محمود درويش وفنجان قهوته في حصار بيروت

بيترا قرأها 6
  

 zathasethsethaseths5y53y5s35.JPG

محمود درويش

"ذاكرة للنسيان" كتاب للشاعر محمود درويش هو أجمل ما وقع بيدي هذه الأيام. كتاب نثري شعري أقرب إلى روح الناس ومعاناتهم. يجسد مرحلة الحصار التي عاشها لبنان خلال فترة الاجتياح الإسرائيلي 1982 مع كل تفاصيل تلك المرحلة وشاعرنا كان ضمن التفاصيل. عايش الحصار في بيروت الغربية في الطابق الثامن من إحدى أبنيتها.

ftukltkltuk777777777777777777777er.JPG

يدور الكتاب حول يوم طويل من أيام الحصار يقف فيه الشاعر مكتوف الأيدي أمام مصيره فيحاول أن يشغل نفسه بالتفكير بفنجان قهوة في وقت تتساقط من حوله القذائف من كل الجهات:

"أريد رائحة القهوة لا أريد غير رائحة القهوة ولا أريد من الأيام كلها غير رائحة القهوة، رائحة القهوة لأتماسك لأقف على قدمي لأتحول من زاحف إلى كائن، لأقف حصتي من هذا الفجر على قدميها ولنمضي معاً وهذا النهار. كيف أذيع رائحة القهوة من خلاياي وقذائف البحر تنقض على واجهة المطبخ المطّل على البحر لتنشر رائحة البارود ومذاق العدم، صرت أقيس المسافة بين قذيفتين ثانية واحدة .. أقصر من المسافة بين الشهيق والزفير.. ثانية واحدة لا تكفي لأن أفتح زجاجة الماء وثانية لأن أصب الماء.. ثانية لا تكفي لإشعال عود ثقاب ولكن ثانية واحدة تكفي لأن أحترق، أريد هدنة لمدة خمس دقائق من أجل القهوة لم يعد لي مطلب شخصي غير إعداد فنجان قهوة. توّثب حواسي كلها في نداء واحد... القهوة... القهوة هي مفتاح الصباح ..القهوة هي أن تصنعها بيديك، لا أن تأتيك على طبق. لأن حامل الطبق هو حامل الكلام، والقهوة الأولى يفسدها الكلام الأول لأنها عذراء الصباح.. القهوة هي الصمت الصباحي، الباكر والوحيد الذي تقف فيه وحدك في سلام مع النفس، لأن القهوة هي القراءة العلنية لكتاب النفس المفتوح. في وسع الغزاة أن يفعلوا أيَّ شيء.. أيَّ شيء، ولكن لا يستطيعون أن يقتلعوا مني رائحة القهوة.. أعرف قهوتي وقهوة أمي وقهوة أصدقائي لا قهوة تشبه الأخرى. لكل شخص قهوته الخاصة لأنه لا نفس تشبه الأخرى. وطقوس القهوة أن تُشرب على مهل وبدون عجلة. القهوة تأمل وتغلغل في النفس وفي الذكريات. وأتساءل كيف تكتب يدٌ لا تبدع القهوة. أتمنى لو استراح هذا الجحيم خمس دقائق فقط لأتدبّر موتي أو حياتي خمس دقائق تكفي..".

ثم ينتقل بعدها شاعرنا الكبير ليشغل نفسه بأمنية أخرى هي جريدة الصباح وأمور غيرها.. دعوة من القلب لقراءة هذا الكتاب الجميل لأنه وكما يقول شاعرنا إن الشاعر وحده القادر على تحريك الفرح وإيقاظ الدهشة وحين يكتب يغنيني عن الكتابة لأنه يقول نيابة عنا كل ما نتمنى قوله.