"المدينة" تلتقي ثلاث نساء تزوجن في سنٍّ مبكرة جداً وتعرفتْ إلى مآسيهن: "فقدت براءتي وطفولتي"
الزواج المبكر هو سمةٌ من سمات مجتمعنا العربي، وهو مرتبط بمرحلة اجتماعية وظروف اقتصادية، وبالكثير من الشروط والعادات والتقاليد. ولو نحن بحثنا في ظاهرة الزواج المبكر لوجدنا خلفها عدد من الأسباب، أحدها الدين، الذي يحثُّ على الزواج معتبراً إياه "النصف المكمّل للدين"، ومنها أيضاً انخفاض مستوى التعليم والجهل والأمية، وغياب الوعي عند الأهل بمخاطر الزواج المبكر، وكذلك عامل البحث عن حب وتكوين عائلة ولا سيما في البيوت التي تعاني تفككاً أسرياً ولا تولي البنات ما يلزم من الاهتمام.
لم يكن من السهل عليّ أبدا إجراء مقابلات شخصية مع نساء من الرملة واللد ويافا، ممن ذقْن مرارة الحياة المبنية على الزواج المبكر، لا سيما أن غالبية من التقيتهن طُلّقن بعد فترة معينة من زواجهن، بينما مازالت أخريات تعشن في جحيم حياة مليئة بمشاكل لا تنتهي مع أزواجهن، ومنهن من بلغت الأربعين من العمر ولكنها ما زالت حتى الآن تحاول أن تعيش طفولتها، وتبحث عن حب حقيقي عبر الإنترنت والتعارف والدردشة.
ورغم أني التقيت مع خمسين امرأة خلال الأشهر الثلاثة الماضية، سردن لي ما قد يشيب بسببه شعر الرأس، لدرجة أنني كنت في أحيان كثيرة أنسى نفسي وتخونني دموعي، لما يشاركنني به، لأجد نفسي وبكل جدية ومسئولية، أقطع عهداً على نفسي أمامهن بعدم ذكر أسمائهن لما قد يسببه ذلك لهنّ من إحراج، وربما قتْل على خلفية ما يسمى شرف العائلة كما أبلغتني خمسٌ منهن.
سماح تتزوج وهي في الثالثة عشرة
تبدأ سماح من يافا وهي الآن في الثامنة عشر من عمرها، وأم لثلاثة أطفال أكبرهم في الثالثة وأصغرهم ابن عام، بالحديث "للمدينة" بصوت أجشّ ودموع قانية حمراء: "تزوجت عندما كنت في الثالثة عشر من عمري من شاب يكبرني بعشرين عاماً، من أسرة ميسورة الحال وفي البداية فرحتُ جداً بالفستان الأبيض وبالذهب، وفرحتُ أيضاً بالتفاف الكل حولي وبالحفلة التي أقيمت على شرف زواجي، ولكن سرعان ما أفقتُ من الصدمة وسرعان ما اكتشفتُ أنني أفقد براءتي وطفولتي، وتُلقى عليّ مسئولية، وأنا لازلت طفلة، الطبخ والنفخ والخدمة والولادة وتربية الأطفال.
وتتوقف طويلاً لتشعل سيجارة راحت تنفث دخانها بعصبية وارتباك، وتلعن وتشتم ذويها الذين على حد تعبيرها: "كان يجب أن يرفضوا تزويجي، كان يجب عليهم حمايتي"، وتعترف بمرارة أنها انفصلت عن زوجها بسبب عدم التفاهم والمشاكل اليومية.
عبير: "بعد الدخلة بدأت رحلة العذاب"
عبير، اثنان وأربعون عاماً من اللد، مطلقة وأمٌّ لثلاث بنات، قالت "للمدينة": "تزوجت للمرة الأولى في سن الخامسة عشرة من ابن عمي، بعد أن أجبرني أهلي على ترك مقاعد الدراسة، فالزواج على حسب قول أبي هو نصف الدين وسترة للبنات، ولا سيما أننا عشر أخوات، فهو أراد أن يتخلص منا، وطبعا كنت طفلة لم افهم ماذا يعني الزواج، حسبتُه مجرد لعبة كلعبة بيت وبيت، التي كنا نلعبها في حوش الدار، وبعد "الدخلة" بدأ مشوار عذابي، فقد كان ابن عمي يستمتع بإذلالي وضربي والتحكم بي، كان شديد الغيرة يحبسني بالبيت وحدي لساعات طويلة. حدّث أمي بما يصدر عنه من سلوك تجاهي فما كان منها إلا أن صفعتني بقولها: "الرجل لا يعيبه شيء، أتريدين فضحنا، أنت الآن زوجته وله كل الحق أن يضربك ويربيك".
