هل كان الأديب الراحل عبد السلام العجيلي وحده أيقونة للرقة..؟ في الحقيقة ثمة ما يشي بأن الرقة، هذه المدينة الصغيرة الغافية على يدي الفرات، تزين صدرها اليوم بعدد لا يحصى من القلادات الملونة لا تبدأ بحمود الموسى (مدير الثقافة)، ولا تنتهي بأنس العلي وماجد العويد وإبراهيم الخليل وإبراهيم الزيدي ويوسف الدعيس ومحمد جاسم الحميدي ونجم الدرويش وعبد الحميد الخلف وفوزية المرعي وشيرين زائل وغيرهم، الذين شكلوا فريق عمل متجانس همه إنتاج ثقافة متميزة، وكان لهم ذلك، إذ تحولت الرقة، خلال سنوات قليلة، إلى محجٍّ ثقافي يؤمُّها المبدعون والمثقفون العرب من كل الأرجاء.
الرقة، تمارس اليوم الفعل الثقافي كما ينبغي له إلى الحد الذي باتت حديث المثقفين السوريين والعرب كظاهرة ثقافية قل نظيرها.
من المؤكد أن العجيلي قد ساهم في إعادة الرقة إلى جغرافيا الثقافة، لكن ما هو أكيد أيضاً أن حصة الرقة من هذه الجغرافيا قد ازدادت مع هذه (الكتيبة الثقافية) لتتسع الملامح التاريخية والأخلاقية والفكرية لأهلها الطيبين.
من يجرؤ على فعل ما تفعله الرقة اليوم؟
فقط سأذكّر أن عدد المشاركين في مهرجان الرواية، عدا الإعلاميين والضيوف, قد ناهز الأربعين روائياً وناقداً، كان منهم خمسة عشر سورياً فقط، أما الباقون فقد كانوا من مختلف البلدان العربية إضافة إلى تركيا.
من يجرؤ على استضافة هذه الأعداد الكبيرة لأربعة أيام وميزانيته الثقافية لا تكاد تغطي الإنفاق على نصفهم؟
قبل أسبوع واحد كانت الرقة قد انتهت تواً من استضافة المهرجان المسرحي الذي دام ثمانية أيام.
وقبله كانت هناك مهرجانات مختلفة ومتنوعة.
من ينفق على هذه المهرجانات الثقافية الضخمة في ظل ميزانيات محدودة؟
سؤال لطالما تم طرحه، وكانت الإجابة معروفة: الأهالي وأصدقاء الثقافة وبعض الفعاليات الاقتصادية وبعض المؤسسات الحكومية.
الرقة، درسٌ ثقافي ناجح بامتياز، فهل يتعلم منه الآخرون؟
فعاليات اليوم الأول
برعاية الدكتورة نجاح العطار، وبعد حفل الافتتاح مباشرة، الذي تخلله، إضافة إلى الكلمات الرسمية، عروض فنية من التراث الفراتي، بدأت فعاليات مهرجان الرواية بنسخته الثالثة والتي جاءت تحت عنوان (الفنون والأساطير في الرواية العربية) وقد تضمن برنامج عمل كثيف توزع يومياً إلى جلستين صباحيتين وجلستين مسائيتين.
الكتابة نبش للمستور
قدمت الروائية السورية الشابة روزا ياسين شهادة خلابة كانت أشبه بهذيان أدبي استعرض السيرة الإبداعية لها، متوقفاً عند أهم المفاصل الأساسية لتشكلها الروائي: "صدّقت، ويا لجهلي، أن درب الثقافة هو درب الديمقراطية، لأصدم بالثقافة العربية، بنسختها السورية، أصطدم بالإقصاء، بالصعود على أكتاف الآخرين، بالاقتناص المحموم للفرص، وما إلى ذلك... اليوم بتّ أقتنع أيضاً أن الكتابة التي تنعطف عند كل محرم، تدور حوله متجنبة إياه كلغم، باسم الحياء العام، والحشمة الأخلاقية لا تستحق اسمها، لأنّ الكتابةَ نبشٌ للمستور، فضحٌ للمسكوت عنه..".
