حواريـّات عابرة
تشاؤليّات
((أ)): يا أخي، إلى متى ستبقى حليفَ التشاؤم؟!
"ب": يا بُنيّ، التشاؤم دليل نضْج وإدراك لمعطيات الواقع ولأهوال الواقعين فيه. التشاؤم وليدُ تفكُّرٍ وتأمُّلٍ وتعمُّقٍ يَبلُغ حدودَ الاستكناه. التشاؤم وعيٌ عميقٌ عميقٌ.
((أ)): والتفاؤل...؟!
"ب": التفاؤل وهْم، توهُّم، إيهام، سذاجة، سطحيّة، محاولةُ ضحكٍ على العقول، ضحكٌ واعٍ على الذات -أو غيرُ واعٍ...
((أ)): هذا يعني أنّي واهمٌ، متوهّمٌ، مُوهِمٌ، ساذَجٌ...
"ب": أنت قلت!
((أ)): لله دَرُّك من صديق مزعج الصراحة! بارك الله في "دُرَرك"!
"ب": في الصراحة راحة!
((أ)): بصراحة، صراحتك هذي لا تختلف عن نقيضها كثيرَ اختلاف.
"ب": لا تنسَ أنّ الصراحة قد تجرح. كالعمليّة الجراحيّة.
((أ)): ما هذا التخليط؟! العمليّة تلك يعقبها التئامٌ للجرح؛ أمّا صراحتك فقذائفُ مِن يدَيْ ضرير!
"ب": يا ربّي...!
((أ)): يا عزيزي، التفاؤل ضرورة. وَقودٌ. نـهوض. استنهاض.
"ب": التفاؤل تحايُل. محاولةٌ للتحايل على التشاؤم بائسةٌ. تحايُلٌ على الواقع. التفاؤل تعالٍ وتَعامٍ.
((أ)): التفاؤل ما هو بعمًى، ولا هو بتعامٍ. تَسامٍ هو حِيالَ واقع لا يعرف صعودًا. تَنامٍ هو حِيالَ واقع متضائل. في بعض الأحيان، التفاؤل هو التفاعل الواعي مع الواقع تفاعلاً خلاّقًا يرمي إلى إدراكه، مبتغيًا تجاوُزَ دماماته، وتثبيتَ بهائه. التفاؤل دعوة إلى عدم الوقوع في الواقع السيّئ الدميم؛ دعوةٌ إلى الإفلات من ذراعيه المكبِّلتين. التفاؤل ثقةٌ في أنّ "ما يحدث اليوم لا يمكن أن يكون نهايةَ التاريخ". قد يكون التشاؤم أحيانًا فهمًا للراهن وللآتي البعيد، وقد يكون التفاؤل إدراكًا للأبعَد.
"ب": "أَغْبِطُكَ" على هذي السذاجة!
((أ)): وأنا... أرثي لك على هذي "العبقريّة"!
"ب": ترثي لي؟!
((أ)): بائع الحزن ليس كبائع الفرح. الأحلام (ولا مقارنة) أبهى وأجدى من الكوابيس.
"ب": تجارة؟!
((أ)): إن كنتَ ترى التشاؤم وعيًا عميقًا، فثمّة مَن يَرَوْنه جِـبًّا عميقًا. وإن كنتَ ترى التفاؤل ضحكًا على الذات، فثمّة مَن يَرَوْنه ضحكًا في سبيل نهوض الذات الفرديّة والذات الجماعيّة، ويَرَوْن التشاؤم تهميشًا للذات وتهشيمًا للرغبات. أنا لا أتفهّم "مبدأك" التشاؤميّ ولا أقبله، إلاّ إن كان من باب أخذ الاحتياط وتوخّي الحذر. تشاؤمك ويأسك المنبعث منه لا يمكن أن يكونا رسالة، ولا وسيلة، ولا سبيلاً، ولا برنامجَ عمل!
"ب": واعظٌ معمَّمٌ...!
