محمد علي شمس الدين: بشاعة الوجود تحجب كل جمال!
"ولادتي على الأرض مسخرة، حياتنا مسخرة والموت مسخرة أيضاً"
يعمل الدكتور محمد علي شمس الدين حاليّاً على قصائد مختصرة جداً تدخل ضمن فكرة غنائية تستمد نبضها من وجودنا التراجيدي حيث العبث والمفارقات تعبث بالحكمة. قبل أن ترى هذه التجربة الجديدة في مسيرة شمس الدين الشعرية، الغنية بالحراك الرافض لكل أنواع البشاعة في عالم بات كل شيء فيه يحسب بقيمته المادية من دون الإبداعية.
(الأنوار) التقته في منزله في بيروت وكان حوار حول حجم هذه البشاعات المتمادية في هذا الوطن الجميل:
* تعمل اليوم على قصائد قصيرة، هل هي مرحلة جديدة في شعرك?
- نعم، وهي ليست جديدة كشكل. أنا مسبوق بجبران في (رمل وزبد) وفي كتابه (السابق). كما أنّ بابلو نيرودا كتب كتاب التساؤلات قبل أن يموت بشهرين وهو أجمل ما قرأت له، وفيه اختزال كبير لعفويّة الطفولة وحكمة الشيخوخة. أضيفي إعجابي بتجربة نجيب محفوظ في كتابه (أصداء السيرة الذاتيّة).
* ماذا تعني بـ (تراجيديا غنائيّة)?
- هي تقنيّة شعريّة لتراجيديا كوني أعيش على هذه الأرض، في هذا المكان، في هذه اللحظة، مع هذه المرمغة الكونيّة. أنا أفكّر كثيراً بأغلاط الوجود من ناحية واقعيّة ومن ناحية ميتافيزيقيّة. كل شيء غلط. هذه هي التراجيديا بل المسخرة وهي تنال من أصول فكريّة كثيرة فلسفيّة ودينيّة وإجتماعيّة. ولادتي على الأرض مسخرة. حياتنا مسخرة. الموت مسخرة. هذه بشاعة الوجود، وهي تحجب كل جمال. لماذا?.. هذا ما يجري.
* كيف تتعامل اليوم مع هذا الواقع الرديء وكيف تعيشه?
- أحاول أن أهجوه. سأكتب كلمات كالسيوف تقطع في هذا اللحم العفن.
* تعيش في شعرك الحبّ. هل تهرب إليه اليوم من هذا الواقع المظلم?
- أخاف على الحبّ من تمريغ كل ما هو لطيف ومريح وهادئ في العالم. العلاقات الإستهلاكيّة والماديّة الضاغطة غلبت ضرورات الوجود على المعنى والقيمة، ثمّ فداحة القتل والقتل والقتل في كلّ مكان من العالم، كل ذلك يجعل الحبّ كجناح بين الحوافر. حين أعانقه علي أن أدخل في الوحل أو التراب ويداس ظهري ورأسي وكل قبلة ثمنها مغامرة. الحب موجود جدّاً وصعب جداً.
* لماذا هذا الألم الكبير عندك. هل من الواقع أم من الإنسان?
- هو قديم. كتبت في ديوان (أناديك يا ملكي وحبيبي) قصيدة في عنوان (صباح التعب) حيث ثمّة رحيل وتشرّد، والصباح صباح التعب. التعب هو تعب وجودي من جهة وهو أيضاً نتيجة إحتكاك بلحظات الحياة كلّها. الإنسان كادح في إتجاه الموت، كل إنسان. الفكرة الدينيّة سواء كانت في المسيحيّة أو الإسلام، تصف هذه المكابدة للإنسان. جاء في الإنجيل: (باطل الأباطيل كل شيء باطل). وجاء في القرآن: (إنك كادح إلى ربّك كدحاً فملاقيه). أضيفي أنّ الفلسفات البراغماتيّة وآخرها وأشرسها العولمة هي فلسفات كاسحة لوجود الفقراء والضعفاء على الأرض.
ماذا نفعل?
* الطبيعة تحتلّ مركزاً هاماً في شعرك، إلى أي مدى تساعدك على الوصول إلى الصفاء الروحي?