الأسطورة تراث إنساني
كما قدم الروائي السعودي يوسف المحيميد شهادة كانت أشبه بموقف معرفي وفكري من الأسطورة، ودورها في تشكيل ذائقته الإبداعية، مؤكداً أن العالمية هي إحدى أهم سمات الأسطورة وهذا ما يجعلها متاحة للجميع: "هل نبتت الأساطير في ذاكرتي منذ كنت أسمع من أختي الكبرى أساطير الزير سالم وعنترة والمقداد الكندي وألف ليلة وليلة.. ثم تقافزت من رأسي حين أردتُ الكتابة..؟ فاستلهام الأساطير، ومنها أسطورة جلجامش في رواية (فخاخ الرائحة) جاءت من منطقة اللاوعي، ودون قصد، وأنا لا أسأل الأسطورة: هل هي حقيقية؟ بل أسأل: ما المقصود بها؟ هل اقتصر على توظيف الأساطير المحلية فحسب، أم أن الأسطورة في العالم تراث إنساني متاح للجميع، وهذا ما أميل إليه..".
مسارات السرد العربي
الروائي المغربي سعيد يقطين قدم بحثاً أكاديمياً متقناً تتبع فيه مسار السرد العربي في علاقته مع وسائط التواصل، متوقفاً عند الرواية بصفة خاصة،التي شهدت تحولات كثيرة في أنواع الكتابة وأساليبها، وذلك استجابة لحاجات التحول التي عرفها العربي في تاريخه الطويل مع السرد المجلسي كان العربي يعيش تحت وطأة الزمن. فكان السرد وسيلة لمواجهة الزمن وتقصيره وكان البعد الجماعي والشفوي المباشر الأداة الأساسية لتحقيق ذلك.أما مع السرد الكتابي، فكان البحث عن الإمتاع والاعتبار المحور الذي بنيت عليه الأنواع السردية العربية المختلفة، من الخبر إلى السيرة الشعبية. وتأتي الرواية في العصر الحديث، وتحت تأثير الوسائط المتعددة، لتلعب دور الاستكشاف والبحث عن حقيقة الواقع ودلالاته الضائعة أو الغائبة، فكانت الرواية الورقية المطبوعة مصاحبة للقارئ أينما حل وارتحل وهو يسعى من خلالها استكشاف عوالم دائم التساؤل عنها. أما الرواية المترابطة، التي لما تكتب عندنا بعد، فستأتي لتختزل كل التجارب السردية العربية، لأن الوسائط المتفاعلة توفر إمكانية تحقيق ذلك، فاتحة بذلك أفقاً جديداً للكتابة والإبداع. ويمكننا الإشارة إلى أن هذه الرواية ستكون في آن، بالنسبة إلينا نحن العرب، بحثاً عن زمن آخر غير الزمن الذي نعيش فيه، وكشفاً واستكشافاً لواقع افتراضي، هذا الكشف وليد الحاسوب والفضاء الشبكي الذي يتيح إمكانية الانغمار في عالم متعدد ولانهائي ومفتوح على كل الاحتمالات الفنية والدلالية..".
التجريب تدمير للسائد
حاولت د. زبيدة القاضي (سورية) أن تثبت من خلال قراءتها لرواية نبيل سليمان (مجاز العشق) أن التجريب في الرواية مقترن بالأسئلة التي تسعى إلى تدمير سلطة السائد بالبحث عن إجابات جديدة، تحمل دون شك بذور أسئلة أخرى، وهذا ما يقتضي من الروائي البحث عن الشكل الفني الجديد الذي يحقق له الخصوصية والتفرد وصولاً إلى تحول هذه المساءلة ذاتها إلى فضاء للكتابة ذاتها "الرواية هي (ملتقى النصوص) بتعبير جماعة (التناص)، ولذلك فإنها تتسع بطبيعتها لمختلف الأجناس والفنون، تستطيع أن تعبر الأزمنة، لتستحضر التراثي والحداثي، والإخباري والتصويري، وتدمج العناصر المتباينة لتشكل منها نسيجاً جديداً مختلفاً.
الرواية شكل غير ناجز، وخارج عن أية قوانين صارمة أو نهائية..
الأحمر والأسود
أما الناقدة العراقية د. وجدان الصايغ فقد ولجت في بحثها (الرواية الأنثوية وثقافة اللون) إلى حيث ما يمكنها من الانتصاف لأدب الأنثى وذلك بالتقاط إحدى أهم مميزاته وهي اللون الذي طغى على كتابتها، التي تلونت غالباً بلونين هما الأحمر الأسود (الدم والظلام)، وهما ما شكلا الذاكرة الجمعية للمرأة.
