في مهرجان الشعر العربي بالرقة: كم مرّ الشعر من هنا..؟
في مهرجان الشعر العربي بالرقة: كم مرّ الشعر من هنا..؟
بشير عاني
منذ اللحظات الأولى لافتتاح مهرجان الشعر العربي، الذي تقيمه الرقة سنوياً ضمن سلسلة من المهرجانات الثقافية المتنوعة. بدا نضج التجربة وتطورها واضحاً على النسخة الخامسة منه. فعلى سبيل المثال تم الاكتفاء بالقراءات الشعرية والندوات النقدية المسائية بعد أن تخفف المهرجان من الجلسات الصباحية، وهي ما كانت تشكل ثقلاً على المشاركين والجمهور معاً.
كما ظهر التنوع في اختيار فقرات الافتتاح والختام، وكذلك في الأشكال والاتجاهات الشعرية السائدة. وإن لم يخل الأمر من بعض الخلل، وربما المزاجية، في التنظيم وتوزيع المشاركين على الأماكن التي احتضنت فعاليات المهرجان، وهي الرقة والثورة وتل أبيض، إضافة إلى كليتي الآداب والتربية في مدينة الرقة.
ورغم احتشاد هذا المهرجان بأسماء شعرية، سورية وعربية، تمتلك الكثير من التجربة والحضور الشعري، كالشاعر الفلسطيني مريد البرغوثي، والبحراني قاسم حداد، والعراقي عبد الكريم كاصد، والسوريين نزيه أبو عفش وصقر عليشي وغيرهم، إلا أن بعض الجمهور بقي يردد تلك اللازمة المعروفة (حضر الشعراء وغاب الشعر)، وهي لازمة بتنا نسمعها في هذا المهرجان وفي غيره، وفي هذا المكان وفي غيره. وهو الأمر الذي أثار حفيظة أحد النقاد (د. سعد الدين كليب) الذي وقف في إحدى الجلسات النقدية ليدافع عن شعراء هذا المهرجان قائلاً: (إن مطالبة الشعراء بنتاج شعري عالي السوية في كل ما يكتبونه أو يقدمونه في المهرجانات هو أمر غير منصف وغير منطقي، لأن أغلب نتاج الشعراء، وفي كل العصور، متفاوت السوية والأهمية، وإذا ما قمنا بإحصائية للشعر العظيم عبر التاريخ فسوف نجده مقتصراً على أعمال معدودة، أو على قصائد محدودة لكل شاعر، منذ الجاهلية حتى الآن. بمعنى أن الشعر العظيم والخالد قليل ونادر. ونحن نسأل هؤلاء المشككين: هل كل ما كتبه المتنبي كان بمستوى شعري واحد، أو كل ما ثبّته أبو تمام في حماسته، أو نشره أدونيس ومحمود درويش والسيّاب وغيرهم كان يحمل السوية نفسها؟).
مقاربات نقدية:
هذه النسخة من المهرجان جاءت تحت عنوان (الشعر ومسؤولية التنوير)، وهو عنوان لم يثر الخلافات حوله، إلا أنه بدا ملتبساً بعض الشيء ما اضطر الناقد د. رضوان قضماني لاستعادة تاريخية لمراحل التنوير العربية وربطها بالشعر والثقافة عموماً: (الحركة الشعرية جزء من مشروع النهضة العربية، وقد انقسمت إلى الإحياء، ويعني اتباع ومحاكاة السلف في الشعر والأدب، وهي لا تعني التقليد بالضرورة، وقد مثلها الشاعر بدوي الجبل، وهذه مثلت المرحلة الأولى التي أعقبها التجديد، وكان الشاعر عمر أبو ريشة خير من مثل هذه المرحلة، وفيما بعد ارتبط مفهوم التجديد بالتثوير، الذي ارتبط أيضاً بمفهوم الالتزام. ومع نكسة حزيران بدأت تتراجع حركة التجديد لتبدأ مرحلة جديدة أسميها التبشير أو الاستشراف وصولاً إلى قصيدة الرؤيا، ومن ثم القصيدة اليومية).
