍ صادق، توقفتا عن الكلام وسألتا بامتعاض عن سبب انفجاري بالضحك: أجبتُ بلهجة ساخرة: "تذكرت حادثة مضحكة"...
هلساورهما الشك بأني أضحك عليهما، لأنهما لم تسألاني ما هي الحادثة؟!
بلاستأنفتا كلامهما عن نجاح أولادهما، وعن طابور العرسان المتقدم لخطبة ابنتيهما...
فجأة،انقشعت غمامة من أمام نظري، وبدت لي حياتي رائعة حقاً، فأنا الإنسانة المصنفة كفاشلة وعاثرة الحظ ومهزومة، نجحت أن أرمّم نفسي وأعيد بناء أسرتي المفككة بالطاقة السحرية للحب والإرادة.. لقد خضتُ معارك شرسة مع مجتمع أراد سحقي، وجعلي كبش المحرقة، مع مجتمع أراد سجني في فشلي، لكني مضيتُ قدماً، شاحذة أعصابي لأخوض معارك المواجهة وحدي... تفوّقت بعملي وعوّضت ولديّ عن غياب والدهما، نجحتُ في بلورةإنسانيتي، وبلغت رهافة مشاعري أنني صرتُ أشعر بتأرجح قطرة ندى على ورقة شجرة..
فكرتأن إحساس تلك المرأتين اللتين تحاصرانني بالأمان المطلق، ما هو سوى موت. وحدهم الأموات يحسّون بجمود الأمان المطلق.
ثم ما معنى أن يكون كل شيء مستقراً في حياتنا! كيف سننمو في الإنسانية إن لم ننسحق ونتألم، نموت ونورق من جديد.. أية حياة بلا نكهة حياةُ هاتين المرأتين، إنهما عاجزتان عن الإحساس بي.. كحالة إنسانية... إنهما لا تعيشان بل تتحاشيان العيش، وأنا على الرغم من تخبطاتي وسقطاتي كنت أنهض أكثر قوة وإيماناً والأهم أكثر نمواً في الإنسانية والإحساس... ما معنى إنسان غير قادر على الإحساس بالآخر وبجوهرالحياة....
حينعبرنا الحدود، أرسل لي البحر دفقات حنان رائعة من هوائه الرطب المنعش، طلبتُ من السائق التوقف، قلتُ لهما دون أن أنظر في وجهيهما الجامدين وعينيهما المطفأتين.. رجاءً أريد الجلوس قرب النافذة.. ملأت صدري بالهواء المنعش، وأنا أمدُّ رأسي خارجالنافذة، معطية وجهي كاملاً للبحر، متأملة بافتتان خيم الغجر البائسة البسيطة لكن الحرة، ابتسمت لملابسهم العتيقة الملونة المنشورة على حبال غسيل، والمتراقصة سعادة بفعل الهواء، كانت ثياب بكل المقاسات ترقص رقصة الحرية...
بدت حياة الغجر رائعة، كما لو أنها تسبيح للحياة، البحر لهم، السماء أيضاً والبحر والهواء.. إنهم أحرار أحرار، لا يعبدون جدراناً ولا تحفاً...
زميلتا رحلتي المحنّطتين تتحدثان بنهم عن خاتم الألماس، والثيابالفخمة والسيارات أحدث موديل...
لمأنتبه لانزعاجهما من الهواء المتدفق من النافذة، طلبتا أن أغلق النافذة لأن الهواءالبارد يضايقهما...
تأمّلتُهما بنظرة عابرة، لويت شفتي باشمئزاز وأنا أقول لهما بسخرية صريحة... لكن ألا تريان إن هذا الهواء هو "هوى".
الأسبوع الأدبي