- هذه حيلي وذرائعي في المواجهة. أنا موجود كطفل عار ضدّ الوحش. أحياناً أغمض أجفاني كي لا أراه. لكنّه لا يلبث أن يستيقظ في داخلي. أهرب إلى الشعر، إلى الله، إلى المرأة، إلى الشجرة، النهر، الغيوم. لكن لا تحسبي أنّ من أهرب إليهم بيوتهم مفتوحة لي. أحياناً، كل الطرق مسدودة. في شعري الكثير من العدم والرماد.
* ما سبب هذا القلق المتنامي في شخصيّتك وفي شعرك?
- القلق هو عصب. كثير منه شكله الوعي والارتطام اللحظوي برياح عاتية، تهبّ تارة من الشوارع وطوراً من السماء أو البحار وبعضه ساكن في اللاوعي.
القلق أساس الوجود. لست أدري إذا كان العتات والقتلة يقلقون. سلب الوعي وحده يسلب القلق، الجنون، الغيبوبة... من صغري وأنا أتحسّس في روحي هذه البذرة. كل ما فعلته هو التعبير عنه.
شعري كله من (قصائد مهرّبة إلى حبيبتي آسيا) حتى (الغيوم التي في الضواحي) هو تجلّيات القلق في العبارة.
* الماضي حاضر بكل تجلّياته في شعرك. لكأنه النبع الذي تنهل منه الشكل والمضمون والقيم ونواحي الحياة الجميلة. لماذا هذا الحنين إلى ماضي الأيام والإبداع?
- عمليّة القطع مع السيرة ليست سهلة ولا صحيحة. الحداثيّون في الغرب Modernists قطعوا مع الماضي، حتى إن (ماياكوفسكي) اعتبر الرومنسيّة كعضو مريض في جسم حيّ. ايضاً (يوجين يونسكو) المسرحي السوريالي الفرنسي، كتب هجائيات لفكتور هوغو. ثمّ استيقظ العالم على ما بعد الحداثة ليجد أن الحداثيين لم يفهموا جدل العلاقة مع الماضي. لا شيء يموت. كلّ شيء يولد. الولادة هي تجدّد. كلّ قصيدة تخزن كلّ الشعر. لا يؤسّس تجاوز على أي جهل. المعادلة هنا دقيقة جدّاً وخطيرة.
* في ديوانك (أناديك يا ملكي وحبيبي) الصادر في طبعته الثانية في العام 1984 ، قصيدة في عنوان (ورشة القتلة). من هم القتلة؟، وهل ما زالت هذه الورشة مستمرّة إلى اليوم?
- أنا حين كتبت هذه القصيدة في أيلول في العام 1978، كنت أقيم في قرية هادئة في قلب الطبيعة من الجنوب اللبناني (عربصاليم). الطبيعة مسالمة: الجبل، النهر، الوادي، الأشجار. فجأة، إنهمر الرصاص من كل جانب ومن خلف الجبل المسالم ومن وراء الشجرة الخضراء وطلع الموت من النهر.
القصيدة تنطوي على تحوّل كل شيء من حولي من الهدوء والمسالمة إلى ورشة قتلة. آنئذ، قلت:
"وداعاً وداعاً قيودي الصغيرة.
لم يعد للمغنّي فم ولاطعم للعاشقين
والذي يفصل الشمس عن طفلها
ورشة القاتلين
هنا كل موت بمقداره:
2/1 كوب من (الدال)
في 2/1 كوب من (الميم)
في نصف السماء
هكذا
ينتهي
آخر الأنبياء".
إني أهدي هذه الورشة إلى جميع السياسيين في بلادي. إن دور المواطن أو الشاعر هو أن يهجو ورشة القتلة في الخارج وفي الداخل.
من مؤلفات د. محمد علي شمس الدين الشعرية:
· الشوكة البنفسجية
· رياح حجريّة
· طيور إلى الشمس المرّة
· غيم لأحلام الملك المخلوع
· شيرازيات
· الغيوم التي في الضواحي...
ومن مؤلفاته النثرية:
· كتاب الطواف
· رياح هجرية
· حلقات العزلة... وغيرها.
الأنوار