العنوان نفسه كان المادة الرئيسة والمباشرة للورقة النقدية التي تقدم بها الناقد د. وفيق سليطين، فقد حفلت ورقته بأسئلة نقدية واسعة حاولت التأمل في العلاقة الواسعة بين الشعر والتنوير وإنزالها في المكان المناسب لها، درءاً لذلك الالتباس الذي مازال يدفع البعض للاعتقاد بأن وظيفة الشعر ومهمته هي نقل التنوير، بكيفيات مختلفة، وعلى أرضيات مختلفة، كالشعارات والتعليم وغيرها، فقد (حرصتُ أن أواجه المهرجان بورقة نقدية تعيد تأمل العلاقة بين الفكري والفني، هذا التأمل ضروري احترازاً من إسقاط أحد جانبي العلاقة على الآخر، لذلك نبهت أن الخاصة التنويرية للشعر لا تعمل إلا من خلال طبيعته الجمالية، ولا تؤدي دورها إلا عبر المقومات النوعية للفن.كيف نستطيع أن نبلور هذا الشعار (الشعر ومسؤولية التنوير) في خدمة الشعر؟ ومتى يكون الشعر تنويرياً؟ الشعر لا يمكن أن يتحول إلى قناة تُنقل من خلالها الأفكار إلى الآخر، عندئذ سيتحول الشعر إلى منظومة تربوية أو تعليمية، وهذا يمكن تشبيهه بالشعر التعليمي، ولكنه ليس شعراً.. الشعر يكون تنويرياً ما دام محافظاً على أدواته التي يعمل بها، كطرائق البناء والتخييل الخاصة بالفن، أما إذا انتفت هذه المقومات فليس فيه شعر ولا تنوير).
في الإطار نفسه، حاولت الورقة النقدية التي تقدمت بها د.لطفية برهم أن تقارب العنوان الرئيسي للمهرجان، فجاء بحثها (الشعر المعاصر ومسؤولية التنوير) محاولة أخرى لتأمل الأفكار المتعلقة بالشعر ووظيفته التنويرية، وبدا أن أكثر ما كان يؤرق د. برهم هو مشكلة التواصل بين المتلقي والنص الشعري الحداثي، ولهذا أسبابه، منها الغموض والانفصام الحاصل بين الشكل والمضمون، ومنها تراجع الاهتمام بالشعر.
وترى الباحثة أن المضمون التنويري ينبغي أن يتساوق مع الشكل الداعي إلى التنوير، وعليه فإن ارتجاجاً سيحدث في وظيفة الشعر التنويرية عند وقوع الانفصال بين الشكل والمضمون، لذلك فإن الحلول هي ردم الهوة بين النص والمتلقي وذلك عبر ردم الهوة، اجتماعياً وثقافياً وجمالياً، بين المنتج الشعري والمتلقي بشكل عام.
شعراء وغاوون:
سنة بعد أخرى يتضح التوجه الفني والفكري والاستراتيجي لهذا المهرجان، فالحداثة سمته الأبرز، والاختلاف الذي يؤسس لنمو وتطور المنظومة والأنساق الفكرية، هويته، والاتكاء على الخبرات الثقافية السورية، مع زجّ الإبداعات المحلية (الرقّية) فيها، هي استراتيجية دائمة وضرورية.
ستة وعشرون شاعراً من سورية وفلسطين والعراق والبحرين والأردن وتونس ومصر وتركيا، اعتلوا، لمدة أربعة أيام، منابر في الرقة ومدنها، تنوّعوا ونوّعوا قصائدهم. وكالعادة في معظم المهرجانات، كانت قصيدة التفعيلة الحاضر الأكبر، فيما اقتصرت القصيدة العمودية على مشاركات محدودة، وكذلك كان حال قصيدة النثر.
