نجيب محفوظ قُرِىء جيداً ...لكن لم يُسمَعْ جيداً
كيف تُواري الثرى مدينةً نفسَها؟
كان نجيب محفوظ هو القاهرة، وكانت القاهرة هي نجيب محفوظ. حتى أني – ولعل مثلي كثيرين – عندما وصلت القاهرة للمرة الاولى عام 1974 واستقليت التاكسي من المطار الى فندق شيبرد، اختلطت علي الأمور لساعات: أيهما الحقيقية قاهرة نجيب محفوظ أم القاهرة التي كنت قد أصبحت على ضفاف نيلها. ولم يكن باستطاعتي ان أميز بين شخصيات نجيب محفوظ وبين "الشخصيات" الاولى التي التقيتها: سائق تاكسي المطار الذي أردت أن أمالحه كمواطن مصري فسألته، وكانت "حرب اكتوبر" وآلاف الشهداء فيها لم تمض أشهر على حدوثها وسقوطهم: ما هو رأيك بالقضية الفلسطينية. أجابني السائق وهو ينظر الي من المرآة نحو الخلف وباستنكار
الله! ما دي قضيتنا كلنا.
شعرت عندها أنني استعجلت السؤال، بل انني طرحت سؤالا ساذجا ومهينا لهذا المواطن بعد كل التضحيات التي قدمتها مصر.
لكنه وبعد صمت برهة على جوابه الاستنكاري الاول .. أردف:
".. اللي ضيّعتنا واللي خربت بتنا "...!
لا شك ان كتَّابا كثيرين "تماهوا" مع مدنهم واكتنهوا نبضها وتحولاتها، لكن لا شك ان يكون كاتب، في الغزارة والمواكبة قد أصبحت رواياته هي .. الحياة نفسها في المدينة مثل نجيب محفوظ. "قاهرة" نجيب محفوظ هي أكثر إذن من "نيويورك" بول اوستر او "باهيا" جورج أمادو أو اسطنبول أورهان باموك... أو حتى باريس أميل زولار وغيرهم ممن يقعون في حدود معرفتي.
كان نجيب محفوظ قد أصبح "القاهرة" حتى "ريفه" هو الريف الذي تستقبله القاهرة الى حد انه في فترة من الفترات أصبحت كتابات الريف "الصرف" تثير فضولي، بدءا من "يوميات نائب في الأرياف" لتوفيق الحكيم والتي لم أكن قد قرأتها حتى وقت متأخر من السبعينات، ولطالما قرأت روايات مصرية متفاوتة المستويات، وأحيانا محبطة، باحثا عن "الريف" المصري بعيدا عن القبضة المدينية الممتعة لنجيب محفوظ، وبعيدا طبعا عن الروايات التاريخية التي وضعها في أول مسيرته.
نجيب محفوظ الذي كتب الى حد لا يمكن لي أن أجزم بأنني قرأته بكامله!! اختلط عندي – باستثناء بعض رواياته الكبرى والتي ذكرتها لجنة نوبل عندما منحته الجائزة عام 1988 مثل "الثلاثية" و"أولاد حارتنا" – اختلط في العديد من الحالات بين رواياته والافلام السينمائية التي جسدت هذه الروايات.
• • •
لكن هذا الكاتب الكبير الذي لم تحل غزارته الروائية من ان يكسب الاحترام الرفيع للنخبة الثقافية المصرية، والذي رصد القاهرة في معظم القرن العشرين في مراحلها الثلاث الاستقلالية والثورية و"الانفتاحية"، لم يستطع في سنوات "حكمته" الاخيرة في العقود الثلاثة المنصرمة ان يؤثر كفاية بـ"المزاج" السياسي العام لهذه النخبة الثقافية.
لقد قرأه المثقفون المصريون (والعرب طبعا) ولكنهم لم يستمعوا اليه كثيرا عندما اتخذ عددا من المواقف السياسية الصادمة خارج رواياته، سواء في بعض مقالاته التي كان يكتبها في "الاهرام" أو في تصريحاته في السنوات الاخيرة.
كان نجيب محفوظ يريد تحرير الصراع المصري والعربي مع اسرائيل من قبضة التخلف بما يضمن انتصارا حضاريا على العدو، فاتخذ موقفا مؤيدا لـ"الصلح" مع اسرائيل بعد حرب تشرين. بقيت النخبة الثقافية المصرية راديكالية جدا أي ضد هذا الصلح. واستمر جزء رئيسي منها راديكاليا الى حد التأييد الحماسي لنموذج حكم مثل صدام حسين.
تطور هذا الموقف الى رؤية نقدية عميقة ضد كل مظاهر الفكر "الشعبوي" الذي ساد في العالم العربي في فترة الستينات والذي انتهى بهزيمة 5 حزيران، فأدان نجيب محفوظ نمط تطيبق "ديموقراطية التعليم" التي حولت الجامعات المصرية حسب رأيه الى مراكز للتجهيل والمستوى العلمي الهابط، ودعا الى اعطاء الاهمية لنوعية التعليم.
وبطبيعة الحال كان نجيب محفوظ الليبرالي القيم يلتقي مع معظم النخبة اليسارية والقومية المصرية في رفض التطرف الاصولي، لكنه كان من القلة التي حوّلت موقفها هذا الى موقف ضد "الأصولية" بمعناها الشامل، فخرج من المفارقة التي تعيشها الى اليوم أجزاء من النخبة العربية اليسارية والقومية العلمانية، وهي رفض نمط تفكير الاصوليين العقائدي، وتبني شعاراتهم الراديكالية نفسها في موضوع العلاقة السياسية مع الغرب في آن معا. كان نجيب محفوظ بين القلة الثقافية التي لم تعش هذه الازدواجية ولهذا اختارته يد الظلامية في أحلك أيامها المصرية لكي تعاقبه.
• • •
لقد ختم نجيب محفوظ حياته بموقف كان هو من وجهة نظره ذروة الدفاع عن المدينة التي اصبحها وأصبحته: القاهرة. لقد دعا قبل أشهر الى نقل العاصمة السياسية للدولة المصرية من القاهرة وتأسيس عاصمة سياسية جديدة .. لكي تبقى القاهرة مدينة الثقافة والتاريخ والاقتصاد... الحيوية.
وهذا الموقف لم يحظ إلى اليوم بما يستحقه من اهتمام مثل ما فعلت دول أخرى.
لقد قرأوه جيداً. لكن لم يستمعوا إليه كثيرا.
جهاد الزين