ثقافة .. صفة لكل شيء
في الأيام العجاف يستعيرون صفة «ثقافة»، ليلصقوها بكل شيء، بأي شيء: ثقافة الإرهاب، ثقافة الموت، ثقافة التراشق الكلامي، ثقافة الانحطاط... والثقافة براء.
يساوون اللانساني بالإنساني، الجهل بالمعرفة، الخطأ بالصح، الظلم بالعدالة... كلمات، كلمات، أفرغوها من معانيها، واستسهلوا ترداد ما سمعوا، من دون أن يتحققوا مما سمعوا، فيصححوا، أو يتجرأوا على رفع الممحاة في وجه هذا التلوث الكلامي.
***
الثقافة صفة لطابع في بريد التعامل اليومي، بين المواطن والسياسي، وبين السياسيين، بعضهم مع بعض.
حتى الثقافة لوثوها بالسياسة، عوض أن ينقّوا السياسة بالثقافة، ويغنوها بالمعرفة، والرقيّ كلامًا وممارسة، فيسقط الاذلال والخنوع، والخضوع، والتزلّم... وما يتبع من صفات تسعى الثقافة الى إنهاء «خدماتها».
***
إن التواصل بين المواطن والسياسي، خارج إطار الثقافة، هو إطار خدماتي.
تتنازل الدولة عن حقها، وعن دورها في تثبيت النظام، الى خصخصة لصالح الساعين الى السلطة، وبدورهم يحوّلون السلطة مطيّة، من دون أن ينزلوا عن أكتاف «الجماهير» التي «تحب» أن تصفق لهم، وتلهث بهم في صعودهم، وفي نزولهم.
خدمة مقابل خدمة. لن يتغيّر في الصورة إلا إطارها الخارجي. وسيظل الأمل بالوطن حلمًا في ليلة مظلمة.
***
... وأما الخضوع فلا يتم بقانون، أو نظام، يكفي أن يتوفّر المناخ العام، مع شيء من الترغيب أو الترهيب. ويصبح القبول حجّة لمن يريد العيش، (لا الحياة) فوق التراب، أو تحته؟ تلك هي المسألة، تلك هي ثقافة الترويج.
***
يبقى «نقد الواقع»، وهو ظاهرة كلامية، إذا تجاوزت الصوت شكلت خطرًا، وأحدثت إرباكًا، وارتباكًا، وفي هذا المناخ تُصاب الرؤية بغبشٍ ما يجعل الألوان غير متطابقة مع بعضها بعضًا. تتراجع المعرفة الحقيقية بعد أن تكون تمزقت ثيابها، من التدافع بالكلام والأفكار وحتى بالأيدي التي لو غسلت بماء البحر كله، لن تصبح بيضاء، ولن تمسّ حرفًا من أبجدية الثقافة.
*********