بعض الشعراء جاء إلى المهرجان حاملاً مشروعه الشعري كما يتصيّر الآن، مجازفاً بقراءة آخر نتاجه قبل التحقق تماماً من استوائه النهائي. وبهذا منح نصّه فرصة أولى للتعرف عليه في عيون المتلقين (نزيه أبو عفش- بشير عاني- صقر عليشي- أحمد الحافظ)، فيما استعاد شعراء آخرون قصائد جُرّبت من قبل وتأكد نجاحها أمام الجمهور (عبد الكريم كاصد- زهير أبو شايب- علاء عبد المولى- بهيجة إدلبي)، في الوقت الذي لم تتوفر لنا فرصة كافية للتعرف على باقي النصوص الشعرية، لأن أصحابها قرؤوها في مدينة الثورة أو تل أبيض فقط.
القصائد الطويلة كانت السمة الغالبة لشعر المهرجان، فالعديد من الشعراء اكتفى بنص واحد طويل، وكان هناك ما هو لافت فيه، كقصيدتي نزيه أبو عفش التي كسرت إحداها النمطي والمألوف في اشتغالها الفني العالي وفكرتها التي تحتفي بالجيل الجديد (الابن)، وكذلك في صوفيتها الباذخة وحلولها (المسيحي) الراقي.
في الوقت نفسه تظل قصيدة صقر عليشي، المهداة إلى الساحر محمود درويش، مركبة فنية فاخرة تسير في أرواحنا بتؤدة، مخلفة وراءها الكثير من غبار الدهشة، لا سيما وقد بدت جلية خبرات الكتابة لدى صاحبها الذي كان ينوّع داخل النص ويتنقل بين الأشكال (النثر والتفعيلة والعمودي) بسلاسة وعذوبة.
الشعر التركي الذي ترجمته خبراتٌ محلية كان إحدى المفاجآت الجميلة للمهرجان، وقد أعطى الصوت الدافئ الرخيم للشاعرة التركية (آتين موطلو) نصَّها أبعاداً شعرية تحاكي إلى حد بعيد الأجواء الخاصة للقصيدة العربية، وهو ما جعل الحضور مستمتعين إلى حد بعيد بهذا الأداء المعبر وهذا الانفعال الصادق.
ثمة نقاد رأوا أن بعض الشعر في هذا المهرجان ما زال غير قادر على توضيح وجه المعاصرة بدقة، وتوقفوا عند قراءة البعض قصائده القديمة. فالباحث ابراهيم محمود يقول: (من خلال إصغائي لنماذج من الشعر في هذا المهرجان وجدت أن السمة الأساسية لمعظم الشعراء هي بروز أنا الشاعر كاسم لا كشعر. وأنا على يقين أن كل شاعر حاول أن يكون معاصراً، ولكن التقديم شيء والمقدم من خلاله شيء آخر. وتبقى هذه المناسبة فرصة لرؤية وجه المعاصرة لدينا، وهو وجه ما زال ينتظر الوضوح أكثر. كما كنت أتمنى من الشعراء المعروفين بقاماتهم الشعرية أن يقرؤوا نصوصاً جديدة. فعلى سبيل المثال، قرأ الشاعر مريد البرغوثي في كلية الآداب قصائد من أعماله الكاملة تعود إلى خمس وعشرين سنة.. هذه القصائد مكتوبة منذ ربع قرن فماذا تُحقق لي اليوم قراءتها؟ آخرون فعلوا ذلك أيضاً ولا أستطيع القول إن ما قدم يجب وضعه جانباً، ولكن من حقي كمتلقٍّ البحث عن الجديد الذي فيه اللهفة والغواية).