وحسب د. الصايغ، فقد استعار الرجل هذين اللونين من المرأة ليدخلها في ذاكرته الجمعية رموزاً مفتوحة الدلالة للدم والظلام.
جدير بالذكر أن د. الصايغ، ولدعم فكرتها، عرّجت على عدد من الروائيات كان منهن أحلام المستغانمي وميسون صقر وعفاف السيد وهند هيثم.
الأساطير حولنا أكثر مما نتوهم
حاول الأديب والناقد المصري د. مجدي توفيق تعقُّب المفاهيم النظرية المختلفة للأسطورة وأشكال تحققها وحضورها في الأدب وفي الواقع، مستعرضاً في الوقت نفسه العديد من الأبحاث والدراسات التي قامت برصدها وتبيان تشابكاتها وعلائقها في الأدب الشعبي والخيال العجائبي والسرد الروائي وتجارب الكتابة الحداثية: "إن الطرق الشائعة في فهم الأسطورة لا تساعد على إدراك حضورها الهائل في عالمنا المعاصر، بل توهم أن العصرَ الحديثَ، بفضل العلم والتكنولوجيا، قد نفض يديه منها؛ فهي لا تزيد عن أن تكونَ حكاياتٍ عن الخوارق عرفها القدماءُ والشعوب البدائية، وهي ذات وظائفَ معرفيةٍ، واجتماعيةٍ، ونفسيةٍ، فحسب.
إن الأسطورةَ خطابٌ سرديٌّ يَطُلُّ من خارج على العالم المنطقي الواقعي..إن الأساطير حولنا أكثر مما نتوهم..".
التأزم الحضاري في روايات خيري الذهبي
كذلك فعل الأديب والناقد السوري د. عبد الله أبو هيف في قراءته لثلاثية خيري الذهبي (التحولات) عندما قام بإجراء نبش معرفي للمستويات الفنية والفكرية لهذه الرواية وصولاً إلى تأزمها الحضاري الذي هو تأزُّم عربي عام رغم أن الرواية قد اختارت دمشق زمناً ومكاناً لها.
لوقيانوس السيمسياطي
تحدث الروائي السوري خيري الذهبي عن لوقا، الكاتب الإغريقي، السوري الأصل، وتأثيراته على السرد العربي الأول، كألف ليلة وليلة وسيف بن ذي يزن وعجائب المخلوقات للقزويني وفريدة العجائب لابن الوردي وغيرها، وكذلك على الكثير من كتاب العالم، منتقلاً إلى تأثيرات لوقا على نصه شخصياً، متوقفاً عند عبور الأسطورة للأديان واختراقها للشعوب والأزمان والذاكرة: "أليس عجيباً هذا اللوقا الذي ترك أثره في رحلات غوليفر وفي غارغانتوا وبانتاغرويل وفي رسالة الغفران، وما يزال يصنع أثره في الكتاب جيلاً بعد جيل، وما يزال محجوباً عنا في لغته اليونانية، رغم إعلانه المتكرر عن سوريته".
فعاليات اليومين الثاني والثالث:
حاول الروائي المصري عزت القمحاوي طرح قضية التعالق بين الرواية والأسطورة، فالرواية التي أرادت أن تمهد لإنسان الأزمنة الحديثة، وجاءت هجائيةً لاذعة لآخر تجليات العجائبي والخارق متمثلاً في روايات الفروسية في ذلك العصر، هي ذاتها ترسخت مكانتها كملحمة جديدة "في الوقت الذي تعمَّد فيه سرفانتس السخرية من أساطير عصره، جاء بطله أكثر شبهاً بسيزيف، وبعده بنحو ثلاثائة عام سيحارب بطل موبي ديك الحرب العبثية ذاتها ضد حوت في البحر، ومن بعده بحار همنجواي وغيرها من روايات تثبت أن روح الأسطورة لم تخرج من جسد الملحمة إلا لتتلبس الرواية..".
الأسطورة والأسطرة
سعى الناقد السوري د. أحمد جاسم الحسين من خلال قراءته لروايات الأديبة السعودية رجاء العالم لإثبات أن توظيف الأسطورة هو جانب تجديدي يحسب للروائيين الذين يعملون باستمرار على تجديد أدواتهم الروائية كاللغة والرؤية والتقنيات والفكرة: "الرواية في تعاملها مع الأسطورة تكشف عن قدرة على استثمار الموروث، وفي الوقت ذاته التعاطي مع الواقع الذي ندبت نفسها لمعاقرة تاريخه بوجهيْه: المهمش بلفت النظر إليه، والمكرس بتقديم قراءات جديدة..".