((أ)): الوعظيّة ليست من "العيوب" المقتصرة على معتنقي التشاؤم. ربّما من المهمّ أن تكون قادرًا على الوعظ، بيدَ أنّ ما هو أهمّ من ذلك أن تكون لديك القدرة على الاتّعاظ. أمّا الأهمّ، ففي ألاّ تعتنق التشاؤمَ رغبةً منك في أن تظهر بمظهر الحكيم العميق التفكير.
"ب": هل من مزيد؟!
((أ)): يبدو أنّ كلامي قد جعلك تضيق ذرعًا بي أكثر فأكثر. رغم ذلك، لا بدّ من إضافةِ ما حاولتُ ألاّ أقوله...
"ب": هات... نوِّرنا!
((أ)): ليتك تتذكّر أنّ التشاؤم في بعض الأحيان ادّعاءُ معرفةٍ هو، أو معرفةٌ جزئيّةٌ أو منقوصةٌ! وليتك تتذكّر أنّ بعض المتفائلين هم متشائمون سابقون ضاقوا ذرعًا بالقاتم الفاحم الذي يحجب الرؤية والرأي والرؤيا!
بذرة... ثمرة... شجرة
((أ)): لستُ أنسى ما قاله أمامنا، يومًا ما، أستاذ علم الأحياء.
"ب": ما الذي يدفعك إلى تذكُّره؟
((أ)): بالأمس، قسمتُ حبّة برتقال نصفين لأعصرها، فانتبهت إلى أنّه ليس فيها سوى بذرة واحدة.
"ب": فـَ...
((أ)): فعادت بي ذاكرتي إلى المرحلة الثانويّة...
"ب": "كنّا، ما أجمل ما كنّا"... أَفصِحْ! ماذا قال أستاذكم؟
((أ)): قال آنذاك، أثناء إحدى حصصه التعليميّة، مازجًـا المعلومة الجادّة بالمزاح والفكاهة، قال إنّ شجرة التفّاح -على سبيل المثال، لا الحصر- لا تَصوغ ثمارَها كي تأتي حضرتك فاغرًا فاك ملتهمًا متلمّظًا! الشجرة لا تفكّر فيك ولا تضعك ضمن حساباتها. الشجرة تفعل كلّ ذاك كيما تضمن بقاء نوعها.
"ب": أفْصِحْ، أَبِنْ!
((أ)): قصد بذلك أنّ الثمرة عينها تتضمّن بذورًا، وأنّها (الثمرة) هي البيت الصغير الحامي، أو الدرع الواقي الذي تقوم الشجرة ببنائه حول بذورها. فالشجرة، كما تعلم أنت -على ما أَعْلَم أنا!-، الشجرةُ بذرةُ الأمس، والبذرة شجرة الغد. وواجب الشجرة تجاه ذاتها، تجاه استمرار وجودها، أن توفّر لامتداداتها حمايةً.
"ب": وماذا بعد؟
((أ)): أمتذمّرٌ، أم مستخفّ؟! يا أخي المفروضَ علَيَّ، لاحظْ أنّ هذا الدرع الواقي هو في حدّ ذاته مُجمَّعُ فوائد لابن آدم وللطير ولسواهما من أبناء الحياة! الشجرة لا تتعمّد تقديمَ الفائدة لك، ورغم ذاك تَراهها تفيدك أنت وغيرك. في محاولتها ضمانَ بقائها، تُحْيي ذاتَها وسواها معًا.
"ب": عطاء غير مقصود!
((أ)): ربّما كان من أجمل ما فيه أنّه غير مقصود. عطاءٌ فطريٌّ منبعثٌ من داخل المعطي، بلا حدود، وبلا تحديد.
"ب": والعِبرة...؟!
((أ)): العِبرة؟! كن شجرة!
"ب": أنا...؟! شجرة؟!
((أ)): لا حول ولا... أجل، كن شجرة، لا لوحًا!
دِقّة تعبير!
((أ)): رأيتُ بالأمس مقالة لك منشورة في الصحيفة.
"ب": ما أدقَّ تعبيرَك!
((أ)): ...؟!
"ب": ..."رأيتُ"!
hajhanna@gmail.com
عـبـلّـيـن – الجلـيـل 16/12/2007