ثمة آخرون كانوا أكثر تسامحاً، ونظروا إلى النماذج الشعرية المقدمة على اعتبارها نتاجاً إنسانيا طبيعياً، فالبشر، وبضمنهم الشعراء والفنانون، غير قادرين دائماً على إنتاج أعمال فنية عالية الجودة، وهناك عثرات فنية يقع فيها الجميع، وهذا لا يضرّ التجربة الفنية لأنها تندرج في هامش الخطأ الإنساني، وهو هامش طبيعي ومطلوب. وفي هذا يقول الشاعر نزيه أبو عفش: (نحن الشعراء يجب أن نتحلى بالرأفة، الرأفة النبيلة، ولا أعني بالرأفة الرِّقة والعطف كأن أحزن لمرأى رجل أعرج في الشارع فأرقّ له، أعنى تفهُّم أخطاء وخطايا الآخرين، فالإنسان لا يستطيع أن يكون دائماً في قمة الطلاقة والعبقرية والقوة، لأنه إنسان. فهناك شعراء كبار أنا شخصياً أجل وأقدس قصائدهم، ومع ذلك ثمة قصائد لبعضهم أتمنى لو لم يكونوا قد كتبوها. مهنتنا ممْرِضة، ونحن الشعراء محمومون دائماً، نكتب كي نتعافى، نحن لا نشتغل على الصوابات بل على الأخطاء، وهذا شيء لا يتفهمه الآخرون، فكاتب القصيدة، الجيدة والرديئة، يعيش في الحالتين تحت ضغط الحاجة للتعافي، أي تحت ضغط الحاجة للكتابة لكي يتعافى. بمعنى آخر، نحن كالدجاج عليه أن يصاب بالحمى كي تفقس البيضة التي يرقد عليها، ومن هنا علينا أن نكون أكثر تسامحاً مع الإنسان الذي يشتغل على مرضه.
سأقول لك شيئاً، لو قُيِّض لي اليوم فرصة اختيار ما نشرته لاكتفيت بالنصف، وربما الربع فقط، لكن هذا شيء مختلف عما كنته في تلك الأيام التي نشرتُ فيها كتاباتي السابقة. في وقتها كنت أحس بحاجتي إلى كتابة ما كتبت.. وكانت تلك الأخطاء لي مثلما كانت تلك الحمى لي أيضاً.. وفي وقتها.. علينا أن لا نلتفت إلى الوراء كثيراً، فالشعر حالة اقتراف تتعبنا ولا نستطيع التخلص منها، بل هو ندم دائم وتوبة مستحيلة..).
سقطت الأوزان والقوافي وظل الشعر:
دونما مبالغة أو مجاملة مجانية كان النقد الذي رافق المهرجان في أيامه الثلاثة الأولى على قدر المسؤولية، محكماً ورفيعاً، وقد كاد إلى حد ما أن يسحب البساط من تحت أقدام الشعراء.
امتازت الأبحاث النقدية بتنوعها وتكثيفها وابتعادها عن التنظير الفائض، وبهذا فقد استدرجت الجمهور لمتابعتها وإغنائها بالحوار، وقد ساعد في هذا التحديد السبق للزمن المعطى للناقد والمحاور، وهذا ما خلَّص المهرجان من بعض الترهل والمطمطة التي كانت متعبة للمهرجانات السابقة؟
ففي ورقة سعد الدين كليب التي جاءت بعنوان (مفهوم الجمال في الحداثة الشعرية) حاول تبيان فكرة مفادها أن الجمال هو المفهوم الأبرز في المنظومة الجمالية العامة، مؤكداً حقيقة أنه على الرغم من أن الممارسة الجمالية هي ممارسة فردية في الأساس، فإن المزاج الفردي لا يستطيع وحده أن يؤثر في تلك المنظومة. فالحركات الاجتماعية والجمالية الجذرية هي الأكثر قدرة على التأثير سلباً أو إيجاباً في المنظومة السائدة. ومن ذلك حركة الحداثة العربية والشعرية، التي لها منظومتها الجمالية، المفارقة للمنظومة العربية الكلاسيكية، والتي كانت مهيمنة عبر التاريخ الجمالي العربي.
