عذراء حارتنا
عذراء حارتنا ولدت ولداً!
نساؤنا في البدء تهامسن، وأشاح الرجال.
- فتاة تلد ولداً!
في بيت المخيم ولدته، بلا ترقب ولا انتظار، ولمّا حارت الناس، وسؤال الشكّ علا، خرجت عذراء حارتنا بثياب بيضاء إلى العتبة.
واثقة خرجتْ، ترفع ذراعيها وتطلبهم، فاقتربوا وربّما ارتجفوا، أمّا أنا فقد اندفعتُ، ورأيتُ لحية شيخ الحارة تهتزّ، وهو يصيح تحت عصاه المرتفعة:
- من أبوه؟
لم تتزعزع، وبعينيها الواسعتين رمتْه، زمّت شفتيها، ولم أدر أتعاتبه كانت أم تغازله؟!، ثمّ ضحكت وقالت:
- يا شيخ، هذا ابني بلا أب.
وتثنـَّت عذراء حارتنا وهيّ تفجر قنبلتها:
- هوّ يا شيخ المهدي المنتظر.
ورقص شيخ الحارة، رأيت عصاه تحوم على عينيه، وساقاه تموجان في الدشداشة.
حارتنا انهلكت، النسوة ألغين الهمس، وبدأن يزغردن، ثم جرين ليعبرن الكوخ إليها، فدخلتُ لأراهنّ يلثمن يديها، ثمّ يلامسن لفافته.
في اليوم التالي زحف قطاع غزة، صار اللاجئون يجيئون إلى محرر البلاد، فيجدون أمّه أميرة تجلس في غرفتها، وتوزع على النسوة هدايا السماء.
هذا منديل من أمّنا عائشة، وذاك من السّيدة زينب، ومن مريم أمّ المسيح زجاجة عطر فوّاح.
ضجّ الناس، تصايحوا لكلّ منديل، وهزجوا، ثمّ في الأركان انعقدت حلقات الدبكات
أنا عقلي مني طار، وطرت صرصاراً، في حارة اندفقت عليها الحارات.
شارعنا الترابيّ ظلّ يأتيه كلّ من هبّ ودبّ، حتى زمجرت فجأة موتوسيكلات تحوّط سيارة طويلة، فعفرتنا عجلاتهم بالتراب.
ولهثت أنا، رأيت رجلا هائلا نزل، وسمعت المتراجعين يقولون:
(الحاكم) ولم يهدأ جسدي، تسلّلت ثائراً بين الأرجل المهمّة، واقتربت تدريجياً حتى وقفت تحت ساقيّ الحاكم، ورأيت خديه الكبيرين يواجهان العذراء، والمهدي تمطّى لحظتها وماء كقطة.
تثنـّت عذراء حارتنا،وذراعاها ماجتا على خاصرتيها، لكنّ الحاكم المصريّ صاح، وشتم، ثمّ هدّد، وتوّعد، وقال كلاماً عقلي لم يفهمه، ثمّ مضى مع موكبه.
ودهشت من أمّ المهدي التي أخذت تتطأطأ ساكنة.
وهدأت حارتنا، عادت بعد أيام خالية، إلا من أهلها، الرجال أقعوا تحت جدران الأكواخ فاغري الأفواه واجمين، وبعض الشبان ظلوا ينّقلون عيوناً مترصدة ما بين الأنحاء والعتبة، أمّا النسوة فعدن يرقّعن ملابسنا، ويرقبن موعد استلام تموين الأمم المتحدة.
وأنا أتنطط، فرخ نسر مهاجماً الرمل في النهار، وفي المساء أحلّق باحثاً في الأفق عن قمر بلادنا الهالك.
عمر حمّش *
قاص وروائي من غزة