"أنجبت منه ثلاث بنات، وفقط هذا العام امتلكت القوة وأرغمته على تطليقي مقابل أن أتنازل له عن كل شيء، رغم انه وصلتني عشرات الرسائل التي تهدّدني بالقتل إن أنا طُلقت منه" وأضافت: "أنا أخون زوجي منذ أربعة سنوات، فلدي عشيق يصغرني بخمسة سنوات من حيفا، تعرفت عليه عن طريق الـ"تشات" بأحد المواقع الإسرائيلية المشهورة، أعرفة منذ ثلاث سنوات، وكنت ألتقي به كل أسبوع قبل طلاقي بأحد مطاعم شارع بن جوريون المشهورة، وبعدها نمارس الحب معاً في بيته، وسأستمر معه حتى إن لم نتزوج، يكفيني أن هذا الرجل اخترته وأنا بكامل نموّي ووعيي وإرادتي".
شيرين: "معظم المعلمات والمعلمين رقصوا في عرسي"
شيرين، ستة عشر عاماً من الرملة، تزوجت قبل ثلاث سنوات، تقول للمدينة: " لم يتركوني أكمل الصف الثامن، فرحتُ بالبدلة البيضاء ولم أجد من ينصحني بالعدول عن الرأي، ولا سيما أن معظم المعلمات والمعلمين رقصوا في عرسي. لغاية اليوم تعرضتُ مرتين لإجهاض نتيجة موت الأجنة في بطني". وتضيف وهي تبكي: "زوجي للأسف رغم كونه أكاديمي، إلا انه يتصرف كحيوان كل يوم مع امرأة مختلفة، يخونني إما مع روسية أو بولونية وإما مع عراقية".
من الملفت للانتباه ان الجمعيات والمؤسسات العربية بالرملة، لم تكلف نفسها ولو لمرة واحدة أن تستنكر هذه الظاهرة الآثمة، بل هذه الجريمة التي يرتكبها الأهل بحق بناتهم، والبعض منهم يرتكزون إلى أمور هامشية وينشئون أجيالاً متأسرلة دون وعي وطني أو اجتماعي، كما تفعل إحدى النويديات في الرملة للصبايا والشباب العرب المهمشين، الذين يأتون من أسر فقيرة ومهمشة، ومع مشاكل اجتماعية واقتصادية وتربوية، والتي تعلم الفتيات والشباب أغاني صهيونية بحتة، مثل "هافا نجيدا هافا وعام يسرائيل حاي ويروشاليم مذهاب"، وبالمقابل انعدام تام لمحاضرات ومتابعات ونشاطات، وتعامل بعنجهية وعدم اكتراث مع الأولاد، بينما نجد أن جمعيات عربية بحيفا وبلدات اخرى يحاربون هذه الظاهرة بكل جدية وصلابة وعناد، عبر نشرات تثقيفية ومحاضرات بالمدارس، وتوعية للأهالي كجمعية السوار وكيان وغيرهم.
مخاطر الزواج المبكر
إذا أردنا أن نعرف ما هي المخاطر الناجمة عن الزواج المبكر فهي كثيرة ومنها كون الأم في طور المراهقة، قد تتعرض للوفاة بسبب الحمل الناجم عن زواج مبكر، هذا وقد تتعرض للإجهاض ووفاة الأجنة، فالمرأة في سن المراهقة ليست مهيأة للحمل والولادة نفسياً وجسدياً، فالحمل يجهد جسد الأم ويجعله عرضة للتعب والإرهاق وفقر الدم، فكيف إذا كان هذا الجسم لم يكتمل نموه بعد ولم يأخذ أبعاده، إضافة إلى ذلك فإن كثرة الولادات تجعل المرأة قريبة من مرحلة الشيخوخة في سن مبكرة، والمولود لن تكون بنيته سليمة وقوية، وسيتعرض لإعاقات في حياته بسبب عدم اكتمال نموه الطبيعي في رحم أمه.
يمكن اعتبار ما سبق ذكره مخاطر صحية للأم والجنين، أما المخاطر الاجتماعية فإنها تتجلى في زيادة عدد أفراد الأسرة التي ترهق الأب والأم في المجالات كلها، سواء في عملية التربية والتنشئة، أو في تلبية احتياجات الأطفال المادية والضرورية، وبالتالي يشكلون عبئاً على المجتمع، من حيث تأمين الخدمات الصحية والاجتماعية والاقتصادية، فالفتاة التي تتزوج باكراً تمتد لديها فترة الخصوبة فترة طويلة، وتكون معرضة لإنجاب أطفال أكثر، وهذا يؤدي إلى دفع المرأة لتحمل أعباء كثيرة قبل نموها الجسدي والعقلي.
وحسب كل المعطيات فأن الزواج المبكر في أغلب الحالات يؤدي إلى الطلاق، وذلك بسبب عدم معرفة الزوجة كيفية التعامل مع الزوج، وضعف خبرتها باحتياجات الأطفال وبطرق العناية بهم، وهذه الحالات الفاشلة تؤدي إلى تفكك الأسرة وضياعها. وإذا اعتبرنا أن الأسرة هي لبنة المجتمع الأولى والأساسية، فبالتالي نجد أن المجتمع قد تفكك أيضاً، وكلنا يعلم ماذا يعني تفكك مجتمع!