ويرى د. كليب أن الجمال في الحداثة الشعرية يتحدد بمقولة أساسية هي مقولة الحرية، بمعنى أن جوهر الجمال يكمن في الحرية، سواء أكان ذلك في الطبيعة أم في المجتمع أم في الفن.
وعليه فإن الظاهرة التي لا توحي بالحرية لا توحي بالجمال أيضاً، من هنا فقد ارتفعت مقولة الحرية، من أنها مقولة فلسفية وأخلاقية وسياسية، إلى مستوى القانون الجمالي الذي لا ينظم الجمال فحسب، بل ينظم أيضاً التقويمات الجمالية كافة. وينبه د. كليب إلى أنه على الرغم من الأهمية القصوى للحرية في الجمال الحداثي، إلا أنها لا تحدد وحدها مفهوم الجمال، إذ ثمة سمات ثانوية ضرورية ينبغي أن تتوافر كي لا يدخل الموضوع في ملكوت الجمال، وهي الحيوية والتميّز والإيحائية.
أما في (سر الآلهة) فقد حاول الباحث السوري إبراهيم محمود أن يناقش جانب اعتبار الشعر مادة إنسانية إبداعية متفلتة من الزمان والمكان. فالشاعر، حسب الباحث، هو الذي ينقلنا إلى الجانب الأرحب بسب تركيزه على اللامحدود واللازماني، فتاريخ الشعر افتراضي ولهذا نلجأ إلى التأويل..
الشعراء هم الحكماء، وهم الذين يبشرون بقدوم الفلاسفة، أو أنهم عتبة للفلاسفة القادمين، وليس للشعراء خاصية معينة، فالشاعر كوني، بل إن في كل شاعر كماً هائلاً من الشعراء والحكماء. من هنا فإن شعراء المعلقات يمثلون قلادة الفلسفة العربية، كما أن برومثيوس، الذي سرق نار الآلهة، قام بتقديم كبده للنار، وفي هذا تفسير (للكبد الحرى) وهي إشارة رمزية للحرائق التي يرمي فيها الشاعر نفسه باستمرار كيما يتحول إلى نور.
من جهة أخرى يرى إبراهيم محمود أن الشاعر يسعى إلى المعاصرة من خلال التنوير، فالشعراء الذين يكملون القصيدة هم الشعراء الذين يشتركون في عدة صفات، كحالة الاغتراب وحالة التوق والتمرد وغير ذلك. وبهذا كان الشعراء أول جمعية (مشاكسة) في هذا العالم تعمل ضد الحشمة والتقاليد و الأعراف.
إن تحولاً كبيراً وهائلاً قد تم في الشعر، هذا ما يخلص إليه إبراهيم محمود، الذي يؤكد أن هناك حداثات، لا حداثة واحدة في الشعر، قد حصلت في الشعر العربي، وهذه الدحاثات ليست تاريخية، فقد نجد المتنبي معاصراً لنا أكثر من شاعر نعيش معه، كما يمكننا اعتبار أبي نواس تراثياً وحداثياً في نفس الوقت، فقد تمكن من ابتكار تراثه الخاص، رغم إيغاله في التراث العام.
ويختتم الباحث ورقته، معترفاً بأننا لا نستطيع العيش دون الشعر،معدلاً في ذلك جوهر مقولة ابن رشد الشهيرة: تموت روحي بموت الفلسفة، لتصبح: تموت روحي بموت الشعر.
أثارت الورقة النقدية التي تقدم بها التونسي د. حاتم الفطناسي اعتراض السوري د. رضوان القضماني، الذي رأى أن الفطناسي طوّح بالمنجز الشعري وبالتاريخية عندما أجرى مقارنة خاطئة بين أدونيس وأبي القاسم الشابي. وكان الباحث التونسي قد أجرى تلك المقارنة في سياق بحث عن دور التغريب في التنوير والحداثة الشعرية العربية، مستشهداً أيضاً بنماذج شعرية أخرى من المشرق والمغرب العربيين.
