"وردة حمدان" – قصة قصيرة
هجم الجندي على حمدان، مدرس التربية الفنية بمدرسة القرية، وشده من القميص البرتقالــي الكئيب ودفعه بقوة لينضم إلى بعض رفاقه المعتقلين منذ أيام في أحد السجون الإسرائيلية. كانت الأنفاس محبوسة وسرعة ضربات القلب في علو وانخفاض، وظـلَّ السـؤال عالـقاً فـي الأذهان: "لماذا أخرجونا من نظارة الحجز؟". كان هاجس التحقيق وما يتخلّله من اختناق وتعذيب يملأ القلوب، ويرتسـم عـلى الوجـوه التـي بدت صفراء نحيفة لقلة الطعام -على سوئـه- لكـن الهواجـس تبـدّلت فـجأة. ذلـك أن الحـرّاس قد اقتادوهم في الممرّ الطويل إلى فناء السجن ولم ينعطفوا بهم إلى الدهليز المؤدي إلى أقبيـة التحقيق، وبعد لحظات تبين أن المقصود هو تكليف من مدير السجن بأن يقوم بعض "الحثالة العرب" بتنظيف روث الخيول التابعة للضباط -بجمعه ومن ثم حمله في حاويات لإلقائه فـي الساحة الرملية الواسعة".
لم يشعر حمدان بمرارة يمكن أن تضاف لما حدث في قريته ليلة الاجتياح فهو حتى اللحظة لا يعلم، على وجه التحديد، الكثير من التفاصيل حول المآسي التي أوقعها الفاشيون لكـن شيئاً ما تحرك في أعماقه حول الطريقة التي يفكر بها الجنود الإسرائيليون. كان كل ما عرفه عن العنصرية الصهيونية يتجسّد أمام ناظريه في كل لحظة، فالعرب في نظر هؤلاء ليسوا سوى "كائنات ضارة" لا علاقة لهم بالمدينة والحضارة، وحدّث نفسه حول شراهة القتل الإسرائيلية ومصادرها التربوية فقرّر الرد على الفور وبأي وسيلة كانت.
لم يفهم رفاق حمدان لماذا كان مصرّا على أماكن بعينها لدلق القمامة ولكن حبهم له جعلهــم ينفذون طلبه من دون الكثير من التردد. وفي الأسبوع الثالث بدأ الرفاق يلحظون ما ينفذه حمدان. فقد كان يبني وردة هائلة تغطي الساحة كلها وفهموا أبضا لماذا كان مصراً حتى على تحديد أمـاكن بعينـها للرّوث الخـشن وأخـرى للأنـواع الأقـل خشونة.
بعد بضعة أيام حدثت جلبة وضجة من بعض الجنود عند نقطة المراقبة في نهاية الساحة، وبعد دقائق كان حمدان وباقي فريق التنظيف رهن التحقيق. كانت الشمس تعكس أشعتها الحمراء الذهبية، في الوقت الذي كان فيه مدير السجن يتأمّل الوردة العملاقة من نقطة المراقبة. كان الضوء ينعكس على الأكوام الداكنة فيكسبها حركة وهمية تزيدها سحراً؛ تراءت له ابنته التي تحبُّ الورود وتمني للحظات لو أنها برفقته لتسعد برؤية هذه الوردة العجيبة؛ تمني أيضا لو أن أمه تراها. وفجأة هبط مدير السجن درجات السلم الحديدي الرفيع بسرعة. واتجه بخطىً متسارعة إلى غرفة مكتبه فوجد المأمور قد ترك ورقة كتب عليها "انتهى التحقيق وتمّ التعرّف على الشخص الذي رسم الوردة، ومازال معزولاً لدينا.. بانتظار أوامركم".
فتح مدير السجن سدادة قلمه وكتب على نفس الورقة: "دعه يعُدْ إلى الحجز حيث رفاقه". ثم تناول ورقة جديدة وبدأ يكتب: "تحياتي وتقديري سيدي الجنرال.. تمّ العثور على فنان تشكيليٍّ معتقل لدينا منذ اجتياح بعض المناطق التي يسكنها العرب، وقد رسم وردة عجيبة في منتهى الروعة مستخدماً روث البهائم.. سيدي لم أرَ مثلها في حياتي.. ما زلت أذكر جيداً كلام مدرّس المدرسة والحاخام عن العرب وقذارتهم ووحشيتهم.. تعالَ وشاهدْ بنفسك كيف قام هذا الفنان بتحويل القذارة إلى وردة ساحرة بقدرة وإبداع يعزّ نظيرهما.. سيدي أتوسل إليكم تدبير أي إجراء من شأنه أن يساعد في إطلاق سـراح هذا الفنـان.. أو أن تتكرموا بقبول طـلبي الاستقالة".
صرخ مساعد وزير الداخلية ساخراً وهو يقلّب أوراق الملف: شيءٌ رائع بالفعل.. إسرائيل في حالة حرب مع "الإرهابيين"، وقد تندلع الحرب ضد العـراق وتحـتـرق حدودنا مع لبنان وباقي العرب؛ كل ذلك والأحمق يتعاطف معهم.. شيء ممتع فعلاً.
بعد دقائق كان المجتمع الطارئ منعقداً في وزارة الداخلية لينتهي بصدور قرارين، يقضي الأول بنقل فوري للسجين الرسام إلى سجن آخر وتشتيت باقي رفاقه إلى سجـون أخرى، فيما يقضي الثاني بالإيقاف الفوري لمدير السجن عن العمل وإحالة الملف إلى المحكمة العسكرية المختصة مرفقاً بطلب النيابة العسكرية للنظر في القضية بصفتها خيانة عظمى.
***************
كاتب وقاص من غزةabdallah.63@hotmail.com