إعادة إنتاج الأسطورة
كذلك فعل الأديب المصري سمير الفيل عندما قدم بحثاً محكماً عن رواية (مدينة اللذة) للروائي عزت القمحاوي، متوقفاً عند الجماليات التي منحتها الأسطورة للسرد الروائي وتنامي الخط الدرامي: "ينطلق الكاتب من مفهوم محدد لصياغة النص، فهو يرتكز على مخيلة خصبة ويشكل من خلالها أنساقاً مادية، ورؤى أسطورية، ومسارات تصويرية فتتحدد ملامح المدينة، وتصبح كائنة يمكن أن نحدد معالمها، ونجوس في شوارعها ونتخطى ميادينها بعد أن أدركنا جغرافيتها إدراكاً قوياً..".
مشكلات الرواية السورية
الروائي السوري عمر قدور اشتغل بجدية على توصيف معاناة الرواية السورية وأهم مطباتها الفنية التي جعلت مسيرتها عرجاء عدا تشتتها وتفككك أوصالها بسبب الانشغال عن قضايا الرواية لصالح قضايا سياسية فات أوانها "اكتشاف الروائي في التاريخي" وعدم قدرتها على الانفتاح على الفنون الأخرى ومحدودية شبكة العلاقات الموجودة في الرواية، ما يجعل الفضاء الروائي أقرب إلى البساطة الريفية منه إلى التنوع والغنى والكثافة المدينية (ترييف الرواية) وحضور الإيديولوجيات بقوة، إضافة إلى مشكلة اللغة. فأغلب التجارب الروائية لم تفلح في اقتراح لغة سردية مستقلة عن الإرث البلاغي للشعر، أو مستقلة عن الإرث الإنشائي عموماً، وفي بعض الأحيان وقعت هذه اللغة في مطب التقريرية، أما العلة المزمنة فهي الانحسار شبه الكلي للنقد الحقيقي.
العجيلي ليس عابر سبيل في الحياة
الروائي الفلسطيني رشاد أبو شاور حاول استعادة العجيلي، بوصفه أديباً كبيراً وإنساناً عظيماً أحب جيداً أهله ووطنه، وبوصفه رجلاً سعى لأن لا يكون عابر سبيل فقط في هذه الحياة.
كل ذلك حاول أبو شاور استعراضه من خلال رواية العجيلي (قناديل أشبيليّة) التي عكست بوضوح أصالة الروح العربية لدى الراحل العجيلي: "قصّة مكتوبة بروح عربيّة, بفّن قّص عربي ،بحكمة شرقيّة عميقة، بشعر وسحر، بلغة تأخذك إلى عالم قصصي يبنيه القّاص كلمة كلمة بسلاسة، فيستدرجك إلى عالم قناديل أشبيلية، محييّاً ذلك الزمان، زمان الوصل بالأندلس الذي مضى ولن يعود..".
الأسطورة في مواجهة الواقع
تجنبت الروائية السورية أنيسة عبود الابتعاد عن الأسطورة كمعطى ثقافي أو أيديولوجي مع حذر واضح من الدخول في لعبة التعاريف، مركزة على إبراز حضور الأسطورة في أعمالها الأدبية، مؤكدة أن استخدام الأسطورة في العمل الروائي يختلف من مبدع إلى آخر، كما تختلف تأويلات الأسطورة ومرجعياتها من نص إلى آخر، معترفة أن الأسطورة تضيف إلى النص بدائل كثيرة تغني عن المباشرة وعن السطحية لاسيما في المواجهة مع الواقع وفي إثارة أكبر الأسئلة وفي خلخلة يقينيات الماضي: "حاولت في رواياتي وفي كتابتي للقصة أن أمشي الهوينى مع عالم الأسطورة الخطر والمفزع كي يتسنى لي الخروج منه بأقل الطقوس الراسخة نحو طقوس الإبداع..".
