الرقابة على الفكر والإبداع

منير مزيد قرأها 6
  

مما لا ريب فيه ان الانسان هو محور الفكر والعمل الانساني وهدف الشرائع والأديان السماوية واهتمام جميع الفلسفات والإيديولوجيات التي استهدفت تحرره وتنمية قدراته والحفاظ على أمنه ووجوده وحقوقه وحرياته وممتلكاته وتوفير الضمانات القانونية لحمايتها والتشريعات التي تهدف الى حمايته من أي اعتداء او امتهان،  فالرقابة على الفكر والإبداع  تعتبر بمثابة الوصاية التي تؤثر علي حرية الابداع، وتشيع جواً من الحذر والخوف المبالغ فيه بين المبدعين ،مما يؤثر سلباً علي الإبداع بشكل عام، و يجعل المبدع مطارداً بهاجس الرقابة فيتراجع إبداعه وبذلك يتم غياب المساحة الحرة الضرورية لجعل المشهد الثقافي مؤثراً على مجمل المشاهد السياسية والاجتماعية ويشيع الخراب والدمار ويتعارض قطعياً مع كل القيم الإنسانية والسماوية بغض النظر عن هوية المتسبّب به سواء أكان فرداً او جماعة او حكومة، الأمر الذي يعني ان علينا الوقوف وقفة صريحة وجادة ضد ما يسمى "الرقابة على الفكر والإبداع".

كلما ارتقت رؤيتنا لحرية الإبداع ارتقت معها قدرتنا على التسامح وتقبل الآخر.. فالاختلاف في الرؤى والتفسير والنظرة للأمور هو سنة الحياة سواء في عالم السياسة او الدين او اي من العلوم الإنسانية ولا يعطي الحق صلاحية أشخاص لفرض رؤاهم على الآخرين وتنصيب أنفسهم أوصياء على المجتمع وعلينا...

فالعالم الإسلامي وتحديداً العالم العربي ما زال يعيش تحت تأثير الصدمة التي سببتْها الحداثةُ داخل المنظومة الثقافية العربية. وحِدَّة هذه الأزمة تكمن في أن هذه الحداثة وافدة. ويجمع الباحثون انها  أيقظت الوعي ولم تدفع إلى النكوص، إذ أيقظت الوعي بضرورة مواجهة "هذا السيل الذي لا يرد" حسب وصف خير الدين باشا التونسي الذي أصبح لاحقاً صدراً أعظم في إسطنبول..

ولكن صدمة الغرب لم تحجب عن الإصلاحيين رؤية الوجه الآخر للمشروع الحضاري الغربي الذي ترتبط فيه المعرفة بالهيمنة والسلطة على حد تعبير محمد عابد الجابري في نقده للمشروع النهضوي العربي وبنفس الوقت يشددون على التميز بين الغرب السياسي الذي حملوا عليه وأدانوه وبين الغرب الثقافي الذي أشادوا به وسعوا إليه، إلى التعلم منه ونقل تجربته المنهجية المتقدمة إلى المجتمعات العربية والإسلامية، الا ان التيار الراديكالي العربي بفرعيه الإسلامي واليساري وقع أسير  "صدمة الحداثة" التي أيقظت عند هذا التيار شعور العدائية للغرب ..

الا ان اليساريين انكفوا على أنفسهم بسبب سقوط المنظومة الاشتراكية لدول الاتحاد السوفيتي سابقاً وتراجع حركة التحرر العربية وقواها السياسية وخاصة قوى التغيير، وبهذا وجد التيار الراديكالي الإسلامي مساحة أكبر لتمرير مشروعه السياسي.. والشيء المحزن في هذة المعادلة، على رغم كره وعداء التيار الراديكالي الإسلامي للغرب الا ان الغرب استطاع بان يمسك بالإسلام السياسي, منذ ثورة محمد على باشا بمصر, حيث استطاعت قوات الحلفاء ان تهزم ثورة محمد على, بواسطة مساعدة الحركات الأصولية والقوى الطائفية بالبلاد العربية, واستطاع الغرب إعادة خلافة، بني عثمان الى السلطة, بعد سقوطها امام جيوش محمد علي، ومن ثم  تأمر التيار الراديكالي الإسلامي  في مصر على ثورة 23 يوليو ومحاولة اغتيال جمال عبد الناصر في الإسكندرية وآخرها انقلاب حماس على السلطة الفلسطينية ..

وبهذا استطاعت الحركات الإسلامية الرديكالية من بسط سيطرتها مما أفرز حركات أكثر تطرفاً وتعصباً، على رأسها القاعدة التي بدأت تضرب هنا وهناك تحت ذرائع حماية الدين.. وعاثوا فساداً بالخلق والخلق وشوّهوا كل شيء اسمه ثقافة او دين والإسلام بريء من هذه الايديولوجيات .. ومما يزيد مخاطر هذا التيار هو محاولته تبرير ما يقوم به من أعمال تحت ذرائع حماية الدين ويصبح نقد هذا التيار موجها لنقد الإسلام وبالتالي يزداد الوضع صعوبة وننجر إلى انقسامات وصراعات داخلية ... وللخروج من هذة الأزمة لا بد من تحرير الثقافة بكل حرية وبدون قيد لأن تحرير الثقافة هو بالتالي تحرير الفكر والعقل الإنساني والعودة إلى مسائل النظر والتفكير والنقاش إلى الواجهة ووجود قناعة عند الإسلاميين وغيرهم أن التغير والتجدد والتواصل مع العالم ضرورة من أجل الاستمرار. فالثقافة التي تتفاعل مع الآخرين هي ثقافة فاعلة ومتجددة وأما ثقافة الانغلاق فمحكومٌ عليها بالفناء والموت ....