وفي حديث خاص لـ (النور) يقول الفطناسي (لقد فهم د. رضوان كلامي فهماً خاطئاً، فالمقارنة بين الشابي وأدونيس جاءت لتوضيح أن لكليهما مشروعاً شعرياً خاصاً به، ولم تكن بهدف وضعهما في سياق فني واحد، لأن هذا غير ممكن، سواء من حيث المنجز أو التاريخية، فأدونيس صاحب مشروع شعري متكامل، فيما لا يمتلك الشابي سوى مجموعة شعرية وحيدة.
أما حول اعتراضه على استخدامنا لمناهج النقد الحديثة فقد أوضحنا أننا نستعمل هذه المناهج في مقاربة النصوص، لالكي نتعكز عليها في نقد المنجز الشعري).
كما قدم المصري د. محمود الضبع ورقة نقدية تناولت الشعر المعاصر وآليات التلقي، وفيها حاول الوقوف عند العديد من القصائد التي شارك أصحابها في مهرجان الشعر الخامس. ويقول الدارس: سقطت القافية وظل الشعر، وسقطت بعض بحور الشعر وجاءت قصيدة التفعيلة وظل الشعر. ثم سقط الميزان الشعري وجاءت قصيدة النثر، وظل الشعر..
وفي حديث خاص يقول د. الضبع عن قصيدة النثر: (فكرة الشكل ليست هي جوهر الشعر الوحيدة، وليست هي ما يجب أن نبحث عنه، ما نبحث عنه حقاً هو كيف تتشكل الشعرية المعاصرة وما جماليات هذا التشكل؟ المشكلة الحقيقية لدى العربي هي أن علاقته بالشعر تاريخياً هي علاقة الإلحاح على الأذن والتلقي السماعي. أنا أفترض أن الحياة ستطرح شكلاً رابعاً للشعر، متى وكيف.. ما هي ملامحه وكهنه؟ هذا ما لا أستطيع تبينه، لكنني موقن بأن التطور لن يقف عند حدود قصيدة النثر التي ستصبح هي الأخرى تراثاً أدبياً.
المشكلة الأساسية لقصيدة النثر أنها تحتاج إلى إلحاح على الأذن العربية التي اعتادت على الإيقاع النغمي العالي، ولم تعتدْ على إيقاع قصيدة النثر الداخلي الخافت.
إن كنا صادقين مع الشعر فيجب علينا أن لا نشغل أنفسنا بنقاش الشعرية، هل هي في العمودية أم التفعيلة أم النثر، يجب أن نناقش الشعرية من داخل القصيدة، ما جمالياتها وما الحقيقي وما الزائف فيها وما آليات وبنيات تشكيلها، وما اتجاهات الكتابة التي تسود الحداثة العربية الآن؟
لا أحد يستطيع إطلاق حكم نهائي بأن الشعر قد توقف عند شعراء الجاهلية أو شعراء التفعيلة، ولن يكون المتشددون لقصيدة النثر صادقين مع الشعر عندما يعلنون أن قصيدة النثر هي المآل الأخير للشعر. هناك أشكال أخرى للشعر ستظهر، ولن يستطيع أحد إيقاف التطور).
انتهت فعاليات النسخة الخامسة من مهرجان الشعر العربي بطريقة لائقة، كما ابتدأت، فقد حضر أربعة عشر طفلاً يحملون قيثاراتهم وقدَّموا تحية الفراتيين للراحل منصور رحباني. وبعد أن قرأ المصري محمود الضبع البيان الختامي، نظر الجميع في عيون بعضهم متسائلين: كم مرّ الشعر من هنا؟