دعوا أطفالكم يرسمون
ربما ينظر الكثير منا إلى رسوم أطفالنا كشيء من العبث أو مضيعة للوقت، وقد ندفعهم إلى الرسم مرغمين كي ننأى بهم بعيداً، عن أعين الضيوف، وقد أشاعوا بيننا جواً من الشغب والفوضى!.
الرسم للطفل قبل أن يكون قيمة جمالية، تنمّي لديه الحسّ الجمالي والتذوّق الفني، هو حالة تعبير صادقة عن مكنونات داخلية وانفعالات، وإننا نجد في لغة الرسم لغة بديلة يفصح من خلالها الطفل بأسمى التعبيرات البلاغية النابعة من أعماقه. ومن خلال الرسم نستطيع فهم نفسية الطفل ومشاعره ودوافعه وتصوره لنفسه وللآخرين.
ومن هذا المنطلق يجيب علينا -كأهل ومعلمين مشرفين- أن نتيح المجال لكل الأطفال على حد سواء أن يرسموا ويرسموا حتى وإن تفاوتت الموهبة وتباين الإبداع لدى كلٍّ منهم. من الخطأ الجسيم أن نتوجه إليهم أول مرة بالسؤال التالي: من منكم يعرف يرسم أيها الأطفال؟ بل علينا التوجه بهذا السؤال الأدقّ لنحصل على النتيجة المرجوة وهو: من منكم يا أطفال يحب أن يتعلم الرسم؟ حينئذ وفي الحالة هذه سنلقى الرد بالإيجاب من قبل جميع الأطفال المتواجدين في غرفة الصف، أما في الحالة الأولى فسيرفع إصبعه عددٌ قليلٌ جداً منهم، أمام ارتباك الآخرين وتململهم.
وحين يرسم الطفل علينا أن ندرك أن أجمل الأشياء في رسومه هي أخطاؤه، علينا أن لانقمعها أو نلغيها لأننا بذلك نلغي جزءاً من عمره ومن وجدانه ومن ذاكرته البصرية الطفولية، والطفل يرسم ما يَعرف لا ما يرى، فهو يقدّم حكاية صغيرة عن شجرته هو، وبيته، وعالمه هو، وهذا هو التدرج الطبيعي للنمو الفني عنده.
إذن، علينا إعطاؤه كامل الحرية في التعبير، دون أدنى تدخل أو إيحاء نقحمه قسراً إلى مخيلته وتصوراته، فنكون بذلك قد حرّرنا عالمه البصري والنفسي الداخلي، وتَعرّفنا عليه وساعدناه على نموه بطريقة صحيحة ومحسوبة النتائج. ويتجلّى دورُنا كمشرفين في ملاحظات هامة تعزّز ثقته بنفسه وبعمله، دون التدخل في صميم العمل الفني الذي ينجزه، بل بتكريس القيم التربوية الأخلاقية وبث المثُل العليا وفق سلوكية صحيحة، ويعتبر هذا من أهم أدوار الفن في حياتنا، فعندما نطلب من الطفل مثلاً أنْ يعبّر باللون مباشرة دون استعمال الممحاة أو قلم الرصاص، أو دون أن ينقل عن أحد، نكون قد مرَّرْنا له مفهوماً في الحرية والجرأة والابتعاد عن الخوف والتردُّد والخجل والاعتماد على نفسه، (الممحاة تقوم بتأكيد فعل التردّد)!؟. وإذا ماطالبناه بملء فراغ اللوحة كاملة، فمعنى ذلك أننا نكرّس لديه قيمة سلوكية هامة، من شأنها أن تنبِّهه إلى ضرورة إنجاز وإتمام أي عمل يوْكل إليه في حياته.
هناك مسالة هامة علينا الانتباه إليها.. فالطفل حين يرسم يعيد صياغة الأشياء وفقاً لأحاسيسه ورؤاه, فيقوم هذا الفنان الصغير بتشكيل عوالمه الخاصة التي يراها بشكل مغاير لرؤية الآخرين، ويحاول بناء الأشكال وفقاً لمقتضى تَصوُّره وخياله المتّقد الذي يتجاوز حدود خيال الكبار, لدرجة دفعت أحد الباحثين للقول: "كم أود لو أسير في الدروب التي يسلكها فكر الطفل الصغير خلف الحدود".
هذا الخيال الواسع هو الذي سيعمل بالتأكيد على فتح الآفاق أمام الطفل كي يدرك الواقع فيما بعد؛ ويتعرّف على حدود الممكن ويتجاوزه إلى الأبعد، الذي قد يبدو مستحيلاً في نظر البالغين.