لتعش الهويّة وليمت الإنسان

جوزيف أبي ضاهر قرأها 5
 

ورقة في جيبي يسمّونها هويّة. تتكلّم عنّي، تقول للنّاس اسمي، تصف لوني عيني، ولون شعري، وفي أي يوم ولدت، الى أي عائلة أنتمي، الى أي وطن، الى أي دين. وإذا كنت متعلماً، أو جاهلاً، متزوجاً أو عازباً، ومن اخترت زوجة لي... ورقة تكاد تأخذ كل حضوري، بل تأخذه. وبدونها يُلقى القبض علي بتهمة تقمّص شكل ما، في وطن ما، في حياة ما... ما كنت أتمنى أن يكون وجودي فيها مرتبطًا بورقة.

***

تتعثر دول بهويتها فتسقط، وما من هويّة تعثرت بدولة، بإنسان، قد تتبدّل فتتبعها الدولة، ويتبعها الانسان، ولو حاول أن يستأنف حكماً مبرماً.

***

في رسم الخرائط، من قسّم الأرض الى بلدان، أوطان، مدن وأزقة؟ من يملك حق التصرّف بما ليس له؟

قَلَب التاريخ طبقة من جلده، خبّأ تحتها كميّة من السيوف والخناجر:

ـ ارسموا أنتم خرائط جديدة. المغتصبون هم أفضل رسامي العصور السابقة، واللاحقة، وحبر الناس لن يجف في عروقهم.

***

السجّان يعتبر الهوية إضبارة، فيها ما يكفي من التهم لانزال الحكم، فيستصدره من الأسياد، والتنفيذ مسألة وقت.

***

لا تهتم الهوية بما هو أبعد من الجسد، وعندما يغادر الجسد الى التراب، يغادر من دون هويّة. التراب أكثر منها معرفة به.

***

الأزهار لا تحمل هويّة، والناس، كل الناس، تعرف الاسم الذي يليق بها. تعرف عائلتها، موطنها، والى أي فصل تنتمي، وكم عمرها، وأكثر.. كم تعيش.

كذلك الفراشات، والأسماك، والحيوانات والطيور... ولا مرّة شاهدت طيراً يحمل هويّة، يجتاز كل حدود من دون مراقبة أو تفتيش، وحتى من دون سؤالٍ اعتراضيٍّ: الى أين؟

تقول دراسة وضعها إنسان ما، أن عدد الأزهار والأشجار والطيور والحيوانات فوق هذه الأرض، هو أكثر بكثير من أعداد الناس الذي يحملون أوراق هوية... ويصنّفون من أجل هويّة، ويولدون من أجل هويّة، ويموتون «بفضل» هويّة.

ولتعش الهويّة... وليمت الإنسان.