تعليق على مقالة "البواب.. جوزيف حرب وفيروز"

ناصر منذر قرأها 5
  

أعرف أن كلمات هذه الأغنية "البواب" تعود للشاعر جوزيف حرب، إلا أنني لم أرَها يوماً إلا امتداداً لروحيّة أعمال الأخوين رحباني. 

كما أنها ترتبط بذهني وتذكـّـرني برواية "الليالي البيضاء" للروائي العظيم دستويفسكي..

    كما أعرف أن الأخوين رحباني قد تأثـرا كثيراً بكتابات دستويفسكي، فكانت رواياته من أوائل الكتب التي قرآها في صباهم بدءاً من سن الرابعة عشرة، مع أشعار طاغور ومسرحيات شكسبير، ونلمس تأثرهم بإنسانية دستويفسكي وموقفه الاجتماعي الذي طالما دافع فيه، وبكل ما كتب، عن الفقراء والبسطاء. ولعلّ مسرحهما الغنائي الذي اعتمد الأسطورة بتشخيصه لـ (ممالك وامبراطوريات وشخصيات تراثية)، يتطابق كثيراً مع جوهر أعمال دستويفسكي التي طالما كانت توصَف (على سبيل النقد والتشهير) بأنها أعمال "واقعية خيالية" وهو ذات المأخذ الذي أُخذ على الرحابنة من قبل بعض معاصريهم!

    شخصياً أكتفي بالرد على هذا "المأخذ" والاستدلال على خطئه بالإشارة إلى حقيقة خلود هذه الأعمال وبقائها في ذاكرة الناس.. فلو لم تكن لتمسّهم عميقاً لما كانت بقيت وانتشرت كل هذا الانتشار.. فمازالت روايات دستويفسكي تُقرأ في كل بقاع الأرض، ومازال يُعد روائي البشرية الأول. وبالمثل ما زالت أعمال الرحبانة -وستبقى- لأمد بعيد التجربة الأكثر كمالاً في المسرح الغنائي العربي..

    أعود للأغنية.. لأبرر هذا الربط الذي يتماثل إلى ذهني كلما سمعتُ الأغنية أو قرأتُ الرواية..

يتحدث دستويفسكي في لياليه بلسان شاب دفعه جمال السماء وصفاؤها ليتساءل:

"هل يمكن تحت مثل هذه السماء أن يعيش أناس يملأ قلوبهم البغض، وتعبث بنفوسهم النزوات؟"

لعلّه سؤال ساذج، لكنه ينبع من نفس طيّبة وسريرة صافية، من قلب مفعم بالإنسانية وحب الخير والسلام..

هذه الأغنية- "البواب" تنقلني إلى ذات الجو الذي تشيعه في نفسي قراءة الرواية، ذات الطقس المطمئن، مع جرعة شعورية دافئة ودعوة للانعتاق والمحبة والتصالح مع المحيط بكل ما فيه..

dryjidryjdryjdr544353w56tsehuyety.JPG


هذا التوصيف الجميل المعبّر عن الإحساس بالطبيعة وجمال المكان والأشياء، هو المشترك بين الإثنين. فهنا نشعرُ بمشاعر البيوت والأبواب وندرك أنها تشتاق وتفرح.. تضحك وتتذكّر وتحزن. وهناك مع دستويفسكي نجده يصادق البيوت أيضاً.. ويبادلها التحية والحديث كل صباح، حيث تنقل له آخر أخبارها، فهذا البيت سيعاد إصلاحه وهذا سيضاف له طابق جديد، هذا سيغادره أهله بعد حين، وذاك يشكو له خوفه الشديد بعد أن كاد يحترق.. وبيت آخر ورديّ اللون كثير الدلال والزهوّ كان دستويفسكي يبتهج كلما رآه، حتى أنه أصيب بنوبة حزن شديدة عندما سمع صوت البيت يئن لأنهم سيصبغونه بلون آخر!!

ربما لا تنقل لكِ كلماتي هنا الصورة كاملة.. ولكنني أزعم أنكِ إن قرأت الرواية ستلحَظين الصلة التي لاحظتها.

وأخيراً.. شكراً لكِ بيترا.. ما كتَبْتِهِ ذكّرني بالجمال.

"اْلِبْواب" .... جوزف حرب وفيروز

بترا