تحولات الخطاب الروائي العربي
تمكن الناقد المصري د. صبري حافظ من تقديم بحث نقدي فكري متماسك بيّن فيه بدقة المراحل الأساسية لمسيرة الرواية العربية حتى تسعينيات القرن الماضي، متوقفاً عند ثلاث مجموعات من المتغيرات المتداخلة، أولها مجموعة التغيرات الحضارية، وبضمن ذلك التغيرات التاريخية والاجتماعية والنفسية والقومية. وثانيها مجموعة التغيرات المتعلقة بموقف الكاتب من تراثه النصي، ووعيه بهويته وهوية النص الذي يبدعه، وبنوعية الحوار الذي يجريه النص الروائي مع هذا التراث: سواء أكان هذا الحوار بالقطيعة معه أم بالاندماج الكامل فيه. وثالثها مجموعة المتغيرات الفنية المتعلقة بطبيعة الاستراتيجيات النصية ودلالات الشكل، والوظائف الفنية المختلفة التي يستخدمها الكاتب في نصه الروائي. ومن خلال هذه المجموعات الثلاث المتداخلة والمتفاعلة تكشف الدراسة عن طبيعة التغير الذي انتاب قواعد الإحالة، إحالة النص الروائي إلى الأطر المرجعية التي ينبثق عنها، ونوعية الحوار الذي يقيمه معها، والذي يشارك في بلورة وعيه بذاته وبطبيعة الدور الذي يؤديه في الواقع الاجتماعي الذي صدر عنه.
ما تحت الأدبي في النص الروائي
منذ البداية عمدت الأديبة السورية د. شهلا العجيلي إلى تحديد مفهوم مصطلح ما تحت الأدبي وما يتضمنه (الأساطير، المخزونات الثقافيّة، الأغاني الشعبيّة، الأهازيج، المواويل، الأمثال، الحكايات، المقالات الصحفيّة، المدوّنات، المقولات التراثيّة) ناظرة إليها بعين الريبة نتيجة سطوتها المتزايدة على النصّ والخشية من تأثيراتها على أدبيّة الأدب وكذلك لتزايد توظيفها في الدراسات الثقافية ذات النزوع الاستعماري، خصوصاً بعد سقوط الأيدلوجيات الذي ساهم في انتشارها في النص الأدبي للإثنيات والأقليات: "تميل الأنساق المعارضة الإثنيّة منها والدينيّة إلى استخدام ما تحت الأدبيّ بكثرة لاسيّما الأسطورة، وأسطورة تكوين النسق بخاصّة، وذلك لإثبات النسق حقوقه التاريخيّة في الوجود، والسيادة أمام الأنساق المسيطرة التي تهمّش ذلك الوجود، فأسطرة الحضور الإثنو ثقافيّ، واستعمال الأسطورة، بل وصناعة الأسطورة أيضاً، أو ما يسمّى بالأسطورة الثانية، من أكثر الثيمات الفنيّة شيوعاً في نصوص الأنساق المعارضة..".
الأسطورة تجربة الإنسان
حاولت الباحثة المصرية دعاء صالح من خلال قراءتها لرواية الأديب المصري محمد مستجاب (إنه الرابع من آل المستجاب) القول إن الأسطورة قادرة على أن تصبح ممثلة لتجربة الإنسان الماضية في حياته بجميع صورها وفي محاولته أيضاً بناء فعل جديد يقيم به مستقبله. و لقد استطاعت أسطورة إنسان ما قبل عصر الكتابة أن تعبر الماضي إلى حاضر الإنسان المعاصر، وأن تمنحه رؤى جديدة للمستقبل.
سرود ملونة
أعادت الروائية المصرية عفاف السيد أجواء جلسات هذا اليوم إلى أجواء الأدب بعد وجبة دسمة من النقد والتنظير الأدبي، وذلك بقراءتها لنماذج من نصوص أسطورية عتيقة، كما قدمت نفسها وتجربتها الأدبية بشكلها وتفاصيلها الغارقة في الطقوس الأسطورية.
فعاليات اليوم الرابع
في هذا اليوم اقتصر برنامج المهرجان على جلستين مسائيتين فقط، إذ نُظِّمت رحلة للضيوف لزيارة المواقع والمدن الأثرية المنتشرة في الرقة.
كما تجدر الإشارة إلى أن العديد من الأدباء قد اضطرتهم ظروفهم للتغيب عن المهرجان، إلا أنهم أصروا على المشاركة فيه، فأرسلوا مساهماتهم التي قرئت على المنبر بأصوات العديد من الأدباء الحضور، من هؤلاء الغائبين- الحاضرين، كان سعيد بن كراد (المغرب)، والسوريان فواز حداد وغازي حسن العلي، والإسبانية كلارا توماس دِ أنطونيو.
