سيف عنترة

عمر حمش قرأها 6
 

عمر حمّش

اليوم أطبق عليّ الاختناق, فهّربتني ساقاي, ترنّحت حتى السّوق, غامت العينان في جمهرة محتشدة حول طاولة عملاقة يعلوها سوقيٌّ تلوِّح يداه في الفراغ, كان يفجر فوق الرؤوس: "شاقل, شاقل, قميص ينفع لعامل طوبار, قميص ينفع لعامل طوبار, قميص بشاقل, شاقل, شاقل ونصف, شاقلان".

ترتفع ذراع من بعيد, يزداد السعر بطيئاً, يزداد الاختناق. يزحف القميص فوق الجمهرة, تتلقفه يد وتقلبه, قميص آخر, بنطال يصعد العالي, "شاقل, شاقل", تعوم العينان, هذا الانقباض داء شخصي يخصني, يتلقفني منذ الليل إلى الليل, ويتلذّذ داخلي, يقبضني حتى تهتز الساقان, حتي تخذل الذراعان, وتنطفئ العينان, الوجوه تعوم وتمتزج الألوان, كل شيء أبيض أو كل لون أسود, أبيض يهتزّ, أو أسود داكن في كلّ شيء, السوق لا يفرّج الكرب, الاختناق يحتلني في وسط المزاد, "شاقل, شاقل", هذا الدلال همجيٌّ يجأر, الناس أصنام عمياء تحملق, تتعلق في خرق بالية, قادمة من إسرائيل, ملبوسات ممسوحة, أو أحذية مثقوبة, الهمجي يصيح بإتقان تعوّده, ذراعاه تعومان, يقلّب بضاعته بإغراء, أحياناً يلبسها ويدور كعارض أزياء, فتهيج الأصنام, ويهيج السعر, أترنّح أنا فأحمل رأسي وأجلس تحت السيقان. آه يا رأسي, يا عينيّ المطفأتين, ظهري يسنده حائط, روحي تغوص بعيداً, وعينايَ بئر بلا قرار, أذهب داخل بئري, أغوص, أغوص, فتلاحقني الجمهرة, تطبق داخل صدري, الحشد يزيد, القمصان تتناثر لتلطم الرؤوس, معاطف وسراويل تطير, أحذية تلطم الخدود, ناس تغادر, وناس تأتي, أحلّق أنا عصفور أسود لأرقب الهمجي وأدقّق فيه, وياعجبي في لحظة رأيته ترتخي أسفل خدّيه ذؤابتان, رأسه يزدان برقعة مستديرة سوداء, رفع من بين ساقيه سيفاً طويلاً رغم الصدأ لمع حدّاه, حمله ثقيلاً ولاح به, هويت أنا إلى قاع البئر, واختناقي ازداد, ضرب الهواء, فسمعتُ صليلاً أحسب أني أعرفه, صاح الهمجيّ:

-    سيف عنترة,

وصاح الناس:

-    سيف عنترة!!

هلّلوا ولا أعرف ماذا قصدوا, عاد يضرب الهواء وينادي: "سيف عنترة".

جاء من لم يأت, احتشد السوق وحسبت الدنيا احتشدت. "شاقل, شاقل", "سيف عنترة", وأنا عصفور أسود أتراقص فوق الحدّ, تشمّمتُه, تذوّقتُه لحظة ثم طرت, "شاقل, شاقل",تزايد التهليل وارتفع صوت: "شاقلان", رأيت مرحاً في العيون, فبكيت إلى أن دميت عيناي, ضاعت عيناي, "شاقلان, شاقلان", ويا عجبي.. في أقصى الحشد رأيته. كان عبداً ذاوياً ينحني على خجل بين السيقان, رنَت عيناه الواسعتان إلى السيف, فسكبت دمائي. كدت أحادثه فلم أقو. كدت ألثم شعره المجعد فلم أقو, "شاقلان", ارتفعت يد وصوت: "ثلاثة".

ضرب الهمجيّ بالسيف, وأرسل صليلاً, "ثلاثة, ثلاثة", وأنا مذبوح. يا ربى ماذا يحدث؟ العبد الأسود يذوى, وأنا أذوى, ولا عينان تشبه عينيّ.. بل مرح يعلو, هذا سيف عنترة "يانـاس, أربعة, أربعة شواقل", الذؤابتان تتراقصان, القبعة تتطاير معلقة بدبوس يشجنى, في عنق العبد الأسود حبل وعلى خجل يرنو, أين أنت يا عزرائيل, القبر أمنية الأماني, رغبة الرغبات, طريق النجاة لعصفور ممزق, ياموت الصالحين اقترب, "خمسة, خمسة شواقل", الهمجيّ يعربد, يتراقص, يطير ثقيلا, ويهوى فوق الرؤوس, أفسحوا المكان, يدبّ على الأرض ويمزق بسيفه الصفوف, يصل العبد فيجرّه, يهتف وعنترة معه. السيف وعنترة, يصفق الناس, يحمل عنترة السيف ثقيلاً ويدور به, يقصفه الهمجيّ بعصا ويقهقه, "ستة, سبعة", عنترة يعوى, وأنا مذبوح, "ثمانية شواقل", وعزرائيل لم يأت, يا مريح التائهين, يا مغيث, يتخلّى عني عزرائيل في أوج العوز. أغوص في بئري, تلاحقني عيون عنترة, السعر يزيد بطيئاً, قهقه المجنون, أغوص أغوص. أصل شاطئ بحرنا, أدخله على عجل, تدفعني الأمواج, فأعود عنيداً, أقذف روحي داخلها, أضرب رأسي في صخرة فلا تنفجر, أبحث عن جوف حوت فلا أجد, تسحبني القهقهة, القبعة المتطايرة, الذؤابتان, اللكنة غير العربيّة, عينا عنترة الخجِلة, يتردد صدى صراخي ... يا عزرائيل... فتدوسني أقدام في الحشد لتوقظني, تسحبني من بئري. أحدهم يتلمّس وجهى ... "يا أخ!!", فألملم نفسي عن الحائط, وأقوم, لأجر جسدي مبتعداً.

* روائي وقاص من غزة

.Omar-mustafa@hotmail.com