الإبداع فخاخ دائمة
في شهادته الرشيقة حاول الروائي الفلسطيني حسن حميد تبيان أثر الفنون على الرواية، منتقلاً منها إلى الأسطورة التي تمثلت في خرافات جدته: "كنت منحازاً إلى الخيال منذ طفولتي، فأنا أسمعه بأذن ثالثة".
وقد اعترف حميد بأن تقديم شهادة في الإبداع هي كالسير الدائم بين الفخاخ، أما التفكير في الإبداع فإنه فلسفة أخرى لما فيها من تأمل وتخف وتجليات.
بصمة خفية
في شهادته التي قدمها الروائي الأردني صبحي فحماوي كانت فكرة الرواية وأهدافها ومنابع تشكلها واضحة في ذهنه، فالرواية ليست للتسلية والمتعة، كما أنها مصدر من مصادر المعرفة. وعن تجربته الروائية قال الفحماوي: "أنا أعمل على تقديم روايات ممتعة ومدهشة تحمل معلومات مقدمة بطريقة فنية، وقصصي تميل إلى الواقعية السحرية والخيال المجنح..".
بين الشعر والأسطورة
القاص والباحث السوري عمر حمود قدم دراسة متقنة عن كيفية احتفال القاص إبراهيم الخليل بالأسطورة، وخصوصاً في روايته (حارس الماعز). وهذا شكل من أشكال استلهام التراث الذي كان دائماً أحد الانشغالات الأساسية للروائي إبراهيم الخليل.
الرواية ليست مهنتي
في بوح دافئ أطلق الأديب السوري محمد جاسم الحميدي اعترافاته التي جاءت كشهادة: "أنا من أصحاب الرواية التي لا تدخلني في الروائيين، ولكنها لا تخرجني أيضاً. أنا كاتب رواية ولست كاتباً روائياً، فالروايات ليست صنعتي، إنما هو فعل قد مارسته مرة وقد لا يتكرر..".
العجيلي الواقع المؤسطر
في التقاط ذكي نبه الروائي السوري إبراهيم الخليل إلى خطورة الاعتقاد بأن العجيلي واحد وحيد لا يشبهه أحد ولا يشبه أحداً، فالعجيلي مثل كل البشر متأثرٌ بالآخرين ومؤثر فيهم، فهو قد تأثر بالتراث. كما أن تأثيرات أدباء عصر النهضة واضحة في أسلوبه، وخصوصاً عبد العزيز البشري.
التلويح بالكلمات
كان هذا عنوان الشهادة التي قدمها الأديب السوري غسان كامل ونوس، وهي قراءة فاض بها الشعر، قال فيها" "ما تزال الحكاية تتوالد وتتناسخ والعضات تترى، وأي مدى مهما تشاسع أو تضاغط سيكون دون آهات أو نشيج، حتى وإن هدهدَتْه السفوح المتعالية، وشاغلته الأبنية المنتشرة المنشغلة بعوزها وحاجاتها، وراودته الأنهار التي تكاد تنكفئ إلى كآبتها وتغص هي الأخرى بمخلفات تخمة وبقايا نهم وجوع..".
حوارية مع العجيلي
الباحث السوري د. عيسى العاكوب قدم شهادة أدبية ذات طابع شخصي تمثلت في بعض الالتقاطات الفنية التي تمكن من رصدها في أدب العجيلي وشخصه، وذلك من خلال حوار دار بينهما منذ زمن غير بعيد، وفيه تحصل العاكوب على عدد من الإجابات عن أسئلة كثيرة كان قد قام بطرحها على أديبنا الراحل.
بقي القول إن فعاليات اليوم الرابع قد شهدت في جلستها الصباحية لقاء بين الأدباء العرب ووفد أدبي تركي، دار فيه حوار هام حول قضايا الكتابة ومعوقاتها في تركيا والوطن العربي، وقد قامت (النور) بإجراء لقاء مع الأدباء الأتراك سينشر في وقت لاحق.
في الجلسة المسائية كان الأديب عبد الرحمن الحلبي حاضراً في المهرجان مع برنامجه الشهير (كاتب وموقف)، لينهي المهرجان أعماله بكلمات ختام تليق بالرقة وأهلها وثقافتها.